الطريق الثالث
الدستور الإسلامي
منقذا من العلمانية والإمبريالية المتلبسة بالحداثة
ومن ثنائية الفرعنة والرهبنة المتلبسة بالإسلام والأصالة
د/ عبد الله الحامد (أبو بلال)
23/3/1427هـ(21/4/2006م)
[1]
فاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم
الاستبداد والطغيان وثنية سياسية مخلة بشق الشريعة المدني، كما أن الطواف حول الأموات وثنية روحية مخلة بشق الشريعة الروحي، كلاهما مخل بالتوحيد، والطواف حول الطغاة، أخطر من الطواف حول الرفات.
وكلا الأمرين حذر منهما الرسول صلى الله عليه وسلم فحذر من الإخلال الروحي بالتوحيد في ما رواه أبو هريرة "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فسأله الصحابة: "اليهود والنصارى؟" قال: "فمن؟" (أخرجه مسلم).
وحذر من الإخلال السياسي والمدني بالتوحيد في ما رواه أبو سعيد الخدري: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، فسأله الصحابة: "فارس والروم؟" قال: "فمن؟" (أخرجه البخاري).
قال ابن حجر: "حين قال: فارس والروم كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية. وحين قيل: اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات وأصولها وفروعها".
(انظر الفقرة ....من هذا الكتاب).
[5]
شكر
يشكر الكاتب رفاق الدرب من دعاة الدستور والمجتمع المدني الإسلامي وقضاياهما كحقوق الإنسان واستقلال القضاء وسيادة القانون، من فقهاء وقضاة ومحامين ومثقفين، الذين زودوه بملاحظاتهم على هذه المقالات
[6]
المقالة الأولى:
النظام الكسروي الصحراوي
أعظم البدع خطرا في حياة العرب والمسلمين
أــ أهم نقاط ضعف حضارتنا:
أن أهم نقاط ضعف الحضارة الإسلامية, هي تخلفها في الفكر المدني عامة والسياسي خاصة، وسببه الأكبر, انحطاط الأمة وتدحرجها من عالية الحكم الشورى العادل، إلى مستنقعات الحكم الجبري الجاهل، وهذا أبرز خلل جوهري في ثقافتنا الشعبية والدينية القديمة, بعد عصر الراشدين، وقد كانت لهذا الخلل الأكبر تداعيات وانعكاسات وآثار ظهرت في كل ما كتب من علوم العقيدة والفقه والاجتماع والقضاء, وسائر علوم الإنسان.
لقد جاء الإسلام إصلاحاً روحيا ومدنيا معا، جاء إصلاحاً سياسيا، يؤكد حق الأمة في اختيار حكامها، وحقها في مراقبتهم ومحاسبتهم. ويؤكد الحرية السامية ولاسيما السياسية. وجاء إصلاحا إداريا يلزم بتكافؤ الفرص، وتولية الأكفياء، ذوي القدرة رافعا شعار لا لإكراه في الدين فلكل دينه، مقراً التعددية فكرية وسياسية واجتماعية ولكن البيئة الصحراوية والكسروية، تستطع حماية هذه الشجرة الوارقه، فضربتها رياح الصحراء حتى جففتها.
[7]
ب-نقطة ضعف الفارس العربي في هامته لا في قدمه:
لم تكن نقطة ضعف الفارس العربي الإسلامي في كعبه, كالفارس اليوناني (أَخِيل)، بل كانت ضربة خطيرة في دماغه, وذلك هو سبب صداع العرب والمسلمين المزمن المستمر.
مشكلتنا الأساسية اليوم مزدوجة, ليست اجتماعية فحسب, بل هي أيضا- وهذا هو المعضل- مشكلة ثقافية، عند النخبة والعامة معاً، فهي من جانب أعراف سياسية متخلفة في القاعدة الاجتماعية. والأعراف الاجتماعية المتخلفة يمكن علاجها بومضات التنوير، وإن كان العلاج غير يسير. ولكن كيف يمكن علاج الاستبداد, وقد اعتبر (بطولة) أولا، وقد أحكم ارتباط هذه الأعراف المتخلفة بالإسلام ثانياً.
هنا تبرز المعضلة الفكرية حين تم إلباس الحكم الكسروي تاجاً إسلامياً، هنا المعضلة الثقافية التي شاعت في المنظومة الثقافية عامة والدينية خاصة, فصارت في متون التفسير وشروح الحديث، وفي كتب العقيدة والأصول والفقه وكتب السياسة الشرعية.
هذه المعضلة لا يمكن الاقتراب من علاجها، إلا بنبذ بدع الجبر والجور من الخطاب الديني، وبتأصيل وأسلمة، مفاهيم الإدارة السياسية التي هي من القيم الإنسانية المشتركة بين كل أمة وملة، كما قرر علماء الأصول وبيان انحراف الفكر السياسي في العصور القديمة بعد إخفاق ثورة القراء، عن المفهوم الشوري للحكم، الذي جسده النبي صلى الله عليه وسلم والراشدون.
[8]
ج-الفقهاء الأمويون أدركو أن الحكم الإسلام شوري وأن الاستبداد كسروي:
أثبت الفقهاء الأمويون وعيهم السياسي، وأثبتوا أن السلفية إصلاح سياسي، وأن منهج أهل السنة والجماعة؛ ليس منهج الصبر على جور الحاكم وجبره، بل توصيته بالعدل والشورى وأطره، على ذلك قاومها الفقهاء الأوائل كالحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري ومحمد بن أبي ذئب وسعيد بن جبير، ومالك وأبي حنيفة الذي مات في السجن لأنه رفض القضاء. لأنه كمالك أيد ثورة ذي النفس الزكية على المنصور والشافعي، لكن المقاومة لم تفلح.
وحاول السلف الأموي المصلح مقاومة الانحراف كالحسين بن علي في العراق وعبدالله بن الزبير في مكة، وابن الغسيل في المدينة. وحاول عبدالله بن عمر وعبدالرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن عمر بن العاص فأخفقوا.
وقامت سنة كسرى وقيصر التي نادى بها معاوية ومروان بن الحكم، وسقطت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وحاول عبدالله بن الزبير ثم عمر بن عبدالعزيز العودة فأخفقا.
هال فقهاء العصر الأموى تلاعب على أمية بالمال العام واستئثارهم بالإدارة وتولية الفسقة الفجرة الخونة. وكانت خاتمة المطاف ثورة (القراء) والعباد والفقهاء بقيادة عبدالرحمن بن الأشعث فأخفقت. كان فيها أنس بن مالك أبو البختري الطائي وعامر والشعبي وسعيد بن جبير، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، والحسن البصري، وأبناء المهاجرين والأنصار أخفقت الثورة و انهزمت فعم الإحباط واليأس، وشاع بعدها مذهب الإرجاء كما قال الشافعي، كما شاع الزهد والتصوف والإرجاء دين الملوك كما قال المأمون.
ظل الفقهاء في العصر الأموي، يتطلعون إلى نموذج السياسة الشرعية، كما طبقة الخلفاء الراشدين، يناضلون عنه ويدافعون، حتى ضربهم القمع الأموي ضربات متتابعة، كلما تطلعوا إلى حكومة العدل والاختيار. كان آخر الضربات هزيمة الفقهاء الأحرار، في ثورة (القراء).
وقتل الحجاج (القراء) التابعين، كما قتل مسليمة الكذاب (القراء) السابقين في معركة اليمامة. منذ ذلك الحين في نفوس الفقهاء الأحرار.
[9]
د- اليأس رسخ فقه الاضطرار فانجر أغلب الفقهاء العباسيين إلى مهادنة الاستبداد:
بعد فشل الفقهاء الأمويين الأحرار في تصحيح المسار، عم فقه الاضطرارار، ورسخ في النظام التعليمي والأكاديمي، لقد تصوروا أن قيم العصرين الأموي والعباسي, تجسد المفهوم الإسلامي للحكم، أن العدالة والشورى, مسألتين فيهما قولان كما، في تقاشهم في الشورى، أهي ملزمة أم معلمة؟.
وإذا بالبدع السياسية تنتشر، وفي بداية انتشارها؛ فيئس الفقهاء اللاحقون فهادنوها، من باب الضرورة, واعتبر الاستبداد شراً لابد منه, وقد ظهر هذا الاتجاه في جيل الإمام أحمد بن حنبل، ثم ازداد يأس الفقهاء من بعدهم, فاعتبروا الجور من طبيعة الدولة والرياسة, وقدموا الأمن البوليسي على العدالة. تغير مفهوم السلفية تغير مفهوم أهل السنة والجماعة.
وجاءت أجيال حولت اجتهادات الاستثناء والضرورة، إلى قواعد مرعية, ونسجت على منوالها نظريات مختلة في السياسة الشرعية. كما ظهر في آراء الماوردي وأبي يعلى في (الأحكام السلطانية) ابن عقيل الحنبلي، وابن القيم في الطرق الحكيمة، في تجويز تعذيب المتهم. محتجين بأنه لا يمكن صيانة العدالة العامة، إذا كثر فساد الناس، إلا بشئ من الظلم الخاص.
إنه اليأس من صلاح الحكم, صار هو القاعدة هذا اليأس نجده في عزوف ابن الأثير بعد أن كتب (جامع الأصول) عن العودة إلى الوزارة, وجسده ابن قدامة في (منهاج القاصدين) عندما قال: إن نهي الحاكم عن شرب الخمور وعن الظلم لا يجدي.
فانحنى الفقهاء مجبرين لمؤثرات المناخ القامع، فأسهموا في فقدان المسلمين الأمن والعدالة معاً.
و هذه الآراء إنما هي مضاعفات أو نتائج أو مظاهر الملك العضوض، الذي هو أعظم بواعث الكوارث في حياة الأمة, إنه الإخلال بعمود منظومة الإسلام المدنية. الحكم الشورى العادل، ثم ثبت هذا الانحراف في كتب العقيدة (انظر السنة للبربهاري) و (شرح الطحاوية).
[10]
المقالة الثانية
لا نزاهة لقضاء ولي الأمر فيه هو القاضي الأصيل
وقاضي المحكمة مجرد وكيل
أ- ملامح استقلال القضاة(لا القضاء) بعد المعهد الراشدي:
ومن الإنصاف أن نشير إلى أربع محاسن في الفكر القضائي الذي نشأ في ظلال الحكم الجبري الجائر أموياً وعباسياً.
1 ـ أن التشريع لم يكن للحاكم, بل كان للقرآن والسنة, فقد ظل الناس في الأمور الأسرية والاجتماعية والتجارية, يحتكمون إلى الشريعة المطهرة.
2 ـ أن السلاطين, وإن كانت لهم مخالفات صريحة، و لاسيما في مجال القضاء السياسي، لكنهم لم يستطيعوا أن يشرعوها في المنظومة الفقهية والقضائية و فلم تصبح بدعاً راسخة في تأخذ قوانين منسوبة إلى الشريعة، ماعدا موقفهم من التعددية الفكرية والمذهبية، بين أهل القبلة, بل نظر إليها على أنها ممارسات جور, وأحكام ناشئة في حقل الضرورة لا الاختيار، ولم تصبح قواعد قضائية عند أغلب الفقهاء الأحرار.
3ـ أن الفقه طوال تلك العصور, صار مخزوناً كبيراً لأنواع عن الاجتهادات القضائية, يمكن أن يستفاد منها اليوم بعد تنظيمها وترتيبها.
4ـ أن القضاء الإسلامي طوال العصور, كان مليئاً بالنماذج العادلة, من القضاة المستقلين, بسبب عامل التدين, وكان كثير من القضاء يزاولون القضاء احتساباً.
5ـ أن المجتمع الأهلي، مدنياً أو غير مدني مارس دوره في دعم القضاة العادلين, من أجل ذلك كان الحاكم, يهاب مواجهة القضاة العادلين, بل كان يبحث عنهم ويلح على توليتهم, كما فعل أكثر خليفة عباسي مع أمثال أبي حنيفة، من أجل التقليل من جوره، وخوفاً على عرشه, ومن أجل اكتساب حكمه المشروعية, ومن أجل تهدئة الرأي العام, وإن كان يشعر بثقل وطأتهم على نفوذه وجبره وجوره.
وكان المجتمع يدعم القضاء, كما وقع مع القاضي العز بن عبدالسلام، الذي عزله سلاطين مصر، فحمل القاضي متاعه واتجه إلى الشام, فتبعه خلق كثير, فاضطرت السلطة إلى استرضاء القاضي, ولم تكن قصة القاضي عز الدين معزولة عن السياق العام, بل كانت شائعة في كثير من البلدان والأزمان.
[11]
ب- استقلال القاضي حرف واحد في أبجدية استقلال القضاء المكونة من حوالي ثلاثين حرفا:
ولكن أساس العدل إنما هو (نظام) الحكم والقضاء, قبل أن يكون في (أشخاص) الحكام والقضاة، والقاضي العادل ما لم تكن له حصانة وحقوق مضمونة لا يستطيع أن يضمن حقوق الناس, لأنه يصبح مثل بيدق الشطرنج في يد السلطان, أنه لن يتجاوز مهما كان صلاحه، مركز قاضي مدينة (قم) الإيرانية ذلك القاضي العباسي, الذي عزله الحاكم, لسبب بلاغي, إذ يقال إن السلطان أراد أن يرحب بالقاضي شعراً فقال:
أيها القاضي بـ(قم).
وحار الأمير فلم يجد قافية للبيت تناسب كلمة (قم)، وهو يريد أن ينافس الحريري وبديع الزمان في العبث اللفظي فقال:
قد عزلناك فقم.
فقام القاضي وهو يجر رداءه محوقلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله والله ما عزلني إلا السجع، وهكذا فإن السجع والجناس والطباق، عندما يكون الحاكم فرداً لا شريك له, تنال من استقلال القضاء.
السؤال البديهي: لماذا استطاع السلطان أن يقول للقاضي: قم؟ أليس ذلك لأن القضاء غير مستقل, ولماذا لم يستقل, لأن السلطان قال من قبل ذلك للشعب: قم إلى فراشك فنم, فإن ولي أمرك أدرى بمصلحتك؟ فقال القوم: سمعاً وطاعة, "فاستخف قومه فأطاعوه, إنهم كانوا قوماً فاسقين" قوم فرعون لم يكونوا ضحايا ولا مساكين إذن, بل كانوا -في محكمة القرآن– قوماً مذنبين فاسقين!.
[12]
ج-مواقف مضيئة ولكنها شخصية لا مؤسسية:
كم من موقف مضيء للقضاة الأحرار، كموقف شريح أمام عمر وعلي. وموقف جبير بن نعيم أمام عبد الملك. وموقف شرف الدين الإسكندري أمام ابن عين الدولة, وموقف جميع بن حاضر أمام عمر بن عبد العزيز, عندما حكم بخروج الجيش الذي يقوده قتيبة بن مسلم من سمرقند.
ولكن هذه الحكايات، تصور نماذج استقلال القاضي (شخصاً), لا استقلال القضاء نظاماً, وتسامح السلطان, خليفة راشداً أو (شخصاً) أموياً, ولكنها ليست قواعد محترمة عند أغلب السلاطين. فلم يكن هناك قوة تجبر السلطان الأموي والعباسي عليها لو رفض، وهي نظام لا تكون فيه قوة معنوية أو مادية، تجبر من أساء استعمال السلطة على التراجع.
وما فعله هؤلاء القضاة يدل على استقلال القضاة (أشخاصا), لا على استقلال القضاء (نظاما), لا تدل على استقلال مؤسسياً منضبط في كل حالة, بل على استقلال شخصي لا ينضبط. ومن أجل ذلك لا ينبغي التعويل على استقلال القضاة، لتبرير أي نظام قضائي غير مستقل, ان القاضي النزيه المخلص المستقل, إذا كان يعمل في نظام غير مستقل, فلن يستطيع تحقيق العدالة, إلا إذا عرض رزقه وحياته أحياناً للخطر (انظر (استقلال القضاء: محمد نور شحاتة:6 و 280), ومن أجل ذلك ينبغي يقال إن العدل في معايير وأنظمة القضاء، خير منه في ضمائر واجتهادات القضاة.
نحن اليوم مع تقديرنا لما في التراث الذي صيغ في ظلال الحكم الجبري الجائر, للعدالة والحقوق من أفكار وقواعد أصيلة, بحاجة إلى فرز هذه الأفكار من أجل رؤية القواعد الأصيلة, المبنية على الكتاب والسنة, عن القواعد والأفكار الدخيلة, التي لحقت بالفكر القضائي, خلال رحلة مروره الطويلة, بالأزمنة والأمكنة، لنأخذ ما يتناسق مع (وحي) السماء، وننبذ ما يخل بالحقوق والحريات السامية، من ما هو (رأي) للفقهاء.
[13]
د-القاضي وكيل للسلطان :
هناك بديهيات حقوقية ؛ أخل بها الفكر السياسي والقضائي الشائع, ولم يعطيها الكتاب والمصلحون ما تستحق من اهتمام في مدونات الفقه القديمة.ولذلك فإن التراث الذي كتب في ظلال الحكم الجبري الجائر في المسألة السياسية والقانون لا يكفي, سواء أكان أموياً أم عباسياً أم مملوكياً أم طوائفيا:
من أغرب نماذجه اعتبار السلطان هو القاضي الأول, واعتبار قضاة المحاكم وكلاء عنه, فولاية القضاء إذن إنما هي عقد وكالة, وينبني على هذا التصور المتخلف عدة نتائج:
الأولى: جواز ممارسة الإمام القضاء متى أراد, مع وجود القضاة الذين وكلهم, دون لجوء إلى عزلهم, لأن (ولي الأمر) بذلك التفويض، لم يتنازل للقضاة عن حقه في ممارسة القضاء, وإنما وكلهم وأنابهم عنه.
والمعلوم والثابت شرعاً, أن للموكل في عقود الوكالة, أن يمارس جميع ما فوض وكلاءه به متى شاء, مع استمرار عقد الوكالة, وسريان أحكامها.
الثانية: جواز إعفاء القضاء أو عزلهم من قبل الإمام متى شاء من دون تبرير حتى ولو كانوا نماذج في الكفاية والعدل, وكذلك جواز اعتزال القضاة عملهم وعزل أنفسهم من هذه الولاية متى شاءوا. لأن من أحكام الوكالة جواز فسخها من قبل أحد طرفيها: الوكيل والموكل (لمحات من تاريخ القضاء:25).
الثالثة: صار من حق ولي الأمر إصدار اجتهاد في مسائل خلافية, وإلزام السلطة القضائية بها.
وجذور هذه القاعدة معروفة في الفكر القضائي العباسي, إذ لم يكن لدى الناس إدراك كاف بأن اجتماع السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية في قبضة واحدة, يعنى انعدام حرية الأفراد, وسيطرت الاستبداد وضياع حقوق المواطنين, مهما كان لولي الأمر من الصلاح والسداد. (انظر السلطة القضائية في الإسلام: شوكت عليان: 87).
لا يمكن تحقيق العدالة ولا استقلال القضاء, إذا صار من حق ولي الأمر إصدار اجتهاد في مسائل خلافية, وإلزام السلطة القضائية بها. لأن تقرير أن مثل هذا فيه مصالح للناس يكون من سلطة تمثل إرادة الأمة, أي أهل الحل والعقد أو (السلطة التشريعية).
[14]
هـ-القياس الفاسد سر الالتباس :
داهية الدواهي هي قياس ولاية القضاء بالوكالة عن رئيس الدولة, وهو قياس فاسد, إذ من الأمور القطعية الصريحة في الإسلام, أن الأمة هي المكلفة بتطبيق الشريعة كما نص الفقهاء كابن تيمية، وهي قاعدة بديهية،(انظر التدليل عليها في كتاب البرهان).
القضاة-إذن- إنما هم نواب عن الأمة, لأن الأمة هي المكلفة بتطبيق الشريعة،. وإذا كان رئيس الدولة هو الذي يولي القضاء, فإنما يوليهم بناء على كونه هو أيضاً وكيلاً عن الأمة. هذا إذا كان منتخباً ذا مؤهلات قضائية, كالخلفاء الراشدين, أما إذا لم يكن منتخباً أو لم يكن مؤهلات قضائية, فإن دوره لا ينبغي أن يتجاوز الموافقة أو الاعتراض على التعيين (الأساسي) الذي ينبغي أن تقوم به مجالس القضاء المنتخبة، كالمجلس الأعلى للقضاء, لأن القضاء نيابة عن الأمة، والقاضي كالسلطان نائب عن الأمة.
وقيام الحاكم بالاعتراض أو الموافقة –حسب مؤهلاته– أقل سلبيات من قيام الأمة بالتولية المباشر للقضاء, أو غير المباشر عبر ممثليها أهل الحل والعقد (البرلمان) (انظر الدكتور: محمد عبدالقادر أبو فارس: القضاء في الإسلام:196-200), والشريعة صريحة في أن الحاكم نفسه، هو الذي تنطبق عليه شروط الوكالة لا القاضي, وكيف إذن يتوفر للقضاة الاستقلال والحصانة، ولاسيما عندما يحكمون في خصومة أحد طرفيها هو السلطان نفسه, لو كان عقد القضاء عقد وكالة؟ سيكون السلطان من جانب خصماً, وفي الجانب الآخر حكماً. ولو كان القضاة وكلاء السلطان لا نعزلوا بموته، إذ من المتقرر في أحكام الوكالة، أن الوكلاء ينعزلون بموت الموكل.
إن مأزق الفقهاء في تشبيههم ولاية القضاء بالوكالة عن السلطان، فيه أكثر من إشكال، يجعله بعيد الإحتمال، فضلا من أن يصح به الاستدلال، وهذا برهان على أن هذه النظرية ساقطة.
[15]
المقالة الثالثة
الحقوق والحريات
بين الصورة الراشدية الصافية
وصور الحكم العضوض المشوهة الباهتة:
(من بحث قدم إلى مؤتمر العدالة الثاني المنعقد في القاهرة خلال 22/24فبراير2003م/في موضوع تعزيز استقلال القضاء السعودي)
أ ـ الخلط بين الأصل والصورة:
عند الحديث عن حقوق الأفراد الجماعات والمجتمع في الإسلام, يلتبس على كثير من الناس النموذجان:
الأول الصورة الأصيلة الناصعة لحقوق المواطنين وحرياتهم السامية، التي جاءت في النص القرآني النبوي, وحقل تطبيقه لنبوي والراشدي.
الثاني الصور المشوهة البواهت، و في تطبيقات الحكم العضوض، أموية وعباسية، وعثمانية وطوائفية، والتنظيرات والتفريعات التي استظلت عند تقعيد هذه النصوص الشرعية، وشرحها بهذه الظلال. هذا (التوصيف) الذي قدمته الصياغة العباسية للثقافة الحقوقية، متأثر بظلال عصور الاختلال. أكثر من تأثره بالعهد الراشدي. ويصعب الفرز والتمييز بين الصورة الصافية والصور البواهتِ, على كثير من الناس.
[16]
ب-قمع المساواة والكرامة :
ثمة قصور واضح في خلفية فقهائنا العباسيين في العلوم الاجتماعية والسياسية، زاوجه تأثر بمناخ السلطان الجبري الجائر, فتكاثرت في منظومة الحقوق أفكار الضرورة, التي تعكس إحباط الفقهاء، ويأسهم من الإصلاح، فكثرت النظريات المشوشة, التي كرسها المقلدون وفقهاء السلاطين, ولم ينج من تأثيراتها بعض الفقهاء الأحرار المصلحين كابن القيم, لأنها صارت شبه مسلمات توارثها التيار السائد, ورددها أكثر الفقهاء وعلماء العقيدة، من من عاشوا في ظلال الحكم الجبري الجائر, ولاسيما العباسي (ولا نركز على الأموي، لأن الفقهاء الأمويين لم يرسخوا تلك المنظومة، ولم يدونوها، وإنما فعل ذلك الفقهاء العباسيون). فتم قمع الحرية المدنية والسياسية والثقافية