البدايه

 

 

-2-

لكي لا نحول الإســـلام

إلى طقـوس

 

 

مقالات

 

أبو بلال عبد الله الحامد

 

 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فاتحة المقالات: ليس البر.... ولكن البر.....

1-  آية وتفسير

فالحمد لله الذي أنزل القرآن، منهجاً لصلاح العباد في المعاش والمعاد، وعلى محمد الرسول الذي بلغ الرسالة، وعلى صحابته الذين كانوا نموذج الإسلام، وعلى تابعيهم (بإحسان) الذي واصلوا البناء، وأشادوا حضارة الإيمان والعدل والعمران. التي لم يبق لنا اليوم منها إلا الأطلال.

فاليوم نقف حيارى، أمام التحدي الحضاري المقتحم، الذي يحاول أن يذيبنا ويحتوينا ويهيمن علينا، إن لم نقاومه باستيعابه أولا، ثم تجاوزه والمشاركة فيه ثانيا، كي نتحول من أطراف إلى مركز، ومن تبعية إلى صدارة، ومن استهلاك إلى إنتاج.

فكيف نقاوي ونقاوم؟ معتمدين على ديننا الذي ينقذنا من شقاء الدنيا والآخرة،  وخطاب الدين قد حرف عبر القرون، فبعد أن كان يولد الحيوية والنهوض،في الرعيل الأول من الصحابة، أمسى يبرر الهبوط وينتج النكوص. واستقر في الوجدان الجمعي، مقصوراً على الشعائر والطقوس،أو يدعو إلى أركان الدين وفرائضه، دون أن يحقق وظيفتها، في شحن الذهن والوجدان، لإنتاج السلوك الفعال القويم.

أو يحث على تعليم القرآن وحفظه، وبناء المساجد والمدارس (التي تسمى دينية وإنتاجها لا يدل على الوعي بشمول الدين). ويغري بنوافل القيام والصيام، والأوراد والأذكار، ويحث على الزهد (السلبي) في الدنيا، ويعتبر ذلك سفينة النجاة في الآخرة.

ويترك ميدان النجاح الدنيوي، للخطاب (اللائكي) والعلماني، وكأن الدين لا دور له، في إنتاج نعم التنمية والمدنية والحضارة، وما فيها من قيم الإبداع والاختراع، وكأن الدين لا دور له في تعليم التقنية والثقافة المدنية، ولا في حفظ الاقتصاد والعلوم، ولا في بناء مؤسسات العدل و العمران والنظام.

فهل هناك قلة في نصوص العبادات الإدارية و العمرانية والحضارية، مقابل وفرة في نصوص القيم الروحية؟ إن كان ذلك فإن القلة في النصوص الجزئية، لا في النصوص الكلية، فليس ثمة فراغ في التشريع، لأن هذا وذاك كلاهما من فرائض الدين.

أولاً ينبغي لنا إذن من فقه مقاصد الشريعة قبل فقه الجزيئات، لندرك أن نوافل العبادة الروحية، ليست أفضل على الإطلاق من فرائض التقنية والتنمية والعمران، وأن المسألة نسبية. ولندرك أن للعبادات الروحية الواجبة والمندوبة دوراً (عضويا) في إذكاء الفعالية الاجتماعية.

فالشريعة كالجسد الواحد، لا يكون كائنا حيا دون توازن وتناسق. ولكل عضو وظيفة، وقيمة العضو بقدر وظيفته، فهي نسق مترابط العلاقات، متكامل الوظائف كأعضاء الإنسان، إذا انتفخ عضو فيه انشل آخر، وإذا ضمر عضو منه، فلن يكفي امتلاء آخر.

والمعضلة الحضارية اليوم جاثمة، لا تحل بفقه التوازن وحده، فالتوازن مطلوب في الفترات الطبيعية، أما في الفترات الاستثنائية، فلابد من إعمال قواعد فقه الأولويات، بتقديم الضروري على العادي، والرئيسي على الثانوي والأهم على المهم.

 "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ْامن بالله واليوم الأخر والملائكة والكتب والنبين وءاتى  المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين  وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاة والموفون بعهدهم  إذا عاهدوا والصابرين في البأساء  والضراء وحين البأس أولئك  الذين صدقوا وأولئك هم المتقون"

مامعناها؟ ليس البر توجيه الوجه إلى القبلة في صلاة طقوسية شكلية، بل هو إقامة للصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتأمر بصوالح الأخلاق والمعروف فهذا فهناك بر طقوسي، وهناك إيمان طقوسي، هو القيام بحركات شكلية، لأي يمان هو الصلاة، والزكاة والصدقات  والتبرعات وتفقد ذوي الحاجات، والوفاء بالمواعيد، وصبر العزيمة على المشقات، فهذا هو مقتضى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الأخر وهؤلاء هم المؤمنون الحقيقيون الذين صدقوا

 

 

 

 2 -التصفية  قبل التربية  :

ومن أجل ذلك ألا ينبغي تفكيك الخطاب الديني الشائع، الذي رسخ في المجتمع؟ وفحص مكوناته وعناصره، لإدراك الثابت من المتحول، والقرآني الإلهي من التراثي البشري الذي صيغ في فترات اختلال المعايير الدينية، أي بعد عصر الراشدين-، وإدراك الفجوة بين قدسية التنزيل، وبشرية التأويل، وبين معيارية التطبيق في العصر الراشدي ونسبيته في عهود الاختلال الديني، على ضوء فهم النصوص الجزئية في إطار الكلية، في مدار فقه المقاصد الشرعية، من أجل تركيب فقه حضاري جديد، يهدي إلى النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة، ويدرك أن حسنة الآخرة لا تكون على أنقاض حسنة الدنيا، بل هما مترابطتان، لا تتحققان إلا بالإرادة المتوقدة، التي تتجسد بالحركة الوثابة، كما قال الخبير البصير"ومن أراد الآخرة، وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة"، فإذا صح الاتجاه إلى الدار (المقر) الأخرى، فلا بد من عمارة الدار (الممر) الأولى.

أجل فبالإرادة الفعالة والعمل الناجح معاً، لا بالنية المجردة من العمل الناجح، يكون النهوض والخلاص. ويكون التوفيق والبركة، كما قال تبارك وتعالى"إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما"، فجعل الله التوفيق الرباني مترتبا على العزم الإنساني.

ولن تبرأ ذمة الطبيب، ما دام طبه الوقائي يجعل السليم عليلا، وعلاجه الدوائي يمنح المريض شهادة وفاة. وإن كان من أهل الاختصاص، أو كان من أهل الصلاح والإخلاص. من الضروري أن بكون الفقيه مخلصا، ولكن إخلاصه لن ينفعنا إذا لم يقدم لنا فكرا يحل معضلاتنا، ومن الضروري أن يقصد الفقيه بعمله النجاة من النار، ولكن نجاته من النار لن تشفع لنا في النجاة من نار الدنيا ولا الآخرة، إذا لم يقدم لنا فكريربط بين النجاح والفلاح.

النتيجة مؤشر يقول : أعد التجربة، هناك خلل في تشخيص الوباء، أو في تركيب الدواء.

وهذه المقالات خطرات من الأسئلة ومحاولات من الأجوبة، استفادها الكاتب من ما قرأ ورأى، وحاول أن يفيد ويستفيد، فإذا وجد القراء شيئاً من الصواب، أو أشياء من الأغلاط، فهذا أمر طبيعي يدل على أن لهم دوراً ينتظرهم،فلا بد من حوار مفتوح بين الكاتب والقراء، ويكفي الكتاب وظيفة أن يقدر على إثارة الحوار، فصواب الأفكار لا يتبلورإلا بالحوار، والصواب يمكن أن يتحول إلى أفعال، الأخطاء تذكي التحدي في المتلقي، لينتقل من دور الاستقبال إلى الإرسال، فمن السؤال قد ينبثق الجواب، ومن الخطأ تجربة قد تقود إلى  الصواب.

فهذا المأزق الحضاري، لن يكتشف طريق النجاة منه اختصاص محدد، أو متخصص مفرد، بل لابد فيه من اجتهاد جماعي، من المعنيين بالرؤى المستقبلية، الذين يرون أن المشكل الذي ينبغي صرف الأولوية له اليوم، هو السقوط الحضاري، وأن معالم النهوض، تتطلب كل جهد لا ينحصر بتخصصه أو مذهبه، أو طائفته أو إقليمه، أو لغته أو جنسه، ليسعى المؤمنون لإدراك ضالتهم، قبل فوات الأوان.

أبو بلال عبد الله الحامد

الرياض 20/2/1419هـ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقالة الثانية

أسئلة تبحث عن أجوبة

في فقه الزكاة والإحسان

نشرت في جريد الحياة(اللندنية) 19 رمضان/1418هـ 17م يناير/1998م

 

3-كيف تفقه شهر رمضان ؟:

شهر رمضان الكريم موسم من مواسم الطاعة والعبادة، تضاعف فيه الحسنات، فيه يفتح الله أبواب الاستجابة والقبول، فهو موسم يشحن طاقة المؤمن بقابس آخر هو قابس الصوم، فيشحذ الهمم إلى طلب البر والتقوى، ويهيء الله فيه لعباده فرصا من الرحمة، تفتح أبواب التوبة للعائدين، والمغفرة للمستغفرين، الذين يستثمرون فضل الزمان الشريف، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ومالك والنسائي وأبو داوود إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وأغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين وفي رواية أخرى فتحت أبواب الرحمة.

في شهر رمضان ينشط الناس للبذل والعطاء، لأن روحانية رمضان، تشعر الصائم بما للآخرين المحتاجين من حقوق، في البر والصدقة والزكاة، وسائر أنواع التكافل والتعاون، ولكن هذه الصورة المشرقة من العطاء والبذل، عندما نتأملها من خلال منظار الشريعة، نجد فيها خمولاً وسكوناً تارة، وخللاً وجهلاً تارة أخرى.

 

 

4-لماذا لا نزكي إلا في رمضان؟

كثير من الأغنياء يوقتون أداء زكاتهم في رمضان، فإذا جاءهم طالب زكاة في غيره، قالوا: تعال في رمضان، ويبدو أن هذه العادة الموسمية، تحولت إلى نوع من العبادة الشرعية.

إذ إن كثيراً من الناس، يفهم الآثار التي وردت في الحث على الصدقة في رمضان، على أنها تضاعف أجر الزكاة في رمضان أيضاً، اعتمادا على مثل ما أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الصدقة أفضل”؟ قال صدقة في رمضان. وهذا فهم غريب للدين، فعلى الرغم من صحة الأحاديث التي تنص على مضاعفة أجور الأعمال الحسنة في رمضان، بما فيها الصدقة والزكاة، فقد أغفلنا فهمها فهما كليا، في إطار الوحدة العضوية للشريعة،أي وضع النصوص المفصلة في مكانها الناسب من النص الكلي، بحيث يدور معنى النص مع وظيفته العضوية، بصفة الشريعة جسما متكاملاً، ومن خلال فهم الروح الكلية لمقاصد الشريعة، يمكن أن نقول أمرين:

الأول : أن أداء الزكاة مرتبط بتمام الحول، على المال المزكى. فهو أداء واجب تطلب فيه براءة الذمة، وليس عمل تطوع، يبحث فيه عن فضل الوقت أو المكان.

الثاني: أن فضل الصدقة مرتبط بحدوث الحاجة، فحيث نزلت الحاجة، تكون الأفضلية.

وقد يقول بعض الناس، إن تمام الحول على ماله هو رمضان، وهذا كلام مقبول، لو كان الذين يوقتون إيتاء الزكاة في رمضان، حوالي 8% من الناس، أي على افتراض أن تمام الحول، يكون عند بعضهم في رمضان وعند بعض في صفر، وهكذا دواليك،خلال اثني عشر شهرا.

ولكن غالب الناس يحصر صرف الزكاة في رمضان، اعتقادا منه بأن دفع الزكاة في رمضان أفضل. والقول بالأفضلية يرجع إلى اعتبارات عديدة، فإن كانت الأفضلية للزمان فنعم، لكن دفع الزكاة واجب، وليس هناك إذن مزيد أجر، لمن قام بالواجب في رمضان، على من قام به في شعبان.

وإن كان الإنسان أخر زكاته بعد تمام حولها، لينال فضل الزكاة في رمضان، فهذا فهم غريب للدين، يؤخر فيه الإنسان أداء الواجب عن وقته الشرعي المفروض، بحثا عن مزيد من الثواب.

وإن كان قدمها إلى رمضان، مراعاة لحوائج الفقراء في هذا الشهر، فقد أصاب السنة والأفضلية. إن الاستشهاد بالآيات والأحاديث، لا يكون بعزل النص عن سياقه العام، من أجل ذلك ينبغي أن نذكر ببعض الإشكالات، الناتجة عن جعل الناس رمضان موسماً مركزيا، يصرفون فيه زكواتهم وصدقاتهم، مع التذكير بضرورة تجديد فقه الزكاة في المجتمع الحديث، الذي كثرت فيه النوازل والمتغيرات، وذلك يدعو إلى مراعاة المقاصد الشرعية، بربط العمل بالجدوى والنية بالنتيجة، ولابد من فهم أفضلية المكان أو الزمان، من خلال ربطها بحاجة الإنسان، فإذا كان الفقير أحوج إلى المال في شهر صفر، منه إليه في رمضان، فالإنفاق في صفر هو الواجب، وليس الأولى فحسب.

إن للفقراء حوائج موسمية، صارت مرتبطة بالتقويم الشمسي، فالأسرة الفقيرة -في بداية الموسم الدراسي-، بحاجة إلى مصروفات، تعين على تعليم البنين والبنات، وفي الشتاء بحاجة إلى أكسية وأغطية، تقي من البرد القارس،، وكثير من الفقراء لا يجيدون الادخار، فيبددون ما يصل إلي أيديهم في رمضان، فلا يحل صفر إلا وقد صفرت أيديهم.

والأسر أيضاً بحاجة إلى كراء المساكن، وتسديد فواتير الكهرباء ونحوها وغيرها، وهذه الأمور مؤقتة بالتقويم الشمسي أو القمري، ولابد من مراعاة هذا و ذاك، إن نمط الحياة الاجتماعية المستقرة، صار يدعو إلى طرح أسئلة جديدة: أليس من الأفضل أن يوقت المزكي ميعاد زكاته على هذه الأوقات؟، أم أننا سنظل نفهم أحاديث الفضائل، دون ربط لها بالصورة العامة لاحتياج الناس؟ ودون مراعاة مبادئ الاقتصاد، الذي يربط الوسائل بالغايات، والأفضلية بالاحتياجات، في أي وقت من الأوقات.

 

 

5-من ثقافة الشحاذة إلى ثقافة الكرامة:

 

كثير من دافعي الصدقة والزكاة، يقطرونها في أفواه الفقراء تقطيراً، وكأنها ناقوط القربة، أو أنابيب التغذية في غرف الإنعاش، فلا تكاد تسد رمقا، ولا ترفع عاطلا من حفرة العطالة، ولا تشفي مريضاً يحتاج إلى ما يشتري به الدواء، ولا تمكن طالباً فقيراً من الاستمرار في علم ضروري.

ليس الهدف من الزكاة في الإسلام، إعطاء الفقير درهما أو درهمين، إنما الهدف تحقيق مستوى لائق للإنسان، بوصفه إنسانا مكرماً، مستوى لائق بوصفه مسلما، ينتسب إلى دين يؤكد العدل والإحسان (القرضاوي: الزكاة: 575).

بل إن طريقة إخراج الزكوات والصدقات، أحيانا تنمي روح (الشحاذة) في الفقير، إذ إن بعض الناس يبخل سائر العام، ثم يتدفق في رمضان دون حساب، فتتحول فئة من الناس إلى أيد مبسوطة، وعيون ممدودة، وأفواه مفتوحة. تعتاد الكسل وكراهية العمل، واستمرار الاستجداء، وتتقن (ثقافة الشحاذة) ومالها من آليات، وإدعاء آفات وعاهات.

والمتصدق عندما يعطي الذين لم يتأكد من صدقهم، يفهم أحاديث رد السائل على غير وجهها، ويسهم في صناعة روح العطالة (أي الكسب الطفيلي)، في المحتاجين وغير المحتاجين، وصناعة روح السادية في المعطين.

بل إن بعض المعطين من الأثرياء، يرتاح لاصطفاف الناس، حول مكتبه أوداره في رمضان، حين يتوافدون أفراداً وجماعات، يسلمون على (العم) ويقبلون رأسه، وقد طأطأوا هاماتهم، وعلتهم الذلة والمسكنة، وكأنهم في احتفال جنائزي، وكأن هذا العم يعطي من ماله، بينما هو يعطيهم حقا من حقوقهم، لا تجوز المنة به ولا الأذى، فهذا المال ليس له (في معايير الشريعة الإسلامية)، بل هو مال لله، فالله هو مالكه الحقيقي، قد أمر ببذله للمستحقين، فقال: وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم،فكأن الإنسان وكيل على هذا المال مستخلف،كما قال الله تعالى وأنفقوا من ما جعلكم مستخلفين فيه. وحدد الله أيضا مجال صرفه، ليربي الناس على التكافل والتراحم، دون فوقية ولا أنانية.

وهذه الفئة من الشحاذين المتبطلين المتسولين، الذين احترفوا سؤال الناس، ليست هي فئة المساكين التي يظن كثير من الناس، أنها تستحق شيئاً من مال الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرأوا إن شئتم: ولا يسألون الناس إلحافا (البقرة: 273).

ولو كانت الزكاة والصدقة تجوز للعاطلين، لجازت للزهاد المترهبين، فقد ذكر الفقهاء، أن الزكاة لا تجوز لمن يتفرغ للعبادة (الرهبانية)، لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه (انظر الروضة للنووي: 2/309).

فالمتفرغ للعبادة (الرهبانية) لا يجوز أن يعطى بأي وجه من الوجوه، وهذا ما وجه به عمر بن الخطاب،  أناساً جلسوا يتعبدون في المسجد بعد صلاة الجمعة، فسألهم كيف ترزقون؟ فقالوا: إنهم يعتمدون على صدقات أهليهم، فقال لهم: إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ألم تسمعوا قول الله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله.

ومن ذلك يتضح كما يقول القرضاوي، ضلال الكثيرين، من من ظنوا الزكاة صدقة تعطى لكل سائل، وتوزع على كل مستجد (فقه الزكاة: 898).

إن كثيراً من الناس يتصورون الزكاة، على أنها صدقة للمتسولين، ومعونة للمتبطلين القاعدين، ولابد من تصحيح المفاهيم والقيم، من أجل، بناء أنظمة اقتصادية واجتماعية، تقوم على العمل والإنتاج.

 في حالات غير قليلة؛ يسهم سوء توزيع الصدقات والتبرعات، في إنتاج فئات من الشخصيات المشوهة، التي  تجد الاستجداء أهون وأضمن،  فترسخ فيها الطفيلية، كالنباتات التي تتسلق على الحيطان، تتعود على ثقافة الاستجداء، ومفرداتها من الخنوع والنفاق، والعطالة الظاهرة والمقنعة، فيفقد الشحاذ معنى الإنسانية، ولذلك لا ينبغي إعطاء السائل دون تقدير أثر ذلك على سلوكه، لكي لا تحطم فيه قيم المروءة والكرامة، كما قال سعد البواردي:

كل من أعطاه قرشا       حطم الإنسان فيه

 

 

 6-إقراض الفقير شبكة خير  من منحه سمكة:

 

نعم للناس حوائج آنية، وضرورات استهلاكية ذات أولوية ينبغي مراعاتها، ولكن مشاريع الزكاة والصدقة، ينبغي أن ينظر إليها على أنها أسلوب أمثل للنهوض بالفرد والجماعة من حفر الفقر، ولابد إذن من اعتماد قاعدة (الإنتاجية)، بتأهيل الفقير حتى يستغني، بعونه علي اكتساب عمل شريف، وهذا يتطلب أن يتخفف المزكي، من نظام توزيع زكاته، على شكل (قطرات)، تنقط في الحلوق، أو شكل حفنة توضع في الكف حبيبات، ولا تكاد تخرج الفقير من فقره.

إن المزكي لو نظر كل عام في حالة فقير، أو جمع زكاته مع زكاة أخيه أو مع أصحابه، ثم اشتروا بها آلة صنعة لعاطل، أو بنوا بها بيتاً لذي عاهة مستديمة، أو اشتروا بها مكائن خياطة ليتيمات، أو فتحوا بها دكاناً لعاطل، لكان هذا الأسلوب أجدى من قطرات الماء، التي تقطر في حلق الفقير، وتوقعه في براثن شركات التقسيط، التي تقمع رأسه كلما حاول رفعه، فكلما خرج من حفرة، تدحرج مرة أخرى إلى الحضيض.

ويغفل كثير من الناس عن أن الأجدى للمتصدق. أن يعلم الفقير مهنة صيد السمك، بدلاً من أن يتصدق عليه بسمكة، هذه الخطة في أداء الصدقة أو الزكاة، جاء بها الإسلام، بل جاء بما هو أكمل، كما في حديث أنس بن مالك، الذي أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة، أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال الرسول له: أما في بيتك شيء؟ قال الأنصاري: بلى حسك (بساط) نلبس بعضه ونبسط بعضه، وكعب (إناء) نشرب فيه الماء، قال الرسول: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما الرسول وقال : من يشتري هذين؟ قال سهل (أحد الصحابة) أنا آخذهما بدرهم، قال: من يزيد؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فباعهما، وأعطى الأنصاري الدرهمين، وقال: اشتر بأحدهما طعاما، وائت إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به ففعل الأنصاري ما أمره به النبي، وعاد ومعه قدوماً، فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً، وجعله ساعدا لقبضة القدوم، ثم قال اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاما، فقال الرسول : هذا خير لك من أن تجيء بنكتة في وجهك يوم القيامة.

هذا هو الأسلوب الأمثل، لكي يساعد الموسر أخاه الفقير، على اكتساب عمل شريف، فصنعة في اليد هي الأمان من الفقر.

ومن أجل ذلك فإن الأولى أن يقسم الفقراء إلى قسمين: الفقير الكسوب بذهنه أو بدنه والفقير العاجز بذهنه وبدنه معاً، فالكسوب يستطيع أن يمارس حرفة يدوية، أو يمارس عملاً تجارياً أو يديره. فيعطي المحترف ثمن آلة، وإن كثرت، ويعطي القادر على الكسب رأس مال يساعده على البداية بعمل ذي ريع، فيضمن له اكتساب العيش، أما الفقير الذي يخشى عليه من تبديد المال، أو الذي لا يستطيع أن يعمل، فيعطى كفايته مع كفاية عائلته سنة (مطالب ألى النهى: 2/136) ولذلك استحسن القرضاوي، أن يعطى الفقير العاجز راتب شهرياً من الزكاة (فقه الزكاة: 571).

 

7 -مجالات جديدة للزكاة والصدقات :

 

مع ظهور الدولة الشمولية الحديثة، في العالم الإسلامي، ينبغي إعادة تركيب الجزئيات، في مجال الأوقاف والصدقات والزكواة، ليقوم المجتمع الأهلي بتكميل ما ينبغي تكميلة، في سياق التكامل بين دور الدولة ودور المجتمع الأهلي، مع إعمال قواعد مقاصد الشريعة، كالتوازن والتكامل والأولوية.

في هذا العصر تعطلت مجالات منافع كثيرة، وظهرت مجالات منافع جديدة مهمة، وتجاوزت حركة التغيير في الحياة الاجتماعية، كثيراً من آراء العلماء الأمويين والعباسيين واجتهاداتهم، وأصبح من الضروري العودة إلى (نور) القرآن الكريم والحديث الشريف، وفهمها من خلال (مشكاة) حياة فترة الراشدين، ولابد من نصب هذا الميزان، ومعرفة الواقع معرفة صحيحة، من الجوانب كافة، لإعادة بناء جزئيات هذا النظام المالي المهم، الذي يتناول كفالة المجتمع الأهلي، لما تتركه الدول من مجالات، حسب غناها وفقرها وحسب قيامها بواجباتها، في الضمان الاجتماعي.

وهنا إذن يستطيع المحسن الواعي، أن يرتب الأولويات في أموره، بل وفي الأمور التي أوصى بها الأجداد الأحفاد، فهل من الضروري حفر بئر إذا كانت الدولة في هذه الناحية أو الإقليم قد حفرت بئراً؟ وهل الأولى بهذا المال ذلك الفقير المنقطع لحفظ القرآن الكريم في مجتمع كثر فيه الحفظة الرواة المتفيقهون،وقل الوعاة العاملون، وكثر خريجو العلوم الإنسانية وقل خريجو العلوم الطبيعية، كالأطباء والم&#