الطريق الثالث
الدستور الإسلامي
منقذا من العلمانية والإمبريالية المتلبسة بالحداثة
ومن ثنائية الفرعنة والرهبنة المتلبسة بالإسلام والأصالة
د/ عبد الله الحامد (أبو بلال)
23/3/1427هـ(21/4/2006م)
[1]
فاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم
الاستبداد والطغيان وثنية سياسية مخلة بشق الشريعة المدني، كما أن الطواف حول الأموات وثنية روحية مخلة بشق الشريعة الروحي، كلاهما مخل بالتوحيد، والطواف حول الطغاة، أخطر من الطواف حول الرفات.
وكلا الأمرين حذر منهما الرسول صلى الله عليه وسلم فحذر من الإخلال الروحي بالتوحيد في ما رواه أبو هريرة "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فسأله الصحابة: "اليهود والنصارى؟" قال: "فمن؟" (أخرجه مسلم).
وحذر من الإخلال السياسي والمدني بالتوحيد في ما رواه أبو سعيد الخدري: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، فسأله الصحابة: "فارس والروم؟" قال: "فمن؟" (أخرجه البخاري).
قال ابن حجر: "حين قال: فارس والروم كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية. وحين قيل: اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات وأصولها وفروعها".
(انظر الفقرة ....من هذا الكتاب).
[5]
شكر
يشكر الكاتب رفاق الدرب من دعاة الدستور والمجتمع المدني الإسلامي وقضاياهما كحقوق الإنسان واستقلال القضاء وسيادة القانون، من فقهاء وقضاة ومحامين ومثقفين، الذين زودوه بملاحظاتهم على هذه المقالات
[6]
المقالة الأولى:
النظام الكسروي الصحراوي
أعظم البدع خطرا في حياة العرب والمسلمين
أــ أهم نقاط ضعف حضارتنا:
أن أهم نقاط ضعف الحضارة الإسلامية, هي تخلفها في الفكر المدني عامة والسياسي خاصة، وسببه الأكبر, انحطاط الأمة وتدحرجها من عالية الحكم الشورى العادل، إلى مستنقعات الحكم الجبري الجاهل، وهذا أبرز خلل جوهري في ثقافتنا الشعبية والدينية القديمة, بعد عصر الراشدين، وقد كانت لهذا الخلل الأكبر تداعيات وانعكاسات وآثار ظهرت في كل ما كتب من علوم العقيدة والفقه والاجتماع والقضاء, وسائر علوم الإنسان.
لقد جاء الإسلام إصلاحاً روحيا ومدنيا معا، جاء إصلاحاً سياسيا، يؤكد حق الأمة في اختيار حكامها، وحقها في مراقبتهم ومحاسبتهم. ويؤكد الحرية السامية ولاسيما السياسية. وجاء إصلاحا إداريا يلزم بتكافؤ الفرص، وتولية الأكفياء، ذوي القدرة رافعا شعار لا لإكراه في الدين فلكل دينه، مقراً التعددية فكرية وسياسية واجتماعية ولكن البيئة الصحراوية والكسروية، تستطع حماية هذه الشجرة الوارقه، فضربتها رياح الصحراء حتى جففتها.
[7]
ب-نقطة ضعف الفارس العربي في هامته لا في قدمه:
لم تكن نقطة ضعف الفارس العربي الإسلامي في كعبه, كالفارس اليوناني (أَخِيل)، بل كانت ضربة خطيرة في دماغه, وذلك هو سبب صداع العرب والمسلمين المزمن المستمر.
مشكلتنا الأساسية اليوم مزدوجة, ليست اجتماعية فحسب, بل هي أيضا- وهذا هو المعضل- مشكلة ثقافية، عند النخبة والعامة معاً، فهي من جانب أعراف سياسية متخلفة في القاعدة الاجتماعية. والأعراف الاجتماعية المتخلفة يمكن علاجها بومضات التنوير، وإن كان العلاج غير يسير. ولكن كيف يمكن علاج الاستبداد, وقد اعتبر (بطولة) أولا، وقد أحكم ارتباط هذه الأعراف المتخلفة بالإسلام ثانياً.
هنا تبرز المعضلة الفكرية حين تم إلباس الحكم الكسروي تاجاً إسلامياً، هنا المعضلة الثقافية التي شاعت في المنظومة الثقافية عامة والدينية خاصة, فصارت في متون التفسير وشروح الحديث، وفي كتب العقيدة والأصول والفقه وكتب السياسة الشرعية.
هذه المعضلة لا يمكن الاقتراب من علاجها، إلا بنبذ بدع الجبر والجور من الخطاب الديني، وبتأصيل وأسلمة، مفاهيم الإدارة السياسية التي هي من القيم الإنسانية المشتركة بين كل أمة وملة، كما قرر علماء الأصول وبيان انحراف الفكر السياسي في العصور القديمة بعد إخفاق ثورة القراء، عن المفهوم الشوري للحكم، الذي جسده النبي صلى الله عليه وسلم والراشدون.
[8]
ج-الفقهاء الأمويون أدركو أن الحكم الإسلام شوري وأن الاستبداد كسروي:
أثبت الفقهاء الأمويون وعيهم السياسي، وأثبتوا أن السلفية إصلاح سياسي، وأن منهج أهل السنة والجماعة؛ ليس منهج الصبر على جور الحاكم وجبره، بل توصيته بالعدل والشورى وأطره، على ذلك قاومها الفقهاء الأوائل كالحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري ومحمد بن أبي ذئب وسعيد بن جبير، ومالك وأبي حنيفة الذي مات في السجن لأنه رفض القضاء. لأنه كمالك أيد ثورة ذي النفس الزكية على المنصور والشافعي، لكن المقاومة لم تفلح.
وحاول السلف الأموي المصلح مقاومة الانحراف كالحسين بن علي في العراق وعبدالله بن الزبير في مكة، وابن الغسيل في المدينة. وحاول عبدالله بن عمر وعبدالرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن عمر بن العاص فأخفقوا.
وقامت سنة كسرى وقيصر التي نادى بها معاوية ومروان بن الحكم، وسقطت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وحاول عبدالله بن الزبير ثم عمر بن عبدالعزيز العودة فأخفقا.
هال فقهاء العصر الأموى تلاعب على أمية بالمال العام واستئثارهم بالإدارة وتولية الفسقة الفجرة الخونة. وكانت خاتمة المطاف ثورة (القراء) والعباد والفقهاء بقيادة عبدالرحمن بن الأشعث فأخفقت. كان فيها أنس بن مالك أبو البختري الطائي وعامر والشعبي وسعيد بن جبير، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، والحسن البصري، وأبناء المهاجرين والأنصار أخفقت الثورة و انهزمت فعم الإحباط واليأس، وشاع بعدها مذهب الإرجاء كما قال الشافعي، كما شاع الزهد والتصوف والإرجاء دين الملوك كما قال المأمون.
ظل الفقهاء في العصر الأموي، يتطلعون إلى نموذج السياسة الشرعية، كما طبقة الخلفاء الراشدين، يناضلون عنه ويدافعون، حتى ضربهم القمع الأموي ضربات متتابعة، كلما تطلعوا إلى حكومة العدل والاختيار. كان آخر الضربات هزيمة الفقهاء الأحرار، في ثورة (القراء).
وقتل الحجاج (القراء) التابعين، كما قتل مسليمة الكذاب (القراء) السابقين في معركة اليمامة. منذ ذلك الحين في نفوس الفقهاء الأحرار.
[9]
د- اليأس رسخ فقه الاضطرار فانجر أغلب الفقهاء العباسيين إلى مهادنة الاستبداد:
بعد فشل الفقهاء الأمويين الأحرار في تصحيح المسار، عم فقه الاضطرارار، ورسخ في النظام التعليمي والأكاديمي، لقد تصوروا أن قيم العصرين الأموي والعباسي, تجسد المفهوم الإسلامي للحكم، أن العدالة والشورى, مسألتين فيهما قولان كما، في تقاشهم في الشورى، أهي ملزمة أم معلمة؟.
وإذا بالبدع السياسية تنتشر، وفي بداية انتشارها؛ فيئس الفقهاء اللاحقون فهادنوها، من باب الضرورة, واعتبر الاستبداد شراً لابد منه, وقد ظهر هذا الاتجاه في جيل الإمام أحمد بن حنبل، ثم ازداد يأس الفقهاء من بعدهم, فاعتبروا الجور من طبيعة الدولة والرياسة, وقدموا الأمن البوليسي على العدالة. تغير مفهوم السلفية تغير مفهوم أهل السنة والجماعة.
وجاءت أجيال حولت اجتهادات الاستثناء والضرورة، إلى قواعد مرعية, ونسجت على منوالها نظريات مختلة في السياسة الشرعية. كما ظهر في آراء الماوردي وأبي يعلى في (الأحكام السلطانية) ابن عقيل الحنبلي، وابن القيم في الطرق الحكيمة، في تجويز تعذيب المتهم. محتجين بأنه لا يمكن صيانة العدالة العامة، إذا كثر فساد الناس، إلا بشئ من الظلم الخاص.
إنه اليأس من صلاح الحكم, صار هو القاعدة هذا اليأس نجده في عزوف ابن الأثير بعد أن كتب (جامع الأصول) عن العودة إلى الوزارة, وجسده ابن قدامة في (منهاج القاصدين) عندما قال: إن نهي الحاكم عن شرب الخمور وعن الظلم لا يجدي.
فانحنى الفقهاء مجبرين لمؤثرات المناخ القامع، فأسهموا في فقدان المسلمين الأمن والعدالة معاً.
و هذه الآراء إنما هي مضاعفات أو نتائج أو مظاهر الملك العضوض، الذي هو أعظم بواعث الكوارث في حياة الأمة, إنه الإخلال بعمود منظومة الإسلام المدنية. الحكم الشورى العادل، ثم ثبت هذا الانحراف في كتب العقيدة (انظر السنة للبربهاري) و (شرح الطحاوية).
[10]
المقالة الثانية
لا نزاهة لقضاء ولي الأمر فيه هو القاضي الأصيل
وقاضي المحكمة مجرد وكيل
أ- ملامح استقلال القضاة(لا القضاء) بعد المعهد الراشدي:
ومن الإنصاف أن نشير إلى أربع محاسن في الفكر القضائي الذي نشأ في ظلال الحكم الجبري الجائر أموياً وعباسياً.
1 ـ أن التشريع لم يكن للحاكم, بل كان للقرآن والسنة, فقد ظل الناس في الأمور الأسرية والاجتماعية والتجارية, يحتكمون إلى الشريعة المطهرة.
2 ـ أن السلاطين, وإن كانت لهم مخالفات صريحة، و لاسيما في مجال القضاء السياسي، لكنهم لم يستطيعوا أن يشرعوها في المنظومة الفقهية والقضائية و فلم تصبح بدعاً راسخة في تأخذ قوانين منسوبة إلى الشريعة، ماعدا موقفهم من التعددية الفكرية والمذهبية، بين أهل القبلة, بل نظر إليها على أنها ممارسات جور, وأحكام ناشئة في حقل الضرورة لا الاختيار، ولم تصبح قواعد قضائية عند أغلب الفقهاء الأحرار.
3ـ أن الفقه طوال تلك العصور, صار مخزوناً كبيراً لأنواع عن الاجتهادات القضائية, يمكن أن يستفاد منها اليوم بعد تنظيمها وترتيبها.
4ـ أن القضاء الإسلامي طوال العصور, كان مليئاً بالنماذج العادلة, من القضاة المستقلين, بسبب عامل التدين, وكان كثير من القضاء يزاولون القضاء احتساباً.
5ـ أن المجتمع الأهلي، مدنياً أو غير مدني مارس دوره في دعم القضاة العادلين, من أجل ذلك كان الحاكم, يهاب مواجهة القضاة العادلين, بل كان يبحث عنهم ويلح على توليتهم, كما فعل أكثر خليفة عباسي مع أمثال أبي حنيفة، من أجل التقليل من جوره، وخوفاً على عرشه, ومن أجل اكتساب حكمه المشروعية, ومن أجل تهدئة الرأي العام, وإن كان يشعر بثقل وطأتهم على نفوذه وجبره وجوره.
وكان المجتمع يدعم القضاء, كما وقع مع القاضي العز بن عبدالسلام، الذي عزله سلاطين مصر، فحمل القاضي متاعه واتجه إلى الشام, فتبعه خلق كثير, فاضطرت السلطة إلى استرضاء القاضي, ولم تكن قصة القاضي عز الدين معزولة عن السياق العام, بل كانت شائعة في كثير من البلدان والأزمان.
[11]
ب- استقلال القاضي حرف واحد في أبجدية استقلال القضاء المكونة من حوالي ثلاثين حرفا:
ولكن أساس العدل إنما هو (نظام) الحكم والقضاء, قبل أن يكون في (أشخاص) الحكام والقضاة، والقاضي العادل ما لم تكن له حصانة وحقوق مضمونة لا يستطيع أن يضمن حقوق الناس, لأنه يصبح مثل بيدق الشطرنج في يد السلطان, أنه لن يتجاوز مهما كان صلاحه، مركز قاضي مدينة (قم) الإيرانية ذلك القاضي العباسي, الذي عزله الحاكم, لسبب بلاغي, إذ يقال إن السلطان أراد أن يرحب بالقاضي شعراً فقال:
أيها القاضي بـ(قم).
وحار الأمير فلم يجد قافية للبيت تناسب كلمة (قم)، وهو يريد أن ينافس الحريري وبديع الزمان في العبث اللفظي فقال:
قد عزلناك فقم.
فقام القاضي وهو يجر رداءه محوقلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله والله ما عزلني إلا السجع، وهكذا فإن السجع والجناس والطباق، عندما يكون الحاكم فرداً لا شريك له, تنال من استقلال القضاء.
السؤال البديهي: لماذا استطاع السلطان أن يقول للقاضي: قم؟ أليس ذلك لأن القضاء غير مستقل, ولماذا لم يستقل, لأن السلطان قال من قبل ذلك للشعب: قم إلى فراشك فنم, فإن ولي أمرك أدرى بمصلحتك؟ فقال القوم: سمعاً وطاعة, "فاستخف قومه فأطاعوه, إنهم كانوا قوماً فاسقين" قوم فرعون لم يكونوا ضحايا ولا مساكين إذن, بل كانوا -في محكمة القرآن– قوماً مذنبين فاسقين!.
[12]
ج-مواقف مضيئة ولكنها شخصية لا مؤسسية:
كم من موقف مضيء للقضاة الأحرار، كموقف شريح أمام عمر وعلي. وموقف جبير بن نعيم أمام عبد الملك. وموقف شرف الدين الإسكندري أمام ابن عين الدولة, وموقف جميع بن حاضر أمام عمر بن عبد العزيز, عندما حكم بخروج الجيش الذي يقوده قتيبة بن مسلم من سمرقند.
ولكن هذه الحكايات، تصور نماذج استقلال القاضي (شخصاً), لا استقلال القضاء نظاماً, وتسامح السلطان, خليفة راشداً أو (شخصاً) أموياً, ولكنها ليست قواعد محترمة عند أغلب السلاطين. فلم يكن هناك قوة تجبر السلطان الأموي والعباسي عليها لو رفض، وهي نظام لا تكون فيه قوة معنوية أو مادية، تجبر من أساء استعمال السلطة على التراجع.
وما فعله هؤلاء القضاة يدل على استقلال القضاة (أشخاصا), لا على استقلال القضاء (نظاما), لا تدل على استقلال مؤسسياً منضبط في كل حالة, بل على استقلال شخصي لا ينضبط. ومن أجل ذلك لا ينبغي التعويل على استقلال القضاة، لتبرير أي نظام قضائي غير مستقل, ان القاضي النزيه المخلص المستقل, إذا كان يعمل في نظام غير مستقل, فلن يستطيع تحقيق العدالة, إلا إذا عرض رزقه وحياته أحياناً للخطر (انظر (استقلال القضاء: محمد نور شحاتة:6 و 280), ومن أجل ذلك ينبغي يقال إن العدل في معايير وأنظمة القضاء، خير منه في ضمائر واجتهادات القضاة.
نحن اليوم مع تقديرنا لما في التراث الذي صيغ في ظلال الحكم الجبري الجائر, للعدالة والحقوق من أفكار وقواعد أصيلة, بحاجة إلى فرز هذه الأفكار من أجل رؤية القواعد الأصيلة, المبنية على الكتاب والسنة, عن القواعد والأفكار الدخيلة, التي لحقت بالفكر القضائي, خلال رحلة مروره الطويلة, بالأزمنة والأمكنة، لنأخذ ما يتناسق مع (وحي) السماء، وننبذ ما يخل بالحقوق والحريات السامية، من ما هو (رأي) للفقهاء.
[13]
د-القاضي وكيل للسلطان :
هناك بديهيات حقوقية ؛ أخل بها الفكر السياسي والقضائي الشائع, ولم يعطيها الكتاب والمصلحون ما تستحق من اهتمام في مدونات الفقه القديمة.ولذلك فإن التراث الذي كتب في ظلال الحكم الجبري الجائر في المسألة السياسية والقانون لا يكفي, سواء أكان أموياً أم عباسياً أم مملوكياً أم طوائفيا:
من أغرب نماذجه اعتبار السلطان هو القاضي الأول, واعتبار قضاة المحاكم وكلاء عنه, فولاية القضاء إذن إنما هي عقد وكالة, وينبني على هذا التصور المتخلف عدة نتائج:
الأولى: جواز ممارسة الإمام القضاء متى أراد, مع وجود القضاة الذين وكلهم, دون لجوء إلى عزلهم, لأن (ولي الأمر) بذلك التفويض، لم يتنازل للقضاة عن حقه في ممارسة القضاء, وإنما وكلهم وأنابهم عنه.
والمعلوم والثابت شرعاً, أن للموكل في عقود الوكالة, أن يمارس جميع ما فوض وكلاءه به متى شاء, مع استمرار عقد الوكالة, وسريان أحكامها.
الثانية: جواز إعفاء القضاء أو عزلهم من قبل الإمام متى شاء من دون تبرير حتى ولو كانوا نماذج في الكفاية والعدل, وكذلك جواز اعتزال القضاة عملهم وعزل أنفسهم من هذه الولاية متى شاءوا. لأن من أحكام الوكالة جواز فسخها من قبل أحد طرفيها: الوكيل والموكل (لمحات من تاريخ القضاء:25).
الثالثة: صار من حق ولي الأمر إصدار اجتهاد في مسائل خلافية, وإلزام السلطة القضائية بها.
وجذور هذه القاعدة معروفة في الفكر القضائي العباسي, إذ لم يكن لدى الناس إدراك كاف بأن اجتماع السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية في قبضة واحدة, يعنى انعدام حرية الأفراد, وسيطرت الاستبداد وضياع حقوق المواطنين, مهما كان لولي الأمر من الصلاح والسداد. (انظر السلطة القضائية في الإسلام: شوكت عليان: 87).
لا يمكن تحقيق العدالة ولا استقلال القضاء, إذا صار من حق ولي الأمر إصدار اجتهاد في مسائل خلافية, وإلزام السلطة القضائية بها. لأن تقرير أن مثل هذا فيه مصالح للناس يكون من سلطة تمثل إرادة الأمة, أي أهل الحل والعقد أو (السلطة التشريعية).
[14]
هـ-القياس الفاسد سر الالتباس :
داهية الدواهي هي قياس ولاية القضاء بالوكالة عن رئيس الدولة, وهو قياس فاسد, إذ من الأمور القطعية الصريحة في الإسلام, أن الأمة هي المكلفة بتطبيق الشريعة كما نص الفقهاء كابن تيمية، وهي قاعدة بديهية،(انظر التدليل عليها في كتاب البرهان).
القضاة-إذن- إنما هم نواب عن الأمة, لأن الأمة هي المكلفة بتطبيق الشريعة،. وإذا كان رئيس الدولة هو الذي يولي القضاء, فإنما يوليهم بناء على كونه هو أيضاً وكيلاً عن الأمة. هذا إذا كان منتخباً ذا مؤهلات قضائية, كالخلفاء الراشدين, أما إذا لم يكن منتخباً أو لم يكن مؤهلات قضائية, فإن دوره لا ينبغي أن يتجاوز الموافقة أو الاعتراض على التعيين (الأساسي) الذي ينبغي أن تقوم به مجالس القضاء المنتخبة، كالمجلس الأعلى للقضاء, لأن القضاء نيابة عن الأمة، والقاضي كالسلطان نائب عن الأمة.
وقيام الحاكم بالاعتراض أو الموافقة –حسب مؤهلاته– أقل سلبيات من قيام الأمة بالتولية المباشر للقضاء, أو غير المباشر عبر ممثليها أهل الحل والعقد (البرلمان) (انظر الدكتور: محمد عبدالقادر أبو فارس: القضاء في الإسلام:196-200), والشريعة صريحة في أن الحاكم نفسه، هو الذي تنطبق عليه شروط الوكالة لا القاضي, وكيف إذن يتوفر للقضاة الاستقلال والحصانة، ولاسيما عندما يحكمون في خصومة أحد طرفيها هو السلطان نفسه, لو كان عقد القضاء عقد وكالة؟ سيكون السلطان من جانب خصماً, وفي الجانب الآخر حكماً. ولو كان القضاة وكلاء السلطان لا نعزلوا بموته، إذ من المتقرر في أحكام الوكالة، أن الوكلاء ينعزلون بموت الموكل.
إن مأزق الفقهاء في تشبيههم ولاية القضاء بالوكالة عن السلطان، فيه أكثر من إشكال، يجعله بعيد الإحتمال، فضلا من أن يصح به الاستدلال، وهذا برهان على أن هذه النظرية ساقطة.
[15]
المقالة الثالثة
الحقوق والحريات
بين الصورة الراشدية الصافية
وصور الحكم العضوض المشوهة الباهتة:
(من بحث قدم إلى مؤتمر العدالة الثاني المنعقد في القاهرة خلال 22/24فبراير2003م/في موضوع تعزيز استقلال القضاء السعودي)
أ ـ الخلط بين الأصل والصورة:
عند الحديث عن حقوق الأفراد الجماعات والمجتمع في الإسلام, يلتبس على كثير من الناس النموذجان:
الأول الصورة الأصيلة الناصعة لحقوق المواطنين وحرياتهم السامية، التي جاءت في النص القرآني النبوي, وحقل تطبيقه لنبوي والراشدي.
الثاني الصور المشوهة البواهت، و في تطبيقات الحكم العضوض، أموية وعباسية، وعثمانية وطوائفية، والتنظيرات والتفريعات التي استظلت عند تقعيد هذه النصوص الشرعية، وشرحها بهذه الظلال. هذا (التوصيف) الذي قدمته الصياغة العباسية للثقافة الحقوقية، متأثر بظلال عصور الاختلال. أكثر من تأثره بالعهد الراشدي. ويصعب الفرز والتمييز بين الصورة الصافية والصور البواهتِ, على كثير من الناس.
[16]
ب-قمع المساواة والكرامة :
ثمة قصور واضح في خلفية فقهائنا العباسيين في العلوم الاجتماعية والسياسية، زاوجه تأثر بمناخ السلطان الجبري الجائر, فتكاثرت في منظومة الحقوق أفكار الضرورة, التي تعكس إحباط الفقهاء، ويأسهم من الإصلاح، فكثرت النظريات المشوشة, التي كرسها المقلدون وفقهاء السلاطين, ولم ينج من تأثيراتها بعض الفقهاء الأحرار المصلحين كابن القيم, لأنها صارت شبه مسلمات توارثها التيار السائد, ورددها أكثر الفقهاء وعلماء العقيدة، من من عاشوا في ظلال الحكم الجبري الجائر, ولاسيما العباسي (ولا نركز على الأموي، لأن الفقهاء الأمويين لم يرسخوا تلك المنظومة، ولم يدونوها، وإنما فعل ذلك الفقهاء العباسيون). فتم قمع الحرية المدنية والسياسية والثقافية، وتجريم حرية الرأي والتعبير والتجمع, و وأد التعددية المذهبية والطائفية والاجتماعية والسياسية. ضاقوا ذرعاً بالحرية التي وسعها الله على عباده, ولا سيما حرية الرأي والتعبير السامية.
الخليفة الراشدي –كعلي بن أبي طالب– أو الخليفة الأموي الصالح: عمر بن عبد العزيز يعتبر التعددية والمعارضة السلمية حقاً سياسياً وطائفيا للجماعات (كالخوارج)، فلا يعاقب عليَّ الخوارج، وهم يعلنون عصيانه، وينتقدونه وهو على المنبر، ويعقدون الاجتماعات، لثلبه والتشهير به، ويقول قولته الشهيرة "إن حاربونا حاربناهم".
أما الفقهاء المداهنون والمستغفلون والغافلون، فيعدون مثل ذلك فتنة, فقال أحد ساجعي السلطان من الفقهاء الظلمة: "الخروج على السلطان بالكلام, كالخروج عليه بالحسام".
[17]
ج- قمع الحرية والتعددية:قانون قمع أهل البدع وقتل دعاتهم:
و لقد غلا أكثر الفقهاء في ذلك حتى عدوا بعض الفرق من أهل القبلة كفاراً, فكثر الغلو في التكفير والتبديع, وياليتهم أجروا على أهل البدع أحكام الكفار من أهل الذمة فقبضوا منهم الجزية، وضمنوا لهم العيش بتسامح وسلام, بل طبقوا عليهم حيناً أحكام المرتدين, وكل فرقة تصل إلى السلطة جعلت أول جهادها قمع المخالفين.
فأسست الفرق العقيدية المتناحرة، المداميك و الحجارة الصلبة، لقيام (الدولة المذهبية) التي تجبر الناس على مذهب إسلامي معين. وقد صارت ظاهرة قمع الحرية وباءاً عاماً. لايكاد كاتب أن يخرج من إطاره، مهما حاول الاحتراز ومن يقرأ كتابات علماء العقيدة, يجد هذه النزعة واضحة.
انتهاك مفهوم الحرية الإسلامية وفيها مخالفة صريحة سنن الراشدين, فهي تقرر قاعدة قمع أهل البدع, وقتل دعاتهم وتقرر جواز قتل الزنديق, مخالفة ما طبق المصطفى عليه السلام وفوق هذا وذاك أجازت قتل الزناديق التائب أيضاً, مخالفة في الأًصل فصلاً عن الفرع تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم. انظر مزيداً من التفصيل والتدليل والتأصيل في مسألة التعددية والحرية، في بحث: التعددية والحرية (كتاب جناحان حلق بهما الإسلام).
وكان لابد أن يترجم مافي منظومة الفقه الحقوقي الاجتماعي, من قمع وتزمت وغلو، إلى قانون قضائي يجرم حرية الرأي والتعبير, والتجمع والتعددية الثقافية والاجتماعية السامية, فصار القضاة وهم يشعرون أو لا يشعرون, أسلحة قمع لحقوق الإنسان والمتهم, قمعاً سياسياً واجتماعياً وفكرياً وتمييزاً طائفياً, تحت لافته تطبيق الشريعة.
[18]
د- هضم حقوق المرأة
هضم حقوق المرأة الإنسانية والزوجية والسياسية والاجتماعية:كانت لهم آراء قمع ضد المرأة كثيرة, (كإلزامها بافتداء نفسها عند الخلع, حتى ولو كانت تجر خلفها بضعة أولاد), وقاسوا تصرفاتهم في اضطهادها على حديث الحديقة مع الفارق, وكل قياس مع الفرق فهو غير مسلم به. كان أول مظاهر ضعف البنية الإسلامية للمجتمع، هي هضم حقوق المرأة، فقد كانت المرأة في العهد النبوي والراشدي ذات مكانة فريدة.
كانت ذات رأي صائب، يستشيرها الرجال، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية عندما شاور أم سلمة رضي الله عنها. وكانت لبعض الصحابيات مجالس أسبوعية يحضرها الناس، وكان المرأة تشارك في النشاط السياسي، كما فعلت عائشة رضي الله عنها. وكانت تشترك في الحروب.
فبدأت في العهد العباسي، تدخل ضمن مفهوم (الحريم) وهو تقليد فارسي قديم، نسب في مابعد إلى الإسلام، واحتقرها الفقه التقليدي، وأبسط النماذج لذلك تعريف الفقهاء للزواج، بأنه مبادلة بضع بمال!!.
[19]
هـ-قانون: أطع الأمير ولو ضرب ظهرك وسلب مالك:
غابت الصورة الإسلامية الصافية، التي جسدها الراشدون، وغابت الصورة الإسلامية الصافية للحقوق، التي طالب بها الفقهاء الأحرار، الذين قادهم عبدالرحمن بن الأشعث، تأثرين على تجبر بني أمية وظلمهم، وجسد فكرهم عامر الشعبي عندما قال عن بني أمية يا أهل الإسلام "قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فو الله ما أعلم قوما على بسيط الأرض، أعمل بظلم، ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار". وقال سعيد بن جبير "قاتلوهم ولا تأثموا من قتلهم بنية ويقين، وعلى آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة".
قد يكون سبب الإخفاق الأساسي في الإصلاح، هو حصر الأسلوب بالسلاح، لكن ليس هذا هو ما يعنينا في هذه الفقرة الذي يعنينا أن الفقهاء كانوا يشعرون بدورهم في المطالبة بالحقوق، حتى وجد منهم من يقول من اعتقد أن المال الذي في بيت المال للسلطان فهو كافر. وسادت نظرية مروان بن الحاكم: المال مالنا من شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه.
وجاءت أفكار صنعت لأجلها أحاديث لا تصح، كقولهم الذي نسبوه للرسول الكريم: "أعطوهم حقهم وسلوا الله حقكم، و "أطع السلطان، ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك"(انظر مقاييس نقد متون السنة:د/مسفر الدميني). ورسخت هذه الأفكار من خلال كتب العقيدة.
عندما يضرب السلطان ويسلب، فإن كل نفس حرة ترفض وتزأر، هذا هو قانون الفطرة والطبيعة، وعندما يود فقيه هذه الأقوال، ويبني عليها سلوكا سياسيا؛ ينبغي إن نشير إلى أن هذا الفقه لوى نصوص الشريعة، وصاغ من خطابه الديني المحرف، حضانة الاستبداد والتخلف، فالخطاب الديني المحرف هو السبب الأكبر في مهادنة الجور والجبر والتخلف.
[20]
المقالة الرابعة:
حقوق المتهم أمام عدل الشريعة
أم جور محاكم التفتيش؟:
أ-تشريع تعذيب المتهم:
من أخطر الأمور التي شانت القضاء العباسي, التفريط بحقوق المتهم, ومن خلال قاعدة المصالح المرسلة التي لم يراع أكثر الفقهاء تحديد ابن تيمية لها. وكل المفاسد في القضاء والحقوق إنما هي نتاج مقياس سد الذريعة أو المصالح المرسلة أو فقه الضرورة و لو سلمنا لهم بنظريتها –ولا نسلم بذلك- لقلنا إنه أسيء تطبيقها كثيراً، فأدت إلى ما وصفه ابن حجر في غير هذا السياق، "تشريع ما ليس بشرع". وشاعت بعض النظريات المجانبة العدالة, فأباح التيار السائد من الفقهاء العباسيين، ولاسيما المتأخرون للإمام تعذيب المتهمين, وانتهاك حقوق المتهم بتشريع التعذيب, وتصحيح الاعترافات الصادرة تحت التعذيب، فقد أجازه التيار الفقهي والقضائي السائد كمالك والماوردي وابن تيمية وابن القيم انظر الطرق الحكمية:143، وابن تيمية (الفتاوى: 65/406), ومن دون التعذيب –حسب رأي ابن القيم– تضيع الحقوق, ويتجرأ أهل الفجور على الفساد, وتصبح الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد (الطرق الحكمية:78).
لم يلاحظ فقهاؤنا المصلحون الأحرار كمالك وابن تيمية وابن القيم، على ما لهم من فضل؛ أن نظرية تعذيب المتهم جزء من بنية مفهوم الدولة الدكتاتورية، و الدولة البوليسية، في المعجم السياسي الحديث، إذ لا يقوم الأمن فيها إلا على القمع والخوف، على أساس أن الناس أشرار، لا يصلحهم إلا السيف, وسلم بها الفقهاء والقضاة العباسيون. غير مدركين أنها من سلالات الحكم الجبري الجائر, في الفقه العباسي. وقد فندت هذه النظرية في كتيب (حقوق المتهم بين الحكم الشوري والجبري).
[21]
ب-تكريس الخلل في الجذور الفقهية لحقوق الإنسان اليوم
من أجل ذلك نجد بعض الفقهاء المعاصرين اليوم يعيدون إنتاجها, من دون أن يجدوا في ذلك حرجاً, إذ نجد لمن كتب أبحاثاً من كبار القضاء السعوديين دفاعاً عنها, وتشكيكاً في النظرية المعترف بها في كل أمة وملة: "الأصل براءة المتهم حتى تثبت إدانته". يقول القاضي بمحكمة التمييز بمكة عبد الله بن منيع: "فلو قلنا ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته, لتعين علينا طرح قرائن الاتهام, ولا ضطررنا إلى تعطيل الكثير من روافد الإثبات, من قرائن وأحوال وملابسات, ولكان حبس المتهم ومسه بالعذاب عند التحقيق معه, ضرباً من الظلم والطغيان" (انظر: نظرية براءة المتهم حتى تثبت إدانته. بحث. ضمن كتاب المتهم وحقوقه في الشريعة الإسلامية: 1/274 وانظر أيضاً: مدى صلاحية القرائن في إدانة المتهم: للقاضي في محكمة التمييز بمكة عبد الله البسام أيضاً في نفس الكتاب:1/341 وما بعدها).
وليت القضاة السعوديين اللذين أجازوا تعذيب المتهم، ضبطوا تقدير التعذيب، وحددوا من يقوم بتنفيذه, واشترطوا أن يكون بإشراف القضاء, إذن لقيل إن أصل اجتهادهم صحيح مشروع وإن كان رأيهم باطلاً غير صحيح، وإذن لقللوا من أثر هذا القانون، المخالف صريح الشريعة ومقاصدها وروحها العامة. ولكنهم تركوا التقدير والتنفيذ للأجهزة البوليسية.
وفوق هذا وذاك لا يستطيع القاضي حماية الموقوفين إذا قالوا: إن اعترافاتنا تحت التعذيب, بل يصادق على اعترافاتهم , أو يعيدهم إلى السجون, بحيث يسمح الجو بتعذيبهم حتى يعترفوا.
ولا يدرك أغلب القضاة أن هذه الأمور مخلة بالاعتراف, ولا يستطيع من أدرك إلا أن يصادق على الاعتراف, وقد لا يدرك أكثرهم أن التهديد بالتعذيب, والحبس الانفرادي أكثر من شهر؛ أيضاً مخل بالاعتراف الشرعي، بل لا يدركون أن إغراء المتهم أيضاً مخل بالاعتراف الشرعي.
[22]
ج-مثلث برمودا:
إنها ثلاث دواه: تشريع التعذيب, وتركه من دون إشراف قضائي رقيب, وقبول الاعترافات الصادرة تحت التعذيب أو التدليس، في سجون واقعها التعذيب وظاهرها التأديب. في ظلال هذه الثقافة يصبح القضاء تحريفا للإسلام, وسلاحاً يخل بحقوق الإنسان عامة وحقوق المتهم خاصة, التي أقرها الإسلام, بصورة أفضل, قبل أن تتنادى الأمم اليوم إلى تطبيقها.
مع أن التطبيقات والنصوص النبوية قررت؛ أنه ليس هدف التحقيق الوصول إلى الحقيقة فحسب, بل أوجبت أن يكون الوصول إلى الحقيقة عبر الوسائل المشروعة, على الإسلام أعطى في تطبيقاته النبوية والراشدية للمتهم حقوقاً, لم تبلغ شأوها القوانين الأوربية الحديثة. (وقد فصلت ذلك في كتيب حقوق المتهم).
ولكن في ظلال نمط منظومة الحقوق وأعراف القضاء العباسي, يتوقع انتهاك حقوق المتهم كتعذيب المتهم تحت شعار فساد المجتمع وكثرة المجرمين, وكونهم لن يعترفوا طوعاً. ويصادق على اعترافات ناتجة عن سلب الإدارة أو الاختيار, في سلوك ظاهره تطبيق الشريعة, باطنه توجيه طعنة وجيعة, في قلب الشريعة.
[23]
د- السبع الموبقات ما للمتهمين من حقوق وحريات:
ومن اجل ذلك فإن تطبيق القواعد القضائية؛ وفق نموذجها, الذي نمى في ظلال الحكم الجبري الجائر، إنما هو انتهاك قضائي لحقوق الإنسان المشروعة في الإسلام, التي ترعرعت في ظلال الحكم الشوري الراشدي، ولن تحتاج في ظلاله السلطة التنفيذية، إلى محاكم استثنائية, لا عسكرية ولا بوليسية, للأسباب التالية:
1ـ مادام قد تحول مفهوم (السلطان) من وكيل للأمة ونائب, تأطره الأمة على الحق أطرا وتحاسب وتراقب أداءه, إلى (ولى الأمر) الذي يولي نفسه عليها بدون رضا ولا اختيار كولاية الأب على الصغار ولا يحاسبه إلا الله.
2ـ وما دام ولى الأمر أدرى بمصالح الأمة، من خبرائها وفقهائها وأهل الاختصاص وقضاتها، فضلاً عن الرأي العام فيها.
3ـ مادام أي قاض إنما هو وكيل، عن (ولى الأمر) الذي هو القاضي الأصيل.
4ـ وما دامت قاعدة التعزير فضفاضة رجراجة كالمطاط, تسمح بأن تتراوح العقوبة بين ضربة سوط وضربة سيف.
5ـ وما دام القاضي يقوم بوظيفتين: أولاً تحديد القانون والقاعدة القضائية إذ هو الذي يضع القاعدة التي تحدد الجريمة, والقاعدة التي تحدد العقوبة, ومن حق القاضي أن يختار أي رأي فقهي, مهما كان هذا الرأي. وثانياً: وفوق هذا يطبق الوقائع على ما تخير من قواعد، ومادامت القواعد من دون مسطرة، فإن القاضي، تماما كالكاتب الذي يكتب على ورق من دون تسطير, مرض لاعوجاج الأسطر، والانحراف ذات اليمين والشمال وكذلك القاضي معرض للهوى والانحراف, مهما ملك من نباهة الضمير و الإخلاص.
6ـ وما دام القاضي يعتمد على ثقافة حقوقية متخلفة، تعتبر حرية الرأي والتعبير والاجتماع والتجمع السامية، من الإخلال بالأمن وإثارة الفتنة, وما دامت نظرية الحقوق, من دون مسطرة ذات علامات موضوعية بارزة محددة.
7_ ولكي يكتمل نموذج مسرحيات التفتيش، تكون المحاكمات سرية، فلا يحضر أحد من شهود الله في أرضه، خلافا للمعايير الثلاثة التي استنبطها الفقهاء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم: أن يفتح القاضي الأبواب، ويبعد الحجاب ويقضي في مكان يجتمع فيه الناس.
والستر دون الفاحشات ولا × يلقاك دون الخير من ستر
والأصل في أي قضاء أن يكون ضامن حقوق الإنسان، وأن يكون ملجأ المستضعفين من الأقوياء, ولكن في ظل هذه الثقافة يمكن أن يصير الغافلون من القضاة -وهم لايشعرون– أسلحة قمع قضائي, لحقوق الإنسان في الإسلام, و تصير ضمانة القضاء للحقوق والحريات التي أوجبها الله على الدولة، كما قيل:
والمستجير بعمرو عند كربته × كالمستجير من الرمضاء بالنار
[24]
المقالة الخامسة:
كيف ينسب إلى عدل الشريعة
قانون يؤثر خرص الضمائر علىدقة المساطر
أ- مبدأ سد الذريعة بين صحة المقياس وسوء القياس :
المشكلة الكبرى في الفكر القضائي العباسي: عدم توحيد قوانين القضاء وتدوينها. فقد رفض ذلك الفقهاء منذ عهد الإمام مالك بن أنس رحمنا الله وإياه, في العصر العباسي, وبذلك أصبحت وظيفة القاضي مزدوجة في كثير من الأحوال، يجتهد أولاً في تشريع القانون الذي يصف الجريمة ويحدد العقوبة, مرجحاً بين الآراء, من أجل التوصل إلى القاعدة القضائية. ثم يجتهد كرة أخرى، محاولاً تطبيق القاعدة القانونية على الوقائع, وهذا المنهج القضائي, أحيط بالتبجيل وامتدح عبر العصور، واعتبر من علامة لزوم السنة، وهو رأي نتج عن ضمور الرقي المدني في الأمة, بينما عتم على رأي ابن المقفع, الذي يدل على نضج مدني, عندما طالب بتوحيد القواعد القضائية في الدولة.
أجل مرفوض رأي ابن المقفع, لو كانت النتيجة أن يكون التشريع بيد الحاكم, -كما يبدو من حجج الذين دافعوا عن رأي مالك– ليس المهم لدينا الآن, لا الدفاع عن مالك فلمالك وجهة نظر معتبرة. من خلال معرفته بطبائع الطغاة فهذه ناحية تاريخية. بل التأكيد على أنه لا تتوافر في الدولة الإسلامية الحديثة. ضمانات العدالة والنزاهة، من دون تحديد قواعد القضاء وتوحيدها وتدوينها ونشرها, لأن ترك ذلك يعني فوضى القضاء. وابن المقفع لم يقل بشيء جديد , فقد عرف العراقيون القانون القضائي الموحد, منذ زمن بعيد منذ عهد حمواربي. ولم يكن رأي مالك, إلا تخوفاً غير عملي, فهو مبنى على منطق سد الذرائع, وهي قاعدة غير منضبطة, سوغت هنا الفوضى تحت لافتة الاجتهاد.
[25]
ب-هل من العجب أن يخطئ مالك ويصيب ابن المقفع:
قد يكون الأخذ بقول الإمام مالك في الدولة القديمة راجحاً أو مرجوجا, ولكنه في الدولة الحديثة خطأ كبير لأنه يفضي إلى محاذير منها:
1) الحكم في القضايا المتماثلة بأحكام غير متجانسة, وأحياناً متناقضة, في محكمة واحدة, وأحياناً من قاض واحد.
2) بطء المحاكمات, لأن مرحلة الاجتهاد في اختبار القانون, تحتاج إلى تقليب أقوال الفقهاء وتأمل السوابق القضائية.
3) يصبح القضاء ساحة لا تخلو من المفاجاءات, إذ أنه لا يوفر على المتقاضين عناء الخصومات, لأنهما لا يعرفان مركزهما القانوني, من أجل ذلك درجت بعض الشركات الأجنبية, التي لها مصالح في السعودية, على ما تسميه بـ"التأمين ضد أحكام الشريعة الإسلامية", حيث يصفون القضاء السعودي بأنه ساحة ذات ألغام, إن لم يكن لهم خارطة -وأنى لهم بالخارطة– فربما انفجر بهم لغم وهم لا يحتسبون, لأنهم لا يستطيعون معرفة القواعد الفقهية، التي يجتهد القاضي في تقنينها, قبل تطبيقها.
4) وهو في حالات نقص الخبرة ونقص العلم, ينال من العدالة, وفي أحوال الضغوط والتدخلات والهوى, ينال استقلال القضاء.
5) ومن أخطر ما في الفكر القضائي العباسي, رجرجة تطبيقات قاعدة التعزير, التي تسمح بمفارقات وعجائب, عندما تتراوح ما بين ضربة بالسوط وضربة بالسيف.
6) وهو يسمح بمزاولات ظاهرها تطبيق الشريعة وجوهرها الانفلات من مقاصدها, ورجرجة مفهوم العدالة الاجتماعية في ظل القول بأن السلطان هو القاضي الأصيل, وإنما القضاء نواب له, وذلك يساعد على تراكم الأخطاء الناتجة عن خطأ الاجتهاد, ويتيح للقضاة مجالاً رحباً لا حدود له, إلا النصوص القطعية الدلالة والثبوت. إذ يجعل القضاء ذا دور سلبي تجاه القوانين التي تخالف مبدأ العدالة, كقرارت منح الأراضي الزراعية والسكنية, وكالقرارات التي تفرض رسوماً أو ضرائب تنال من حقوق المواطنين، وقد بينت مزيد من الأدلة والأمثلة على هذه النظرية في كتاب: استقلال القضاء السعودي عوائقه وطرق تعزيزه.
أن ترك مسألة اختيار القاعدة لاجتهاد القاضي يجعل الحدس والتخمين بديلاً عن المسطرة المحددة, إذ يجعل القاضي بين عشرات الآراء المتناثرة, التي تنتقل من أقصى التشديد إلى اقصى التساهل, و لاسيما أن في تراثنا القضائي العباسي آراء وأفكاراً تخالف مقاصد الشريعة وروحها، وفيها ما يخالف نصوصها الصريحة، من ما لجأ إليه الفقهاة والقضاة العباسيون، بمنطق فقه الضرورة والإحباط، وهي عدوان صارخ على حقوق الإنسان, التي كفلتها الشريعة.
[26]
ج-لكي لا يصبح القضاء ثالثة أثافي غلي الأمة:
ومن أجل ذلك لابد أن يصبح القضاء في الدولة الجبرية جائراً, ولابد أن يكون ثالث الأسحلة التي تقوم عليها الدولة الجبرية: سلاح التربية والتعليم والإعلام, وسلاح البوليس, ثم ينسب ذلك الطغيان إلى الإسلام؟.
وإذا أنعمنا النظر في مثل هذه الأفكار, وجدنا أنها تشرع الظلم وانتهاك الحقوق, وبها تصبح الأحكام القضائية التي ترفع فوقها لافتة تطبيق الشريعة, نوعاً من أنواع الإرهاب والقمع, من أجل أن تستسلم الأمة للقهر والجور, ومن أجل ذلك فإن تطبيق القضاء من وجهة نظر عباسية لن يحتاج فيه الحاكم إلى محاكم استثنائية, عسكرية ولا بوليسية, من أجل تصفية كل قائل كلمة حق أمامه, واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحويل الناس إلى قطيع جائع خانع.
وفي ظل هذا النظام القضائي تتحول وظيفة السجون من تأديب المجرمين والجناة إلى تعذيب المصلحين والآمرين بالمعروف والدعاة. إنها مفارقة فكر قضائي ظاهره بتطبيق الشريعة, وباطنه تطليقها, صار به القضاء لوناً من ألوان قمع السلطة الجائرة, يجسدان ازدواجية القمع الديني السياسي, القمع السياسي بسلاح ديني والقمع الديني بسلاح سياسي, لم بفت مناضلاً سلمياً, كعبدالله بن المبارك, أن يكشف الستار عن التحالف البشع، بين السلاطين الجائرين والفقهاء المداهنين.
وهل أفسد الدين إلا الملوك × وأحبار سوء ورهبانها
وصدق الله العظيم (أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأخبار والرهبن ليأكلون أموال الناس بالباطل).
[27]
د-وظيفة الدولة أنها خادمة فكيف صارت مالكة:
وهذا الخلل في جذور الفكر القضائي, لحقوق المتهم، يتواكب مع نموذج الدولة البوليسية التي تبالغ في حقوق السلطان، من خلال تطبيقات مفهوم (ولي الأمر) فيها, ويجسد ذلك مضاعفات الإخلال بمبدأ (التعاقدية)، التي هي أساس النظام الدستوري الذي تحدد علاقات المجتمع أفراداً وجماعات بالدولة.
ومن أجل ذلك يبدو ارتباط استقلال القضاء بحقوق الإنسان وحرياته, ارتباطاً عضوياً لا ينفصم، فكل اعتداء على استقلال القضاء من قبل السلطة التنفيذية, له علائق بالاعتداء على حقوق وحريات الناس, وكل اعتداء على حقوق الإنسان له علائق بالنيل من استقلال القضاء (انظر استقلال القضاء: شحاتة 8).
فهل يمكن ضمان النزاهة والحياد في القضاء, ما لم يتأكد القضاء من سلامة الإجراءات، التي تتخذها السلطة التنفيذية على المتهمين, في القبض والاعتقال والتحقيق, ويتأكد من ظروف حياة السجناء في السجون, ويتأكد من سلامة الاعتراف من الإكراه الذي يسلب الإدارة أو الاختيار أو هما معاً, وأن تكون له سلطة تخوله مناقشة ما يمكن أن يخل بالاعتراف الشرعي, وأن يكون له سلطة في بحث دعاوى التظلم المتهمين من جور السلطة, ولا بد له أن من يطبق النظام الذي يحدد مدة الاعتقال من دون محاكمة، من دون ذلك يصبح القضاء (المتسالم) قوانين (مرعية)، ولكن حدث عن قوانين الحجاج الصحراوي (ودراكون) اليوناني ولا حرج.
وهذا يؤكد أنه لا يمكن ضمان لحقوق المتهم، إلا في ظل المفهوم الشوري للحكم.
[28]
المقالة السادسة:
عندما انتهك (ولي الأمر)مبدأ سلطة الأمة؛
استحوذ على أعنة السلطة الثلاث:
أ- تضخيم حقوق السلطان وتقزيم الأمة ونعتها بالرعاع:
عندما نتحدث عن تطبيق الشريعة, عندما نقول الإسلام هو الحل، ما هو الإسلام الذي نريد أن نطبق؟ هل هو نظرية الحقوق الأصلية الواردة في نصوص الكتاب والسنة وحقل تطبيقهما الراشدي؟. هل هو ما تحدث عنها الفقهاء الأحرار في العصر الأموي ومطلع العباسي وما قدمه فقهاء الشريعة المجددون من نظريات وتفريعات، منذ الكواكبي وخير الدين التونسي، ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا ومحمد الغزالي، وما ينبغي للدولة المسلمة الحديثة أن تضعه من وسائل إجراءات وهياكل, لتجسيد نظرية العدالة والحقوق والحريات الإسلامية في مجتمعات حديثة ضخمة, شديدة التركيب والتعقيد, مليئة بالتغيرات الضخام في العادات والقيم؟.إذن نحن أمام نظام قضاء إسلامي أعدل من غيره.
أم نحن أمام نظرية الحقوق الملفقة, من الأفكار الصحراوية و الكسروية والأطر الأموية والعباسية والعثمانية؟, وإذن فإن بعض القوانين الإفرنجية أقرب إلى تحقيق العدالة الإسلامية، من هذه الأفكار المتخلفة في قناع ديني, كما ذكر الشيخ محمد رشيد رضا وغيره, قد يبدو هذا الكلام غريباً، ولكن شر البلية ما يضحك.
وماذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا
قد يستغرب بعض الناس أن يقال إن تطبيق القضاء وفق النموذج العباسي, مخل بحقوق الإنسان. ذلك إن الإخلال ليس حادثاً جديداً ولا مشكلا بسيطاً, بل هو إشكال مركب قديم, إشكال في جذور الفكر الحقوقي, حيث إن النزعة الصحراوية والكسروية, داخلت النظام السياسي شيئا فشيئا منذ العصر الأموي فتجلت صورها في التصرفات الاجتماعية, ثم ظهر صداها في الفكر الاجتماعي عامة, والفكر السياسي والحقوقي خاصة، فتدحرج الفكر القضائي إلى الحضيض, والفقهاء والقضاة العباسيون والمستعبسون غافلون لا يشعرون, فوضعوا قواعد قضائية غير عادلة, مؤسسة على أعراف حقوقية غير عادلة.
وقد برهن تاريخنا الإسلامي على أن سر الفساد, هو اختزال الأمة بالإمام, واستحواذ الحاكم على أزمة السلطات الثلاث الخلل في الأساس أي في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع, وصار الحاكم وكيلاً على الأمة كالوصي, بدلاً من الوضع الطبيعي أن يكون وكيلاً لها, في ظل هذا التصور, لا يمكن قيام نظرية عادلة للحقوق.
[29]
ب-قمع الحرية وتطبيق القانون على الضعفاء فحسب:
أصبحت العدالة في الصياغة العباسية للحقوق والحريات السامية عوارء, وصار تطبيق الشريعة تبعيضيا يسمح بالمتناقضات, وأصبح سطحيا جزئيا يعالج النتائج ويترك البواعث, فيقام الحد على مرتكبي الفواحش, ويتغاضى عن فاتحي أبوابها، ويقام الحد على من يسرق الطعام, ويتغاضى عن الحاكم الذي يضع خطة منظمة (لتفقير) الشعب, ويعاقب من يسرق بعض النقود من الخزينة في ستر الظلام, ويتغاضى عن من يسرقون مال الأمة العام في وضح النهار, ويقام الحد على من يشرب الخمر والمخدرات، ويتغاضى عن بواعث الهروب إلى المسكرات, كالتوتر والقلق والكبت الاجتماعي, ويقام الحد على الضعاف والمهمشين ويترك الأعيان والملأ والكبراء. ويقام حد الحرابة على من يقتل الفرد, ويترك من يقتلون الألوف قتلاً معنوياً هادئاً, أو في حروب الأهواء, ويقام الحد على قاتلي الأجساد, ويترك قتله الروح والحرية والكرامة، الذين يحولون الأحرار إلى عبيد، من الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.
لماذا كل هذه المفارقات؟ لأن في الاستبداد ثلاثة أقوال: جوازه وحرمته, واستحبابه (نظرية المستبد العادل) نتيجة هذا الفقه المفرط قول الشاعر:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفــــــر
وقتل شعب كـــامل مسألة فيها نظــــر!
وبذلك انحسر مفهوم تطبيق الشريعة, وانقصر على الجنايات الفردية وعقوباتها، أما ولي الأمر وحاشيته، فمن يستطيع أن يقاضيه، وهو القاضي الأصيل، ومن يستطيع أن يحاسبه على سوء تصرفاته بالمال العام وأراضي الأمة، وهو أدرى بالمصلحة.
وهذا مخالف لما أنزله الله على أنبيائه من وحي الشرائع, التي جاءت مؤكدة مكارم الأخلاق, التي أوحى بها الله إلى الطبائع, من أسس سلامة المجتمعات, ومن تصور أن حقائق الشريعة , تخالف ما فطر الله عليه البشر من طبيعة، فقد جهل إحدى الحقيقتين عندما تصور أن بينهما قطيعة.
[30]
ج-صارت أراضي وأموالها الامة ملكا لولي الأمر:
مركزية الحاكم أشاعت في بعض التنظيرات وفي غالب التطبيقات، مساوئ تهد التجارة والاقتصاد من ذلك ما رآه بعض الفقهاء الغافلين من أنه لا يجوز إحياء الأرض الموات, إلا بإذن السلطان, وقد استغل أئمة الجور مثل هذه الآراء، في السيطرة على ثروات الأمة, فوزعوا أراضي الأمة على المحاسيب والأقارب والفاسدين والمداهنين, فانهدم الاقتصاد, ولم يسهم الفقهاء الغافلون بجهد يذكر في محاربة الرشوة والمحسوبية, والفساد وهدر المال العام, بل بنوا منظومة من فقه الضرورة والإحباط والإسقاط تجيز للناس دفع الرشوة ونحوها, محتجين بفساد الإمام، وهم الذين شاركوا في ونحت تمثاله والطواف حوله.
حينما تجعل امتلاك الأرض للسكنى أو الزراعة, بيد حاكم جائر, ذي سلطة مطلقة, فتمنع الشعب إحياء الأرض الموت إلا بإذنه, ثم هو يوزع أراضي الشعب فيقول أولاً على أسس غير موضوعية، ويحكم في تطبيقها الهوى بإصدار قانون يسميها (الأراضي الحكومية), وحيث إنه هو الحكومة ينقل ملكية الأراضي، من الشعب إليه, يقوم بالخطوة, الثانية وهي التصرف فيها كما شاء، وكأن البلاد والعباد ميراث أبيه وجده.
[31]
د- وصار الإذعان لهوان الدنيا مهر الجنة في الآخرة!:
من أجل ذلك صار المجتمع منقاداً, بصورة طوعية تلقائية لنزعة الاستبداد السلطاني, واستغل السلاطين وفقهاء الغفلة والسوء الدين, لشطب ثقافة الكرامة, ولترسيخ ثقافة الهوان, عبر تمجيد الحاكم, والإطناب في حقوقه, والإيجاز في واجباته, والحث على الصبر على جوره, وحث المستضعفين على تأجيل نيل الحقوق والكرامة إلى يوم القيامة.
وذلك أفظع أنواع القمع, أن يتلذذ الإنسان بالإهانة وفقدان الحرية, ويخلد إلى الاستكانة, ويقوم بواجباته, متنازلا عن حقوقه. معتبراً الاستسلام للطغيان في الدنيا إنما هو المهر الواجب دفعه، لخطبة الفردوس في الآخرة على حد قول الشاعر، الذي استشهد به النووي، في مقدمة كتابه رياض الصالحين، وكأنه يغرز لافتة، تشير إلى طريق الصالحين:
إن الله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا
وعلى حد ما ذكره ابن أبي العز شارح الطحاوية في أن الصبر على جور الحكام تكفير للسيئات ورفعة للدرجات!!.
[32]
هـ-عندما تنقاد الضحيايا لجلادها:
وقد رسخ ذلك في الأمة ثقافة الهوان، فظلت الدولة العربية تعتبر استبدادها وانقياد الناس لها كالقطيع، حقاً لها طبيعياً بديهياً، وظل الفقهاء المفرطون يقررون ذلك، على أنه من طاعة الله وتطبيق الشريعة، فصار الناس يدافعون عن أغلالهم باعتبارها من طاعة الله، ويرجمون كل من يحاول فك أغلالهم، بحجارة من أقوال السلف العباسي الصالح!. وصارت الجماهير مصابة بعقدة (مازوك) كالقطط التي تحب خناقها، كما قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، عندما أراد أن يجبر بني أمية على رد مظالمهم إلى بيت المال فلم يجد عونا من الرأي العام، "أما والله لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب له هذا الحق، لأضرعت خدودكم".
[33]
المقالة السابعة
فقدان التكتلات المدنية:
سهل على (ولي الأمر)انتهاك مبدأ سلطة الأمة؛
فصار أدرى بالمصلحة من الخبراء والعرفاء
أ- النظام الأبوي البدوي يتلبس بالسنة::
أن أهم نقطة أضعفت الحضارة الإسلامية العباسية كما ذكرنا مراراً هي ضعف الفكر السياسي والقانون الدستوري, المشكلة الكبرى في هذا الحقل، هي الإخلال بالمفهوم الشورى للحكم العادل. أن الحاكم اعتبر منذ العصر الأموي عصر ظهور بدعة الحكم الجبري الجائر, بـ(ولي الأمر), والولي هنا محمل مفهوم الوصاية على الأمة, إنطلاقاً من مفهوم (النظام الأبوي) القبلي، كمفهوم قومة الرجال على النساء، ووصاية العقلاء على السفهاء، ورعاية الآباء الأبناء، وكفالة الأعمام الأيتام، فكان هو (ولي الأمر) رأس السلطات الثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية. إن نظرية استئثار الحاكم العربي المعاصر بأزمة السلطات الثلاث, مسألة لم تنبت من فراغ, إنها مسلمة من مسلمات التراث العربي لاسيما الفقهي, حيث يعتبر (الإمام) حاكما مستبداً (مطلقا), وأظهر إجراء لهذه النظرية أنه اعتبر أدرى بمصلحة الأمة في أمورها العامة منها, ولذلك قيل "الإمام أدرى بالمصلحة". فاصبح بديلاً عن أهل الحل والعقد من أهل الرأي والتدبير والخبرة والعلم والإخلاص و (عرفائها), الذين تثق بهم وتنتخبهم.
ورغم هشاشة تأسيس هذه النظرية, فإنها صارت من مسلمات النموذج السياسي العباسي, الذي أخل بمفهوم العدالة الاجتماعية والقضائية معاً, وبنيت عليه تفريعات وتطبيقات عديدة, إذ لم يكن لدى الناس إدراك كاف, بأن اجتماع السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية في قبضة واحدة, يعنى انعدام حرية الأفراد وسيطرة الاستبداد الذي هو مطية كل فساد, وضياع حقوق العباد, مهما كان للسلطان من الصلاح والسداد.
واستقر الأمر على أن من صلاحيات (ولي الأمر) أن يصدر من التنظيمات والقوانين ما يراه مناسباً, ومن واجب القضاء ورؤساء الدواوين, والناس أجمعين, أن ينفذوه هذه الأنظمة, ما لم تكن مناقضة مناقضةً صريحة نصاً قطعياً, ولو كان لفقهاء الأمة وخبرائها رأي مخالف, لأن اجتهاد ولي الأمر يلغي اجتهاد الناس ويحسم التنازع في كل أمر خلافي.
إن نظرية ولي الأمر في التراث، صورة من صور (البطل) الملهم، الذي هو كالقلب إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، وهي نظرية أيضاً ثبت في حقائق علم الاجتماع السياسي، التي اعتصرت من تاريخ الأمم والحضارات أنها من الترهات.
[34]
ب- حل الحاكم محل الكتاب والسنة ( وأهل الحل والعقد)معا في فصل النزاع
وفي ومفهوم (ولي الأمر) أيضاً خلل أصولي, في فقه الكتاب والسنة، أنتج أن حكم (الحاكم) نهائي في حسم التنازع والخلاف, وواضح أن الفقهاء المفرطين (أسرى المناخ السياسي الجائر), عندما طال عليه الأمد, نسوا أن الحاكم المقصود بهذه القاعدة هو القاضي لا السلطان, وأن الخلاف الذي ينتهي وينحسم بحكم القاضي, هو خلاف الخصومة في حق خاص, بين مدع ومدعى عليه , بين يدي قاض ينهى التنازع فيه قاض لا سلطان، وليس خلافاً في تحري وسائل حفظ حقوق ومصالح الشعب، التي لا يبت فيها إلا المختصون والخبراء من أهل العلم و الرأي الثاقب، من من أولتهم الأمة ثقتها كما قال تعالى "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين ييتنبطونه منهم" (النساء:83)، إذ لا يجوز للسلطان في الشريعة؛ إن يلزم الناس باجتهاد، كما ذكر ابن تيمية والقرافي، (انظر فتاوى ابن تيمية 3/338-240، والأحكام للقرافي:110-114).
ومن المعروف أن أغلب الأمور التي تقوم عليها حياة الناس, من منطقة المتغيرات, التي وضع الإسلام مبادئها, وترك تفصيلاتها, ونصوصها محدودة محصورة. وبذلك ندرك مدى سعة حجم المنطقة, التي أباح فيها الفقهاء المفرطون للسلطان, أن يلزم الناس فيها باجتهاده.
من أجل ذلك فإن ما في الدولة العربية المعاصرة من استبداد، إنما هو في جذور الفكر النابتة في النموذج العباسي, وهو ينم عن خلل في مفهوم طبيعة التعاقد الاجتماعي (البيعة), بين المجتمع والدولة.
[35]
ج- صار السلطان وكيلا على الأمة لا لها:
وبذلك تلاشي سلطان المجتمع شيئا فشيئا, وابتلعته الدولة, عندما التفت على أهم إطار أهلي للمجتمع المدني, وهو المسجد, فالمسجد كان إطاراً من أطر التجمعات المدنية الأهلية, فتحولت المساجد إلى توابع، تدور في فلك للسلطان, يعين خطباءها وأئمتها ووعاظها وقصاصها, ويهيمن على خطابها.
فما دام هو الإمام الأكبر، وقد جعل القضاة له نوابا، فما المانع من أن يكون أيضا قطبا، تدور حوله المساجد, فيستخدم سلاح الأرزاق المرتبة, لكي تظل المساجد جزءا دائراً، في فلك السلطة الحكومية الجائرة، وقنوات دعاية وإعلام, تدعو له وتمجده, أو تصبر الناس على ظلمه, وتوهمهم أن من صبر على جور السلطان، ضوعف له الثواب يوم الحساب. (كما ذكر المرداوي في الإنصاف).
وربط الفقهاء الغافلون كل شيء بالسلطان, فاشترطوا إذنه, حتى في إقامة جامع لصلاة الجمعة. حتى في الاستغاثة ودعاء القنوت. حتى الدعاء وهو تضرع إلى السماء، لا بد من أن يستأذن فيه السلطان!، حتى المطر ينبغي أن لا يستمطر الرعاة الغيث لمواشيهم إذا أمحلت الأرض إلا بإذن السلطان.
حتى أخلوا بالعقيدة وهم يخالون أنهم بها يلتزمون، ودمروا منهج السلف الراشدي المصلح، وهو يتوهمون أنهم عنه يدافعون، وتنكبوا طريق السنة والجماعة، وهو يظنون أنهم لها سالكون. وكل من قال إن منهج أهل السنة والجماعة أو إن المنهج السلفي هو تهميش العدل والشورى، والقول بالصبر على جور السلطان. فهو إما غافل أو جاهل، أو أسير صياغة الثقافة الإسلامية في عصور الإخفاق أو يقصد التحذير من الإصلاح بالسلاح. (انظر مزيداً من التفصيل والأمثلة في مبحث السلفيات من كتاب: من قص جناحي الإسلام).
[36]
د-واستبعد العرفاء والخبراء من مفهوم (أولي الأمر) واختصص به الحاكم وأقاربه وفقهاؤه وحاشيته:
إن تقرير مصالح للناس, إنما يجب أن يكون في الإسلام من سلطة تمثل إرادة الناس, أي أهل الرأي والحل والعقد أو(البرلمان) الذين يجب على الناس أن يختاروهم من أهل العلم و الرأي الثاقب/ من ذوي الاستقامة والإيثار، والنصح للمسلمين والشجاعة، استجابة لقوله تعالى: "وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم" (النساء:59).
ولا يمكن تحقيق عدالة قضائية, ولا عدالة اجتماعية, إذا صار من حق السلطان إصدار اجتهاد في مسائل خلافية, وتشريع أنظمة, يلزم الناس بها.
ومجلس النواب-اليوم- هو الهيكل الذي تنطبق عليه مواصفات (أولي الأمر)، من أهل العلم الرأي فيها القادرين على استنباط الصواب مناط إدارة الأمة ومرآة إجماعها، أولئك هم المفوضون بتشريع أمورها، بعد القرآن والسنة (كما في تفسير المنار والرازي، آيتي سورة النساء، وهناك أكثر من خمسة عشر مانعا معتبرا، يمنع تخصيص الحكام بـ(أولي الأمر)، وأكثر من عشرة موانع معتبرة؛ تمنع استفراد الفقهاء بـ(أولي الأمر)، لا يسمح موضوع المقال بتفصيلها هنا، وهي في كتيب (البرهان بقوامة الأمة وسلطتها على الحكام، وأن مفهوم(ولي الأمر) و(أولي الأمر) العباسي، من تجليات التخلف السياسي).
ولنفترض أن صيغة الحكومة.المطلقة صالحة, للدولة القديمة, ألا ينبغي للفقهاء المعاصرين, الذين يقدمون نظرية الجمع بين السلطات الثلاث, للدولة الإسلامية الحديثة, أن يدركوا أن الجمع بين السلطات الثلاث، لو صلح لدولة قديمة, لما أصلح الدولة الحديثة؟ ولذلك حديث في مقال تال.
لماذا يستطيع فرد متغطرس يستمد قدرته على القيادة من أنيابه وأظفاره، لا من حكمته وأمانته, أن يدوخ أمة فيها ألوف الفضلاء من النخب, من الفقهاء والمفكرين وأساتذة الجامعات والمثقفين, والمحتسبين والمخلصين.
لأن الأمة لم تتجمع (تجمعات أهلية مدنية) وتنظم قواها, وتصدر بيانات ومنشورات, وتشكل روابط وجمعيات، و تصدر أفكارها لتنوير الناس في بيانات ومنشورات, وتضغط للتأثير على الدولة, اعتصامات وتظاهرات وإضرابات. من أجل ذلك يستخف بها كل طاغوت جديد، كما قال الشاعر:
كل قوم صانعوا فرعونهم ××× قيصر قيل لهم أم قيل كسرى
الخاصة، فضلا عن عموم الناس، في معجم الطغيان إنما هم الرعاع والدهماء، عندما يقبع كل منهم في تخصصه ومكتبه ومدرسته ومسجده، ومصنعه ومتجره و مزرعه، وتنمو الدروشة، ويصبح حمله الكتاب كالقطعان، من فقهاء وأساتذة جامعات فيها ومفكرين وكتاب وشعراء ومثقفين, وبدلا من أن يكونوا (عرفاء) الناس ومن أولي الأمر ذوي الرأي الثاقب والجهاد السلمي، ويصبح السلطان قطبا يدور حولهم الجميع، ويتحولون إلى شياطين خرس مشاركين بكلامهم وصمتهم، في نحت (تمثال) الطاغية ودهنه والطواف حوله, ويصبحون. كما قال أبو الحسن الجرجاني:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ××× ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا، ودنسوا ××× محياه بالأطماع حتى تجهما
كما قال الله تعالى: "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا" لأن القياس يقول أيضا: يولي الله بعض الصالحين بعضا. كما شرح المصلح عبد الرحمن الكواكبي في (طبائع الاستبداد) وقد أفضت في شرح دور الأمة صناعة تماثيل الطغيان في (مبحث الأمراض الوراثية من كتاب من قص جناحي الإسلام).
[37]
المقالة الثامنة
فقدان التعددية
يفضي إلى الدولة المذهبية القمعية
أ- السياسي المتمذهب يصل إلى السلطة ولكن:
يقترن ضيق الأنق الفكري، بضيق الأفق السياسي، وهذا ما دار حوله ابن خلدون في المقدمة :عندما قال:» إن التمذهب وإلزام الناس بالمذاهب ، إنما هو بسبب السياسة الغاشمة، واستيلاء ذوي الأغراض على الملك« فهناك علاقة ما بين أحد المذهب الفكري والاتجاه السياسي. وكثيرا ماكانت السياسة،وراء خمول اتجاه فكري أو ظهوره كما ذكر المقرّي في كتاب ( نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب )، عن سبب تمذهب أهل الغرب بمذهب الإمام مالك ، بأنه جاء بإشارة من السلطة ، لأمر سياسي أيضاً .
هذا من حيث الظاهرة أما من حيث التعليل، ففي المسألة تفصيل، هذا التفصيل يحتاجه الناس الذين يعتبرون السياسة شراً مطلقاً، ويرون السياسة انتهازية مطلقة، وهذا وذاك غير صحيح، لعل الأقرب إلى الصواب، في علاقة الفكري بالسياسي، أن السياسي لا ينجح إلا بعقيدة أو بفكرة بجمع الناس حولها.
ولما كانت المذاهب الفكرية، قد تكون قاعدة إصلاح اجتماعي، قد تشكل أساساً آنيا للاستقرار السياسي، ومن هنا يبحث السياسي عن مذهب يقيم عليه سلطانه، كما وجدنا ذلك في الدول،التي قامت على أساس مذهبي ، حيث تمتزج العصبية الدينية بالعصبية السياسية، حين تتخذ الدولة المذاهب إطاراً لسلطتها.
من الطبيعي أن تلتزم الدولة بأحكام محددة ، في القانون الجنائي،والقانون الإداري والمدني ، ولكن إلزام الناس بمذهب محدد، في قضاياهم المدنية الشخصية ، التي لاتصل إلى القضاء، يعد انتهكاكاً خطيراً لحقوقهم.
[38]
ب-الطاغية المتمذهب مبتكر قانون: فرق الفقهاء يشغلوا الأمة عن جورك
و أفظع منه استثمار المذهب الفقهي أو العقيدي،لافتة للصراعات السياسية ، كما صنعت الدولتان العثمانية والصفوية،اللتان جعلتا المذهب السني والشيعي لافتة، لاستباحة إراقة دماء المسلمين ،لكي يتناحر أهل القبلة، تحت شعارات الجهاد، وكان هذا استغلالاً إدّا للدين .فقد صك الصفويون والعثمانيون،من العصبية المذهبية لافتة، يجمعون من حولها الناس على حكمهم ، فغلوا في المذهبية غلواً كثيراً.
وكان لهذا الصراع أثر سيء على المسلمين ، أتاح للمستعمرين التدخل في شئون المسلمين، لأن كلا من الصفويين والعثمانيين ، استعان بالأجانب ،من أجل القضاء على خصومه المسلمين.
فإذا جهل رجال العلم شرائط العدل الاجتماعي و لاسيما مبدأ الحرية والتعددية والتسامح الفكرية، وأنها مدماك من مداميك الاستقرار وجهل رجال السياسة أيضا هذه المفاهيم انزجوا متعانقين لهدم الفكر والدولة معاً لأنهم يمارسون غلطاً فكريا سياسيا, قد يسميه أهل الثقافة, إخلاصاً وعلما واجتهادا، و قد يسميه أهل الحكم جهاداً وحراسة للدين، و لكنه قمع فظيع لحقوق الناس.
[39]
ج-أضحية خالد القسري
وهذا ما وقع فية بعض ولاة الدولة الأموية، حينما قتل عددا من العلماء, أو اضطهدهم وضيق عليهم, على اعتبار أنهم مبتدعون.
فالنزق السياسي, هو الذي دفع خالداً القسري إلى قتل عالم مبتدع، كالجعد بن درهم من المعتزلة، بحجة القول بالقدر,و إلى قتل بعض علماء السنة بحجة القول بالتجسيم، ولو كانت له حنكة سياسية، لأدرك أن القتل لا يلغي الفكر، بل إن القتل يحيي الأفكار، لأنه يسقيها ماء الدماء، ولو كانت له معرفة دينية أو علمية، و لو كان مقسطا منصفا، لأدراك أن القول بالقدر أو بالتجسيم؛ ليس أعظم بدعة من تفضيل بني أمية على الأنبياء، ولو كان إنسانا أخلاقيا, لأدرك أن قتل الجعد, وبناء خالدالقسري, لأمه النصرانية كنيسة في الإمارة, كيل متجانس بمكيالين غير متجانسين. ومن الغريب أن خالدا نفسه اتهمه الناس بالزندقة والإلحاد، ومن العجب العجاب، أن يمجد سلفيون عباسيون خالد القلسري، على فعلته الشنيعة، و كأنه من الحكام المقسطين المجاهدين، وأن يغفل عن دوافعه كثير من الفقهاء، الذين قال حاديهم:
شكر الضحية كل صاحب سنة # لله درك من أخي قربان
ولا بد أن نعتذرلكبوة جواد مجاهد كابن القيم رحمنا الله وإياه، وكفى مثله أن تعد معائبه
ومثل ذلك قتل هشام بن عبد الملك غيلان على البدعة، ناتج إما عن حقد شخصي, لأن غيلان كان أمينا على بيت المال, لعمر بن عبد العزيز، أو لأن غيلان كان شديداً في الاحتساب على السلطة، يشنع بالمظالم، أو لأن الفكر القدرى فكر يؤمن بحرية الإنسان في الاختيار، وهذه النزعة ذات أثر في تأليب الناس على الحكم الأموي الجائر. وإن غلا في ذلك حتى كاد يتصورها مطلقة، بصفته رد فعل للمذهب الجبري.
وقد رأى قصار النظر من بنى أمية، أن الأمة كالقطيع, يجب أن تساق بالجبر والقمع، فاستثمروا المذهب الجبري، لكي يبثوا اليأس والإحباط في الناس، فيتصور الناس, أن لا طاقة لهم في دفع ظلم السلطان أو منعه، لأن ظلم الأمويين إنما حل على الأمة بسبب ذنوبها ومعاصيها، وعلى أن السنة أن يكتفي المظلوم; بالدعاء على الظالمين، وأن ينتظر العقوبات السماوية، وأن يؤجل نيل حقه في الكرامة والمساواة، إلى الدار الآخرة. وأن هذه المظالم من أقدار الله الكونية، التي ليس للإنسان أمامها, إلا التسليم والاستسلام.
ونسوا أن ظهور من ينتقد الأخطاء، أكثر ضرورة للحكم من شيوع من يمدح; مافيهم من عدل، فضلا عن من يزيف الوعي الاجتماعي، فيطبل و ينافق ويكذب.
كان هناك تمزق ثقافي واجتماعي, أغفل فيه دعاة الإصلاح; أن انقلاب الخلافة الراشدة إلى ملك؛ كان أمرا طبيعيا في الأعراف العربية المدنية، وأن القفز فوق هذه الحقيقة الاجتماعية, مهما كانت دوافعه ومبرراته الشرعية, تجديف ضد الحقوق الطبيعة التي عرفها الناس بما ألهمهم الله من وحي الطبائع و جاءت لتقريرها و تأكيدها الشرائع ونسوا أن خير سبيل يثبت به الحاكم شرعيته هو العدل والشورى.
فالوراثة في الحكم أو القيصرية أو الكسروية, هي نتيجة اختلال علاقة المجتمع بالدولة، و قد تستمر في الأمة التي لم تستقر فيها قيم المجتمع المدني -بالعدل – قرونا، ويقبلها الناس بالتسامح واللين، بل إن الناس اعتبروا عمر عبد العزيز خليفة راشداً خامساً، و لم يسألوا كيف جاء إلى الحكم.
[40]
د- عمر بن عبد العزيز أعرف بالسنة أم أصحاب قانون:قمع أهل البدع:
وليس خالد القسري ولا هشام ولا أمثالهما بأصلح من عبد الله بن الزبير الذي اجتمعت على الصلاة خلفه كل الفرق، ولا عمر بن عبد العزيز، هذا الملك الذي أثنت عليه جميع الفرق، حتى رثاه فيها الشريف الرضي الشيعي بعد بضعة قرون:
ياابن عبد العزيز لو بكت العيــــــــن فتى من أمية لبكيتك
وعمر بن عبد العزيز أعرف بالسنة والبدعة وحدود الشرعة، من قتلة الجعد بن درهم, والجهم بن صفوان وغيلان الدمشقي، ولذلك ولى غيلان بيت المال.
كثير من الباحثين عندما يقفون على أمثال هذه الوقائع, يدركون أن ذلك القتل وذاك القمع جريمة سياسية، والحاكم الذي يمنع الأرزاق و يقطع الأعناق، إنما هو -كسائر السراق- يهتز من صرصرة أقلام في أوراق، ومن تجمع الناس في رواق، والحاكم الذى تهز كرسيه الأوراق، ليس سياسيا محنكا، يعرف كيف يدير مكينة الحكم بالعدل والحرية والشورى.
هو قتل سياسي إذا قدمنا السياسة على أنها الانتهازية والتضليل، أما إذا قدمنا السياسة على أنها البصيرة والعدل والشورى، فهو جهل سياسي أيضا، وهو إضافة جديدة, لخزان من الأحقاد الاجتماعية تراكمت وتعاظمت، حتى أودت بالدولة الأمويةولكن السؤال الكبير كيف انخدع الفقهاء وعلماء العقيدة وقدموا الجزارين والطغاة في ثياب دعاة السنة الهداة
دموية الأمير السياسي القامع وسذاجة الفقيه القامع،ذهنيتان تنموان لتشكلان توأم تمثال القمع ، وتصبح ثنائية القمع ذي الوجه الديني عبر الفقيه، و الوجه السياسي عبر الأمير، هي أساس الفساد.
والعلماء والفقهاء فيهم خير كثير، وفيهم عدد كبير من الراسخين في العلم، الذين يتمتعون بحس سياسي،(حسب حصر القرطبي الرسوخ في العلم; على ذوي البصيرة السياسية من علماء الدين)، هؤلاء يدركون مفهوم التعددية و التسامح في الإسلام، و إن كان عددهم قليل، كالغزالي و ابن حزم والشاطبي و الذهبي. هؤلاء يدركون أن تقديم مذهب من المذاهب; على أنه هو الدين الذي لا يجوز للمسلم غيره، إنما هو قمع صحراوي يقدم الإنسان نفسه من خلاله على أنه مالك الحقيقة, الوصي على الخليقة.
من هؤلاء الراسخين في العلم;ابن تيمية, الذي كفر أناساً وكفروه، وبدع أناساً وبدعوه, فأفتى أقرانه يسجنه وقتله, فسجن بسبب دعاة القمع في الفكر الديني مرارا. وفي مرة من المرات;انقلب السحر على الساحر، فإذا بالسلطة التي سجنته واستبعدته لتستدنيه وتستعديه على مناوئيه، وتربه ما كتب فيه أقرانه الألداء,من فتاوى بكفره ووجوب قتله، وتطلب منه أن يكفرهم كما كفروه، وأن يفتي لها بقتلهم كما أفتوا, قال ابن تيمية "ففهمت مقصوده".
أدرك ابن تيمية أن السلطة غضبت على قوم ناوءوها، و أفتوا بخلعها، فأرادت قتلهم أو سجنهم بأدوات دينية، وأنها تبحث عن مبررات دينية، فلم يجارها، لأنه كان ذكيا و أخلاقيا معاً في هذا الموقف.
ولكن كما قيل في المثل: من الصعب أن تكون أخلاقيا إذا كنت قويا، ومن الصعب عندما تعتمد على محكمة الضمير أن تكون موضوعيا، فالتاجر والمشهور والعالم, يمكن أن تسكرهم الثروة والجاه والعلم, فتقودهم إلى الغرور.
بقي أن نسأل هل كل ماقال أهل القبلة من بدع الأفكار؛ أضر على الأمة من جور الحجاج وآله واستبدادهم؟زلكي لا يكون لدى الناس مقياسان للبدع، فيتغاضون عن البدع السلطانية الكبرى، ويلا حقون البدع الشعبية، وهي في عداد الصغرى.
[41]
المقالة التاسعة
-الخطاب الديني المحرف حرس الاستبداد والتخلف:
أـ خلل منهجي في الجذور
كان الفكر (العباسي) قضائياً وسياسياً وحقوقيا وإداريا وتربويا فكر شيخوخة مترهلا، لأن أهم إخفاق الفكر الإسلامي القديم في صياغته العباسية, هو مجال الفقه السياسي والدستوري, فقد قرأ الكتاب من فقهاء ومفسرين ومؤرخين وأدباء, القرآن الكريم والحديث الشريف, وتاريخ الراشدين, دون خلفية معرفية في علوم الاجتماع, ولاسيما علم الاجتماع السياسي.
وهذا يدل على أنه خلل بنيوي منهجي, في الفكر السياسي والحقوقي، فقد رسخ الفقه السياسي القديم نظرية الاستبداد الفردي، كما ذكر زيد بن الوزير في كتاب ((الفردية)) فلم ينج من براثنها, حتى المصلحون الحداثى كمحمد عبده والأفغاني, اللذين أشادا المستبد العادل, ولا حسن البنا في زمن المناداة بالدستور، إذ نادى: القرآن، دستورنا, فأوحى للناس –وإن لم يقصد- أن الدستور يتعارض مع القرآن، و كأن الفقهاء طوال العصور, جسدوا هذا المبدأ بتفريعات وآليات تضمن العدالة.
فلم لم يثمنوا قيمة الحرية التي هي أم الحقوق في الإسلام. وكان من نتائجهما أن جهاز التفكير الديني عند كثير من الفقهاء, اضطرب في فقه نصوص المسألة المدنية عامة والسياسية خاصة، فاضطربت في أذهانهم حقائق الاجتماع الإنساني، ولا يتسع المجال لشرح ما أصاب منهج فقه الكتاب والسنة. ولتفصيل ذلك يمكن الرجوع إلى الشاطبي في الموافقات والدهلوي في الحجة البالغة،(ومبحث منهج فقه الكتاب والسنة ضمن كتاب جناحان حلق بهما الإسلام).
[42]
ب-الخلط بين إجادة الاجتهاد في علم المناسك وعلم سياسة الممالك:
وقبلت الأمة تفسيرات الفقهاء ونظرياتهم, لأنها ظنت أنهم لا يقدمون رأياً راجحا أو مرجوحا, بل يفسرون وحياً صريحا, ولم يكن لكثير من الخائضين من الفقهاء في هذه المسألة, معرفة بشروط الاجتهاد السياسي والدستوري فيها, رغم مالهم من رواية وصلاح ذوات.
لأن الاجتهاد في المسألة السياسية والدستورية، إنما هو في شطر الدين المدني, الذي قوامه العلاقة بين الإنسان والإنسان, في نسيج أمة الملة, أفراداً ومجتمعاً ودولة, ومدار العمل فيه على الإتقان, وهذا يتسع فقهه لكل من له تأمل ومراس في لجج الحياة, فهو من منطقة الاجتهاد العام, والمجتهدون فيه لا يكفي فيهم أن يعرفوا الكتاب والسنة، بل ينبغي أن يسبحوا أولا في بحر السياسة والحضارة والتاريخ، كما ذكر ابن تيمية في نحو هذا السياق، وكما وضح الشاطبي.
فلا يحتمل أن يكون الفقيه من الراسخين في السياسية الشرعية ما لم يجمع مع علوم الشريعة بصيرة سياسية، بحقائق علم الاجتماع السياسي.
لأن أحوال العمران والمدنية والسياسة, ليست أدلتها محصورة بالنصوص, لكي يختص بفقهها بالفقهاء الذين أكبوا على شروحها في المكتبات. وغفلوا عن كواليس السياسة. وأحوال العمران والسياسة والحضارة؛ ليست كأحكام الصلاة والطهارة, التي مدار العمل فيها على حسن النية, ونصوصها مفصلة صريحة. وقوامها العلاقة بين العباد وربهم فحسب.
وأدلة المسألة الاجتماعية البرهانية ليست عقلية مجردة ولا نقلية يمكن تأويلها, بل حسية مجربة صريحة، هي حقائق علم الاجتماع السياسي التجريبي التطبيقي, في أسباب سقوط الأمم وصعودها, على مسرح التاريخ, لأن الله لم يشرع شيئاً إلا وفيه مصلحة العباد, في الدنيا والآخرة, وما نزلت الشرائع, إلا متوائمة مع الطبائع.
[43]
ج-العقل الكسروي والصحراوي:
وتأثروا بمناخ الاستبداد الكسروي العباسي, الذي هو شر من تنين (هوبز) فأنشأوا فكراً سياسياً, يزاوج بين (الصحرواية) العربية, و(الكسروية) الفارسية, ولم يكن هذا خاصاً بالمسالمين والمعتزلين المستضعفين, ولا بعلماء السلاطين من المنافقين والمداهنين, بل شمل أيضاً الفقهاء المعتزلين من المعارضين, من الذين أصابهم الإخفاق بالإحباط، منذ فشل محاولاتهم إصلاح الحكم الأموي، عندما انتشر على إثر هزيمة (ثورة القراء) مذهب الإرجاء، الذي هو "دين الملوك" أي الدين الذي يطلق أيدي الملوك في الطغيان، وعندها شاع فقه الإحباط والإسقاط، الذي كان في البداية ضرورة، ثم تأصل مع مرور الزمن، وصدرت على قواعده كتب الأحكام السلطانية التي شرعت للطغاة انتهاك أصول الدين الثلاثة: الحرية والعدالة والشورى. وأوضح نموذج لذلك الماوردي.
أنه تأثر بأجواء الاختلال غالب ما قيل في الفقه السياسي في العصر العباسي، إنما تأثر بالواقع الفاسد. أكثر من تأثره بقطعيات الكتاب والسنة وسنن الخلفاء الراشدين, فصاغ نظريات في الفقه السياسي والحقوق تخالف المفهوم الدستوري للحكم, واستحدث إجراءات وآليات قدمت على أنها مسلمات, وإنما هي اجتهادات هشة وآنية, من الفروع والوسائل, ناسبت أزمة الاختلال.
[44]
د-الخطاب الديني المحرف كيف حرس الاستبداد والتخلف؟
ونماذج الخطاب الديني المحرف الذي حرس الاستبداد والتخلف عديدة، كالقول: بجواز تعذيب المتهم، وقصر مفهوم ولي الأمر على السلطان، وقولهم "ولي الأمر أدرى بالمصلحة", وإطلاق العنان للقاضي في تشريع القانون الشرعي وتطبيقه معاً.
وأثبت وأقع الحياة السياسية والاجتماعية، أنها شرعت الفساد, وأخلت بمنظومة حقوق الإنسان إخلالاً بالغاً, وأنها لا تنهض بمقاصد الشريعة في توخي العدالة والاجتماعية والسياسية معاً. كما بين الكاتب في كتابه (حقوق الإنسان في الإسلام بين عدل الإسلام و جور الحكام)، وكتاب (حقوق المتهم في الإسلام ،بين ظلال الحكم الجبري والشوري.
وتوقف به إبداع الأطر والهياكل منذ ألف عام, فأنتج هياكل تصلح لهم ولكنها لا تصلح لنا اليوم, كديوان المظالم, ووزارة التفويض. لأنها ترقيع في المنظومة السياسية، عندما داخلها الاختلال.
لعل هذا يوضح صعوبة شفاء الدولة العربية من استبدادها, لأن هذا الاستبداد كامن في الجذور الثقافية الوراثية, التي تتغلغل في دماء المجتمع والدولة, من ماوصفته في مقالات عديدة, بالجذور الصحراوية والكسروية, التي عبثت بفكرنا عامة والديني خاصة, ولا سيما السياسي والقضائي.
[45]
المقالة العاشرة:
كيف همش العدل وقمعت الحرية
باسم السلف الصالح وأهل السنة والجماعة
أ- مسلسل تنازلات الفقهاء بعد فشل السلف الأموي المجاهد :
بعد إخفاق الفقهاء الأحرار في ثورة القراء وما بعدها، عم الإحباط، فأصيب الفقهاء والقراء باليأس والقنوط، فأرسلوا أقوالاً تعبر عن يأسهم من صلاح الحكم، فجاء من بعدهم فاعتبروا أقوالهم هي النبراس، وضل بها الناس سواء الصراط، هذه هي بداية الحكاية. وصارت السلفية سكوتا عن الطغيان، بعد أن كانت إصلاحاً سياسيا. وصار جوهر العقيدة الرضا بالطغيان. وأدخلوا في العقيدة "الصبر على الإمام الجائر".
لم يأت جيل أحمد بن حنبل حتى استقر فقه الضرورة والإحباط. ماعدا أقوال متناثرة عند بعض الفقهاء، لا تشكل نظرية متسقة، وأغلبها حقا كما وصفتها الهيئة القضائية (مهجورة)، ومن يستطيع أن يجهر بها فضلا عن أن يطبقها في عهود الطغاة.
ومن الطبيعي أن تكون الحرية والعدالة(ثانوية) في معيار أمثال الماوردي وابن أبي العز شارح الطحاوية، والقاضي عياض، وابن مجاهد الأشعري شيخ الماوردي، والبربهاري.
وهكذا صاغ الفقهاء منظومة جديدة ركزوا فيها العقيدة في أمور لا تجلب لهم أذى السلطان. وأغلبها غيبي ثانوي ظني اجتهادي. وأسقطوا من نسيج العقيدة المبادئ القطعية في فقه الإمامة الكبرى.
[46]
ب-ظلال لقب ولي الأمر:الحاكم الأب/ الولي/ الوصي لا الخادم:
استرسل الفكر العربي القديم، في الدوران حول خرافة (البطل)، الذي يغير كل شيء, وكأنه القلب، وكأنما الشعب هو الجسد . واختصروا الصلاح بصلاح الحاكم والفقيه، وهمشوا دور الشعب، وقدموا أساليب توافقية للمشكلات, فأعطوا الحكام سلطة مطلقة, واعتبروا الشورى غير ملزمة, و أشاعوا أقوالا تمجد الحكام, كأقوال الفضيل بن عياض, و البربهاري وسهل بن عبدالله التستري، وابن أبي العز شارح (الطحاوية) ونحوهما، ثم دسوها في نسيج العقيدة، كي لا يجرؤ أحد على مناقشتها (انظر كتاب السنة للبربهاري).
وأشاعوا الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمؤولة، التي تقدس الحاكم كحديث "أعطوهم _ أي الحكام – مالهم وسلوا الله الذي لكم", وحديث "أطع الأمير ولو ضرب ظهرك وسلب مالك". وهو حديث استدرك الألباني على مسلم فقال: إنه ضعيف الإسناد.بل هو منقطع شاذ(في اصطلاح المحدثين)، فلا ينبغي أن يعتضد به فضلا عن أن يستند إليه.
والأحاديث التي رواها الطبراني في مسند الشاميين, التي تؤصل انحراف مفهوم الإمام، من معناه الشرعي, أي أنه وكيل عنها ونائب عينته لكي ينفذ إرادتها, إلى وصي عليها كأنما عينه الله, وكأنه ليس لأحد غير (الله) الذي من ولاه أن يحاسبه, فليس علينا إلا الدعاء له بالصلاح أو عليه بالهلاك, بل بعضهم (كالبربهاري) نهى عن الدعاء عليه.
ومن أجل ذلك خلعوا عليه لقب (ولي الأمر) وهو لقب ما أنزل الله به من سلطان، جسد الاستبداد المفضي إلى الطغيان، وكأنهم نسوا أن الإسلام والاستبداد ضدان لا يلتقيان، وشاع الاكتفاء بالدعاء للسلطان والدعاء عليه, أسلوبا نكوصيا لمحاربة الجور, وسمي سهام الأسحار.
[47]
ج-الذين جعلوا القران عضين:
عندما يتحدث عديد من الغافلين من الفقهاء, في عهد دول الطوائف الجديدة اليوم عن تطبيق الشريعة يتبادر إلى أذهانهم من تطبيق الشريعة, تركيزها على العقوبات الزواجر عن المنكرات, يتبادر إلى ذهنهم الجنايات الفردية وعقوباتها، وإقامة الحدود على الأفراد عبر القضاء، وإعفاء السلاطين والأمراء.
وينسون أن أول تطبيق لها هو العدل في قسمة المال، وتولية الاكفيا، والالتزام بالشورى الجماعية. والتعددية والحرية السامية والكرامة فهذه المبادي فهذه المبادئ أساس الحكم بما انزل الله، فيقدمون صورة ناقصة للشريعة, تهمل المفهوم الكلي الشامل المؤسسي, وهو العدالة الاجتماعية, والحريات السامية والحقوق العامة، وهم في ذلك يقدمون صورة جديدة للـ"المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين".
وأفرز هذا الاختلال الفكري أعرافاً اجتماعية مختلة، رست عليها العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأصبحت قوانين غير مكتوبة في الأعراف الاجتماعية والسائدة، مكتوبة في نظام القضاء، بحيث صار القضاء في النموذج العباسي، سلاحاً من أسلحة إرهاب الدولة، فلا تحتاج عند قمع معارضي ظلمها واستبدادها، إلى محاكم عسكرية ولا بوليسية استثنائية، ما دام بند التعزيز عند القضاء، يتراوح بين ضربة بالسوط وضربة بالسيف. فهو كفيل بإقامة محاكم التفتيش من دون ضجة ولا إعلان. وثبت الاختلال الدستوري معرفياً، بإدخاله في مسلمات العقيدة، التي من خالفها اتهم بمخالفة السنة، ورمي في إحدى زوايا الفرق المنبوذة في التراث، كالخوارج والمعتزلة والزيدية.
[48]
د-زلات السلف العباسي الصالح صارت فقها سياسيا:
وهذا يقتضي التنبه إلى زلات بعض الفقهاء في عصر الطوائف الجديدة والهيمنة الإفرنجية، الذين يغفلون أصول السياسة الشرعية السبعة كالحرية السامية والتعددية والشورى والعدل، لأنهم لا يقدمون فكراً إسلاميا صحيحا، فضلا عن أن يكون سلفيا أصيلا، إنما هم ينسجون فقها سياسيا كسرويا صحراويا، ينسبونه إلى بعض رموز السلف الأموي أو العباسي الصالح، وهو ابتسار للنصوص يعتمد على منهج التلفيق ويقوم على ما يلي:
1- زلات السلف الصالح، كأقوال عدة لسهل بن عبدالله التستري .
2- تأويل كلمات للسلف الصالح، ككلمات لابن القيم وابن تيمية.
3- كلمات للسلف الصالح قالوها في أحوال خاصة بحاكم جبري، ولكنه محافظ على كيان الأمة من العدوان كأقوال الإمام أحمد في عهد المعتصم، فمثل هذه الأقوال لا يمكن تطبيقها على مثل المسعتصم.
4- علماء لا يعرفون الأحكام السياسية، لأنهم زهاد منقطعون عن الناس أو مخدعون بظواهر صلاح السلطان، كأقوال الفضيل بن عياض.
5- علماء محبطون يائسون من صلاح الأمة، ثاروا وقاوموا الظلم والاستبداد، فخذلتهم الجماهير، فران عليهم اليأس والقنوط كأقوال للحسن البصري وعامر الشعبي- بعد هزيمة ثورة القراء-، والشافعي في مذهبه الجديد،- بعد هزيمة ذي النفس الزكية-، وأحمد بن حنبل -بعد المحنة-، والقاضي ابن أبي العز (شارح الطحاوية) -بعد سجنه-.
وجاء بعدهم علماء وجدوا تلك الكلمات العابرات، في حالات الإحباط والإسقاط، فنقلوها من حالات الاضطراب والاضطرار، إلى أحكام دائمة في أحوال الاختيار، وكونوا من ذلك فقها سموه السياسة الشرعية، وأوضح مثال لذلك الماوردي في الأحكام السلطانية. ثم صارت هذه الكتب منظومة، لم يستطيع أحد من الفقهاء الأحرار المجاهدين المصلحين تفكيك تلفيقها، ولاسيما الإخلال بالمبادئ الثلاثة: الحرية السامية والتعددية والشورى.
حتى جاء جمال الدين الأفغاني وعبدالرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي ومحمد عبده، فهؤلاء الفقهاء(السياسيون) الأربعة بدأول تصحيح الفقه السياسي في الإسلام.
[49]
المقالة الحادية عشرة
- الفرز بين وحي السماء في مشكاة عهد الراشدين
و بين رأي الفقهاء في مشكاة السفاح والمستعصم
أ-كيف نشأت بدع الملك العضوض.
من ما يعين إنتاج فقه سياسي إسلامي صحيح، ينبغي أن نتذكر كيف نشأت بدع الملك العضوض.
سر الخلل في مفهوم (ولي الأمر) في النموذج العباسي, أن الفقهاء الأوائل عندما بحثوا شق الشريعة المدني، سيطر عليهم المنهج الحرفي في فقه الكتاب والسنة, والمنهج الحرفي صالح لفقه شق الشريعة الروحي كالصلاة والصيام والحج والأدعية والذكر, أما في الشق المدني فهو غير كاف, لأن نتيجته أنهم نظروا إلى القرآن والسنة, بخلفية معرفية (صحراوية) في مجال علوم السياسة والاجتماع, فلم يتعمقوا في شروط إقامة الدولة الشورية العادلة, وتضاعف الخلل عندما ثنيت هذه الثقافة الصحراوية بثقافة (كسروية), وضاعف ذلك أن القمع شكل ضبابا أمام الأبصار.
إذن لا يمكن ظهور دولة شورية من التجمعات المدنية الأهلية، في قاعدة الهرم (الشعب) ولا النظام الدستوري للحكم في رأس الهرم (الشعب) إلا بثقافة سياسية صحيحة، راسخة في رؤوس النخبة على الخصوص، والقوى الشعبية على العموم.
[50]
ب- لكي لا تصبح الآخطاء والاجتهادات الآنية مسلمات
أن منهج السلف الصالح وإن داخله الاضطراب والتشويش، أوضح ما يكون في أقوال فقهاء العصر الأموي. وخلاصته القبول بدولة الاضطرار، ولكن مع تصحيح المسار، فكل حاكم وصل إلى الحكم من دون رضا الأمة واختيارها، يعتبر حاكما شرعيا إذا شاور وعدل.
وأن جهاد السلطان الجائر وأمره بالمعروف انعقد عليه الإجماع، ولم يقل أحد بخلاف ذلك، إنما كان الخلاف في سل السلاح، فهو مجال الاختلاف. فالأسلوب السلمي مجمع عليه، ولم يقل بخلافه أحد يعتد به. وهذه من قواعد السياسة الشرعية المرعية بصفتها أيضا من مسائل العقيدة الصافية.
وأن هذا هو مفهوم الجلي للسنة والجماعة، وللسلفية الأصلية الصافية، وكل ماينسب إلى السلفية أو السنة والجماعة، خلاف ذلك فإنما هو تأويل فاسد بسبب الغفلة أو الاضطراب. أو ابتداع وتزييف لعقيدة الأمة وأن هذه الأمور وتحريف، وقطعيات شق الشريعة المدني العشر من أصول العقيدة.
لكي يتسنى لنا أن ندلل على سبق الإسلام في تقديم منظومة الحقوق والحريات السامية قبل ظهور الشرائع الدولية الإفرنجية, لا بد من ملاحظة أن من مبادئ العدالة الإسلامية, انطمست معالمها عبر الزمن, بسبب توقف الإجراءات أو النظريات أو ضعفها, فكان ذلك سبباً لدخول القوانين غير الإسلامية إلى الدول الإسلامية.
[51]
ج-الاجتهادات ثلاثة أنواع:
بيد أن في تراثنا الحقوقي هنات هينات وأُخَرُ غير هينات، على حد تعبير أبن خلكان في غير هذا السياق. من أجل ذلك ينبغي تصفية الأفكار التراثية, من دون تقليل من قدر والفقهاء، لكي لا نعتبر الافكار النسبية الآنية الصالحة في عصر من العصور؛ مطلقة صالحة لكل زمان ومكان, ولكي لا يطمس أبصارنا وهج الشخصيات الإصلاحية, فيعمينا عن مالها من أخطاء. ولكي نتذكر أن كل فقيه حر أو مصلح مجدد، كابن تيمية وابن حزم والشاطبي وابن القيم ومحمد بن عبدالوهاب يخطو في التجديد خطوة أو خطوات, ولكنه لا يستطيع أن يكون في كل أفكاره مجدداً، ولا غرابة أن يظل في عديد من أعماله الأخرى عادياً, منغمساً في ما يرين على مجتمعه من عادات.
وكل مصلح مجدد، أو فقيه حر عندما يجدد، يختلط في تجديده عنصران: معياري مطلق هو أساس الإصلاح في كل زمان ومكان, وهو صريح الإسلام وصحيح الحكمة, ونسبي آني عالج به مشكلة قائمة, ومن العنصرين ينتج تركيب دواء التجديد.
وتتشابه ثلاثة خيوط في نسيج الصياغة والتفريع والتفصيل والتطبيق:
1- الأول: ما هو صحيح معياري, يصلح لكل زمان ومكان, لأنه توصيف صحيح للكليات التي نطق بها الكتاب والسنة, أو تفريغ وتفصيل صحيح كما في أصول الفقه التي قررها السلفيون العباسيون في الجملة لا بالجملة, كالقول بأن الشريعة راعت مصالح العباد في داري المعاش والمعاد وكما في نظرية المصالح المرسلة من (التفصيل)، كما قيدها ابن تيمية (لا من الإلغاء والاعتبار) كما ذهب أغلب الأصوليين, ونظريتي المقاصد والنظام في الشريعة, عند الشاطبي. وكالقول بأن العدل والشورى من شروط البيعة، وأنه يجب جهاد الحاكم جهاداً سلميا، حتى يلتزم بهما وكالقول بأن التجمعات المدنية الاهلية، وسيلة من وسائل التعاون على البر والتقوى لإنكار الجور والاستبداد. لتفصيل ذلك (انظر مقاصد الإسلام وكلياته الكبرى في خماسية السلفية المشوهة أمام صفحة الحداثة).
الثاني: وما هو صحيح نسبياً, ولكنه غير دقيق أو غير شامل, أو يركز على عناصر ثانوية, ولكنه يناسب الحقل الاجتماعي الذي صيغ له, لأنه يجيب عن ما فيه من إشكال أو سؤال أو احتياج, كالتركيز على بحوث علم الكلام, في العصر العباسي, وإنشاء ديوان المظالم, وتركيز العلماء على جانب الشريعة الغيبي, وتركيز الغيبي في ظنيات.وهو أفكار وآليات لعلها ناسبت عصوراً مضت, ولكنها لا تناسب العصور الحديثة, كنظام ديوان المظالم، ووزارة (التفويض)، وهي أنماط يمكن الاستفادة منها في إدارة الدولة الحديثة، من دون التعويل عليها.
الثالث: فكر أو عمل اجتهادي خاطئ, ناتج عن قصور علم أو تجربة, أو عيوب شخصية أو ضغوط مناخية, كشعار الكف عن ما شجر بين الصحابة، الذي كانت نتائجه دعما لمفهوم الحكم البوليسي، وتهوينا من قدر الحكم الدستوري، وكانت لهم أخطاء، كالقول بجواز تعذيب المتهم، وتدرج الخط العام لنظرية الحقوق في التدني عبر الأجيال، نسي الناس علو التطبيق الراشدي، فتدرجوا إلى دنو التطبيق الأموي وما بعده.انظر لتفصيل ذلك كتيب: هل نكف علم السياسة عن ماشجر بين الصحابة. دار العلوم العربية. بيروت1425هـ(2004م).
وتهميش القيم المدنية والحضارة, على متن الشريعة (العقيدة), ومثل استئثار الجانب ا