DATE \@ "dd/MM/yyyy" \h 06/03/1429
-3-
بسم الله الرحمن الرحيم
المقالة الأولى:
كشف المستقبل معلومات وتخطيط أم إلهام و أوهام
نشرت في جريدة الحياة اللندنية
1- الاستسلام موروث ثقافي اجتماعي.
المستقبل أفق واسع، وكل من الأفراد والجماعات والدول; يحاول ثقب أستاره، واكتشاف ملامحه، فمن ارتاح في الحاضر، يخشى أن يتحول الإقبال إلى إدبار، ومن يشكو الحاضر يتطلع إلى الخلاص.
وللناس طرق شتى، في توقع المستقبل، فمنهم من يتوقع أحداثه من خلال الكهانة والتنجيم والسحر، ومنهم من يتوقعها من خلال أحلام اليقظة أو المنام، ومنهم يتوقعها عبر الحدس والإلهام.
وهناك بشر كثير منا; يتركون الأمور تجرى دون توقع ولا حسبان، في استسلام وإحجام، ويعتبرون التفكير المستقبلي; نزعة تدل على ضعف الإيمان، وقد صورت ذلك مقطوعة شعرية، قديمة التجذر في الثقافة المجتمعية العربية الإسلامية:
دع المقادير تجري في أعنتها×
ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين طرفة عين وانتباهتها;×
يغير الله من حال إلى حال
وآخرون يوطنون النفوس على تقبل الفواجع، لأن من طبيعة الزمن-كما يقولون- أن يفرق كل اجتماع، وأن يهدم كل سعادة، وليس للناس من ذلك مفر، وليس لهم شأن في دفعه أو منعه، فعليهم إذن توطين النفوس، على الاستسلام للكوارث والبلايا، كما قيل :
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسا بما فعل القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي
فليس لحادث الدنيا بقاء
هذان بيتان من مقطوعة مليئة بالنكوص والتخلف، نستريح إليها، فنعلقونها في مكاتبنا أودكاكيننا أو بيوتنا،أو نرددها في مناسبات إخفاقنا، مطمئنين إلى صحتها، مادام أسلافنا قد وضعوا عليها ختم الشافعي، لكي يؤكدوا لنا أنها من الحكم النافعة،فمادام الإنتاج عليه ختم أحد رموز السلف الصالح؛ فهو مقبول بلا نقاش. وأغلب الظن أنها ليست للشافعي، لأنها لا تمثل روحه ولا روح مدرسته. ولكن من اليقين-على كل حال- أنها لا تمثل روح الإسلام ، لإنها تجسد نزعة سكونية أمام حركة الحياة، تسهم في غيبة الوعي والرأي، في الثقافة المجتمعية العربية، وفقدان التنظيم والتخطيط، وعجز الأفراد والمجتمعات، عن فهم طبيعة الحياة، وإدراك سنن الله الاجتماعية، التي دعاهم الله سبحانه وتعالى، إلى تطويع ما يتطوع منها، ومغالبة ما يمكن مغالبته، وانتهاب فرصها، لأن التخطيط والتنظيم، هو أساس العمل الصالح الناجح، الذي أمر الله به عباده، فقال “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم«.
وهذه الاستلاب من أعظم ما ابتلينا به نحن المسلمين، منذ عصور التخلف والركود.
ولا تكاد تقرأ ديوان شاعر، ولا مواعظ واعظ، ولا رواية مؤرخ، حتى تجد هذا النفس المستسلم، الذي يعلق أخطاءه على مشجب القدر أو الزمن أو الآخرين ، وكأن دوره انتظار الفواجع،والتأقلم مع الرزايا.
حتى صار شعر الشكوى، من أوسع أبواب شعرنا القديم والوسيط والحديث،وصارت قصص الكآبة والرومنسية والعبثية;كثرة كاثرة في ما أنشئ في اللغة العربية،وفي ما ترجم إليها أيضا.
2-أحلام اليقظة كالمنام.
ولا يكاد كثير من مثقفينا وصفواتنا، يفتحون مظلات العقول، للشمس المشرقة والهواء الطلق، ليروا الأمم والجماعات الناهضة، ذوات العقول الثواقب، والأفهام النواضج، والهمم العوالي، وهي تبتكر وتنحت أساليب عملية واقعية، في استشراف المستقبل، ودراسة ظواهره وملامحه، وإدراك نذره وبشائره، من خلال قراءة الخريطة الاجتماعية والاقتصادية، وقياس الأشباه على النظائر، والإعداد الجيد، لما يمكن أن يجد من أحداث، من خلال خطط خمسينية ومئوية، لا خمسية وعشرية.
وأكثر ما يعاني منه المسلمون اليوم، هو ترك الإعداد للمستقبل، وهذا التهاون جعلهم، كما ذكر الشاعر القديم في أبياته السابقة، ينتظرون تقلب الأيام، دون أن يعدوا العدة لها، بل إنهم في أكثر الأحيان، يقعون في دائرة أوهام اليقظة، وتفصيل خريطة المستقبل، كما يحبون أن تكون، أو كما يتصورن أنها يجب أن تكون.
ولا يكاد يتوافر إدراك المستقبل، دون أوهام كهوف، إلا للأمم التي تستخدم العلم العقلاني التحليلي، في استنباط أحوال المستقبل.
ولكل من الناس حق مطلق، في أن يحلم أحلام يقظة أو أحلام منام، فالأحلام حق من حقوق الإنسان، ولعلها الحق الوحيد،الذي تجمع دولنا العربية “الرشيدة” على ترك مصادرته، علي شرط ترك الإعلان عنه أو تفسيره،إذا كان في أمر جلل.
ولكن الحلم يبقى نافذة وجدانية، على استشراف المستقبل، ولا تصدق هذه النافذة، إلا إذا كانت جزءاً من النبوة، تكشف أستار الغيب. وهذه النافذة الوجدانية، مسألة كرامة وإلهام،لا يجوز قبولها من غير نبي، لأن النبي يوحي إليه باليقظة، كما يوحي إليه بالمنام.
أما دعوى بعض الناس الإلهام أو صدق الأحلام، فهي دعوى بغير دليل، فقد يكون الإلهام من الله، وقد يكون تجليات لهواجس النهار، تظهر في الظلام، وقد يكون من آثار إرباك المعدة بالطعام، وقد يكون من وسوسة الشيطان، فهذه الأمور إذن، لا ينبغي الاعتماد عليها، وترك ثمرات العقول والأفهام.
فالأحلام والإلهام، ليست مصدرا من مصادر التشريع، ولن تكون أساساً لفهم المستقبل أيضا.
3- مفهوم التفاؤل والتشاؤم بين رؤيا العواطف ورؤية العقول.
وكثير من الناس يعتمد في استشراف المستقبل، على الأماني والتفاؤل، ولا ريب أن الأماني والتفاؤل شواحن جيدة، إذا كانت تقود إلى أفكار عملية، ينبثق منها الحراك والسعي.
أما إذا كان الرجاء والتأمل; مواقف نفسية وجدانية، لم تنبع من تقييم وتقدير، أصبح دورها سلبيا انتظاريا، فانتظار المطر والبشرى، قد يكون انتظاراً بلا جدوى، كـ”انتظار جودو”، في مسرحية صمويل بيكيت.
وذلك خلل في طريقة التفكير، يساعد الإنسان على احتمال المأساة، التي لا حول له ولا قوة في دفعها،وهو يناسب السجين والمريض الذي عجز الطب عن علاجه، هذان –لانحن- ينبغي أن يعيشا على أمل الفرج، بين عشية وضحاها، لعله يهبط عليهما من السماء، فلو لم يأملا الخروج من البلاء كل صباح، لماتا من اليأس والاكتئاب، ولمثلهما قال الشاعر:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى،
وإن لا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أما المنى في الحياة الاجتماعية، التي لا تحدو الناس إلى القيام بأدوارهم الطبيعية،فهي خدائع قد تفضي إلى فواجع، ولو عاش فيها الناس زمنا رغداً، فإنهم معرضون لأن يعيشوا مستقبلا قاتما بئيساً.
والتشاؤم العاطفي موقف نفسي آخر، يحول الناس إلى دمى تتدحرج في دوامة الأيام، لا إرادة لها ولا حراك، فهم دائما في خوف مستمر، يتوقعون السوء، ولكنهم لا يبدون حيوية ولا مبادرة، تدفع السوء أو تقلل من خطره، وذلك شر آخر يقع فيه كثير من الناس.
ولا قيمة لتفاؤل ولا تشاؤم، إذا لم يكونا موقفين ناتجين عن تحليل ثاقب للأحداث، يعتمد المعلومات، ويحسن قراءة المؤشرات، ويستعد للمتغيرات، كما يستعد الفلاحون لمواسم الزرع والغرس، وكما يستعد البدو، لمواسم الغيث والقحط، وكما يستعد القاطنون في الوادي، لقدوم السيل الجارف، وهبوب العواصف.
واستكشاف المستقبل، محاولة للرؤية من خلال الضباب، وتدني مستوى الرؤية، يقدم كل من الناس فيه رأيه وتوقعه، ويطرح أسئلته، وليس من اللازم أن يوفق للصواب، ولكن من المناسب إثارة السؤال، فالسؤال ينبثق منه أحيانا الجواب، أو هو طريق يوصل في أحيان أخرى إلى الصواب.
وهو نوع من السلوك الناضج، الذي بتجاوب مع العمل الناجح، كما قال القائل: “اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً«، هذا على مستوى الأفراد.
أما على مستوى الجماعات والأمم، فينبغي أن يعمل الناس لآخرتهم ودنياهم معاً، وكأنهم سيعيشون أبداً، لكي يغرس الأجداد للأحفاد، ويبني الآباء للأولاد، وتخطط الأمم والدول للأجيال القادمة، كي لا تكون عرضة لمزيد من الإذعان والانتهاك الحضاري، فلا تبقى لها عزة في الدنيا، ولا سعادة في الأخرى.
المقالة الثانية:لمن السيطرة غدا
نشرت في جريدة الحياة اللندنية
1-التيارات الماضوية ماتت دماغياً.
هل نحتاج إلى مقلتي الزرقاء؟، لكي نرى ما يلوح من بعيد، وهل نحتاج إلى منظار؟، لكي نرى الهلال حين يحول دونه الغيم والضباب، لن نحتاج إلى ذلك لو ملكناه، ولكننا نحتاج إلى معرفة وقائع الحاضر، لنتنبأ بوقائع المستقبل، وإذا حاولنا (وهي محاولة خطرة على كل حال، ولكن ترك المحاولة أخطر)، فقد نجد ثلاث ظواهر، في المجال الاجتماعي العربي والإسلامي العام: تآكل وتلاشي الفكر الماضوي الخامل ونزعة الغلو الديني الحنيف، وازدياد حدة الصراع بين المعلمنة والإسلام
الأولى: ستزداد تقوقعا وانهزاما، تلك الاتجاهات الثقافية والاجتماعية الساكنة الراكدة، وستتهاوى منظوماتها،التي لا تتواكب مع روح العصر، سواء ألبست هذه المحافظة جلباب الدين، أو مسوح الوطنية، أو لافتة الخصوصية الثقافية أو الإقليمية أو القومية أو الدينية.
فالتيارات المحافظة الساكنة فكراً وسلوكا، ماتت دماغيا أو هي تحتضر، مهما كانت أسماؤها لأنها ركنت إلى تقليد الفكر العباسي والمماليكي الذي التفت فيه الهوامش والحواشي، على المتن القرآني والنبوي، وإن قدمت فكرها وعملها باسم السنة تارة، وباسم الأصالة والهوية تارة، وبالمحافظة على الخصوصية تارة ثالثة أخرى، ستتهاوى تباعا وتتداعى، لأنها لم تستطع أن تقدم حلولا مستقبلية، للتحدي الحضاري القائم والقادم.
فالحداثة الأوربية ستصفع كل منظومة، لا تفكر تفكيراً مستقبليا ثاقبا، يعتمد على الرؤية الموضوعية، والمبادرة والجرأة وإرادة النجاح. وستهد على كل معتزل صومعته، مهما احتمى بأسوار الدين، أو الخصوصية الثقافية، ما لم يقدم له الدين أو الخصوصية، مفاتيح الدخول إلى نادي النجوم.
2-النزعة الخوارجية ستسقط:
والمسألة الثالثة: سيتهاوى تيار العنف الخوارجي،الذي قتل الأطفال والنساء والعجائز والعلماء والمثقفين(كما جسده النموذج الجزائري) ، وسواء أكانت هذا التيار يجتهد اجتهاداً شرعيا سائغا، من حيث الحكم (النظري)، أم غير سائغ، وسواء أكان مندفعا أم مدفوعا، كل هذا كلام في النيات والمقاصد، والمبررات والدوافع، لكن المهم هو النتائج.
والنتائج التي ظهرت; هي أن الإسلام تضرر وتشوه، وتأخرت حركته وتعثرت. بسبب الذين يتسلحون بالشجاعة والحماسة والإخلاص، دون أن تكون لهم بصائر كافية، يجنبون بها أنفسهم وجماعاتهم ومجتمعاتهم سوء المصائر، وكل عمل يقفز فوق تضاريس الطبيعة؛ ليس من الشريعة، لأنه سيصطدم بصخرة الواقع، وستتناثر شظاياه، دون أثر ملموس، وسيؤدي إلى تشويه الشريعة.
وقد تصب دول وجماعات، غربية أو شرقية، مزيداً من البنزين على النار، بشكل يجعل نار الفتنة متقدة، فلا تتفرغ الدول الإسلامية المبتلاة به، لمسيرة التقدم الحضاري، ولا ترشد هذه الجماعات المقامرة، فتدرك أن للعصر روحا جديدة، تستدعى ابتكار وسائل إصلاحية عملية أخرى.
وإذا استمر الغلاة في إنتاج فكر الغلو، أنتجوا المواد المتفجرة للعنفاء، والنتيجة مزيد من الارتكاس والانتكاس; يجعل التيارات الغالية في فهم الدين، تتجه بالنص الديني إلى تأويل خارجي، يقوم على تكفير المسلمين، واستباحة أعراضهم ودمائهم وأموالهم.
وهذا الاتجاه الفكري يفضي بها إلى النزعة الخارجية الأخرى، وهي القفز فوق سنن الله الاجتماعية، في كلتا النزعتين جهل، الأولى جهل بتطبيق الشريعة، والثانية جهل بسنن الله في الطبيعة، نتج عن غيبة الحس السياسي والاجتماعي، في أسلوب التغيير والإصلاح.
كلتاهما نزعتان متمردتان تمردا سلبيا، أعاد إنتاجهما الخوارج القدماء، من التراث الجاهلي والصحراوي، وألبسوهما نصوص الدين، في فهم المجتمع، فجيروا تهور حماستهم، لعقلانية قوم آخرين.
والخلاص من الجهل السياسي; الذي يقدم تحت راية الجهاد; يستدعي فهما عميقا لروح العصر، والنشرة الجوية والمناخ، ومعرفة جغرافية بالتضاريس. فالسائر بدون خريطة دقيقة، يضيع وقتاً وجهداً، وقد لا يصل إلا متأخراً، وقد لا يصل البَتَّة.
3- الصراع بين العلمنة والأسلمة سيزداد
والسمة الثالثة : سيزداد الصراع بين علمنة الإسلام، وأسلمة الحداثة، وستنجح الأسلمة إن قدر الإسلاميون على طرح فكر عملي مستقبلي مستنير، تبنى آلياته ونظرياته وبرامجه، على الكتاب والسنة،وحقل التطبيق النبوي والراشدي، وأنتجوا مزيداً من الفكر الذي يحتضن أسس التقدم الحضاري، وأنتجوا البدائل، التي تقطع المسافة الحضارية، بين محطة التابع في الثرى، ومحطة المتبوع في الثريا.
هل يمكن تقديم نموذج إسلامي ناجح,دون أن يكون حضنا واسعاً, لقيم المجتمع المدني وللإبداع العلمي والتقني الذي نشأ في ظل الغرب, وتلوينه وتوطينه لينسجم مع البيئة ?, ونحن بين أمرين:إما أن نقدم الإسلام مشروعاً تنويريا تجديديا,كي نبقي , أو أن نلقى في آخر قاطرة من قطار الحضارة, ولن ينفعنا إذاك أن ينقش القرآن في صدرونا أو في مصاحفنا, لأن دوره لن يتجاوز دور أي نقش في متحف الآثار, الدين الإسلامي ليس بيانا ضد الحضارة والحداثة والنهوض, فالدين مشروع حضاري يجمع بين قيم الإيمان والعقلانية, والتوسط والاعتدال, وإن لم نفعل ذلك, فلنرتقب صفعة الحداثة, التي تجعلنا نخر للأذقان صرعى, إذن من ينعزل عن فهم العالم, لن يزيد المسلمين إلا ذلاً, ولن يزيد الدعوة الإسلامية إلا انكماشا.
إدراك روح العصر الذي جعلته العولمة كالقرية الواحدة, يجنب كثيراً من قنابل تدمير الذات الفردية والاجتماعية, ومن الانتحار العبثي بدون مكسب.
في الخلافة العثمانية درس بليغ, لمن أراد قراءة الحقائق, كما هي لا كما يريد, لقد سقط الرجل المريض ,لأن مصير كل مريض الموت, ليس لقلة المصاحف والقراء, بل للجهل المطبق, الذي جعل مجلس المبعوثان, يتصور أن الجيش يمكن أن تنتصر بواخره في عرض البحر, بقراءة صحيح البخاري, فيعرض على الأعضاء مشروع قرار, بالموافقة على شراء كميات من النسخ, يقرأها الجنود للبركة (ولا أدري هل يحسنون العربية) دون أن يدرك -كما قال أحد معارضي القرار- أن السفن الجواري, بالبخار تجري لا بقراءة البخاري.
و(أتاتورك) ليس نبتا خارج البيئة, فالبيئة هي التي أنتجته, فشل مشروع الخلافة استدعى نجاح مشروع الدولة العلمانية, هذا درس ينبغي أن يستوعبه دعاة الإصلاح الإسلامي, وهو أن المشكلة الأساسية التي نعاني منها اليوم؛ ليست في العقيدة-حسب التوصيف العباسي- بل قيم المجتمع المدني والعقلانية، وفي الروح الجماعية والتقنية، هي في ضمور الفقه الحضاري الذي يحمي العقيدة والأخلاق. وفي ذلك تذكرة تعلمنا; أن الناس إن لم يجدوا في الدين ثقافة مدنية, تقدم لهم الحلول الواقعية, وتنهض بالأمة, فسيتطلعون إلى الرحلة إلى باريس.
4-قبل هبوب العاصفة:
لا خيار أمامنا إذن: إما أن يكون الإسلام مشروعا شاملا للتقدم في الدنيا والآخرة معا،تنويريا, وإما الانبهار والذوبان والانقراض.
وهذا يؤكد ما يعيد فيه ويبدئ كثير من المصلحين من أن المشكلة التي يعاني منها المسلمون, هي مشكلة حضارية, ولكن أهم أسبابها, جدب في الأفكار والمفاهيم والقيم الفاعلة, التي تشحن الفعالية الاجتماعية, وتنهض بالناس خطوة خطوة، في حقول المجتمع المدني والعقلانية والتقنية.
وإن لم تنشط الأسلمة فكريا لطرح المبادرات، وابتكار الحلول، واقتحام الأسوار، ونزع أستار المخبوء، واكتشاف المجهول، بشجاعة العقول والقلوب. فإن النتيجة في المستقبل المنظور، هي تكثيف وتسريع، لسيطرة الحضارة الأطلسية، أي أن العلمنة -محمولة فوق قطار الحداثة-آتية لا ريب فيها، لأن المجتمعات الإسلامية ستتهافت على مغريات الحداثة والعولمة‘ وما تحمله من علمنة في الثقافة والسلوك معا، لإنها ستكون كما قال الشاعر:
رأي البرق شاميا فحن إلى الشرق×
ولو لاح غربيا لحن إلي الغرب
المقالة الثالثة: الصحوة الدينية لن تفلح حتى تكون حضارية?
1-كيف استبدت نزعة الرهبنة بمفهوم الدين؟
إذا أردنا أن نصحو صحوة دينية,ألا ينبغي أن تكون صحوة تجمع بين حرارة العقيدة وإستنارتها? وهذا يعني أمورا غفلت عن أهميتها الثقافة الدينية منذ أمد بعيد، أهمها قيم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ومنها العقلانية والتقنية والحداثة الإدارية والمادية،أي أن ندرك التحدي الذي يقتحم حصوننا, وهذا يعني أن تكون صحوتنا الدينية صحوة حضارية, أي أن ندرك أن الدين مشروع للتقدم في الدنيا والآخرة, لكي ندرك أن التحدي الذي يقتحم حصوننا تحد حضاري, وهذا يعنى أن نعيد النظر في المفاهيم السائدة بعد عصر الراشدين, التي حصرت الدين وجزأته, واستقرت في الذهن والسلوك الجمعي, فأصبحت مسلمات, وأفرزت نظاما تربويا دينيا مترهلا مضطربا.
فإذا أردنا أن نفهم الثقافة الإسلامية الصحيحة, حق فهمها, فلابد أن نستوعب مفهوم الدين.
عندما نصف مدرسة, ونقول: إنها دينية ينبغي أن تكون دينية موضوعاً, ودينية مفهوماً وروحاً, بأن تستوعب هذه المدرسة الخطاب الديني الشامل,فلا تهمش قيم المجتمع المدني والعقلانية والتقنية.
التعليم الديني الشائع, يكرس القطيعة المعرفية, بين التقدم الروحي والأخلاقي, والتقدم الاجتماعي والعمراني, وهذه القطيعة المعرفية الثقافية, تفرز قطيعة تربوية اجتماعية, أي أن ثقافة القطيعة بين الدنيا والآخرة, تفضي إلى ترسيخ قيم القطيعة, بين (الإيمان) و(العمران). ولابد من إعادة ربط الحبل المقطوع, بين العبادتين العبادة الروحية, والعبادة العمرانية.
وبذلك يسقط الحاجز المتوهم بين الديني والدنيوي, وينتهي الانفصام بين الشق الروحي, والشق المادي من العبادة, فالجانبان يتكاملان, فالطائر لا يطير إلا بجناحين, وطريق الفلاح في الدنيا والآخرة; لا يُمْشىَ بقدم واحدة, بل بقدمين, ولذلك ينبغي أن يتآلف المفهومان, كما يتآلف الجسد والروح في الإنسان. ألم يأن لنا أن ندرك أنه ينبغي أن تستمد الأمة من إيمانها, طاقة تدفعها إلى التفوق في عمرانها? ليتكرس الاهتمام بثقافة العمران, في الخطاب الديني. فلا يحتقر المتدين العلوم الطبيعة والكونية, ولا يخرج المثقف الديني مسائلها من ميدان وعظه وحثه واهتمامه, بذلك يمكن بناء ثقافة دينية, تدرك ما يضطرب في بحر الحياة, من علوم وأشياء, وفنون وآراء, ومذاهب وأناس, كي لا تنعزل الثقافة الدينية بالناس وتنكمش بهم, وتفرز الجهل بروح العصر, وتغفل عن التوازن, وتقتل حيوية التفكير, وتفاعل الأذهان, وتفاعل الجماعات.
2-أليس التمدين جزءاً أساسيا من التدين؟
أي لا يكتمل فقه الدين إلا به?. أوليس ذلك هو مفهوم الفقه, الذي تكرر في القرآن الكريم. قبل أن تحصره المتون بالشعائر, ثم تحصر فقه الشعائر بالتلقين الجاف.
وهذا الفقه هو الذي يحمى الأمة من الانبهار, بما في العالم المتقدم, من أفكار وأشياء واختراع, ويتيح لكل مقتدر أن يجتهد في تخصصه, ويوظف علمه لخدمة أمته.
ولكن لم يدرك هذه الحقيقة, عدد كبير من من رسموا الاتجاه العام ;في الثقافة الدينية,ولاسيما في القرون المتأخرة, فترسب احتقار العمران والحضارة ,في الذهن والسلوك.
فنال قيم العمران والحضارة, في الخطاب الديني استبعاد تارة, وتضييق وتسفيه تارة ثانية, وحصرت في نطاق الضرورة القصوى, في أغلب الأحيان, فضعف الابتكار والإبداع, وكان ضعفها إيذانا بسقوط الحضارة, لأن الناس اتجهوا إلى منطقة الأمن والسلامة, لاسيما وفيها مايجذب من يبتغي الدنيا; إلى حقلها المغناطيسي; من الرزق والوجاهة, فانشغلوا بالجانب الروحي والشعائري من الدين, والجانب اللغوي والأدبي, وأكثروا من الشرح والاختصار, والتكرار والاجترار, وقللوا من قدر الجانب