بقلم : ا. د. / متروك الفالح
استاذ السياسة المقارنة و العلاقات الدولية
قسم العلوم السياسية- كلية العلوم الادارية
جامعة الملك سعود – الرياض-السعودية
العلاقات السعودية الغربية وبالذات بطرفها الامريكي كانت تتسم بشكل عام بالتميّز طوال العقود الخمسة الماضية وحتي بداية الالفية الثالثة الميلادية . غير ان ذلك التميّزلم يكن ،بالضرورة علي وتيرة واحدة اذ شهدت العلاقات الغربية _السعودية ، ومنها الامريكية تحديدا، حالة من التوتر وعدم الاتساق وخاصة في الفترة لما بعد 1995/1996 حيث تفجيرات الرياض والخبر ضد القوات الامريكية والتي اسست و ارخات لبداية تقلق شعبي من الوجود الامريكي وكذلك عدم ارتياح رسمي من التدخل في الشؤون الداخلية و خاصة في اطار التحقيقات في تلك الاحداث (1) . تلك الحالة العامة من العلاقات السعودية _ الامريكية والتي كانت علي ما يبدو متميّزة ، وان لم تخلو من توتر كما اسلفنا ، بدات تتبدد علي نحو لم يكن مسبوقا من قبل و ذلك بعد الهجمات المميتة في واشنطن ونيويورك وبنسلفاينا في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م .
ذلك الحدث وتوابعه في سياق ما سمي "الحملة ضد الارهاب "بما في ذلك الحرب ضد افغانستان - ولربما مستقبلا، ضد دول عربية او اسلامية وكل ذلك يشير الي ان المسلمين ومنهم العرب تحديدا هم المستهدفون بدرجة واضحة من كل تلك الحملة واتجاهاتها- فتح ملف العلاقات الغربية العربية ومنها السعودية- الامريكية تحديدا علي مصراعيه باتجاه اعادة صياغتها او تغييرها وعلي نحو بدا انة يؤسس لازمة ذات مخاطر علي البلاد العربية عموما ومنها الدولة والمجتمع في السعودية تحديدا . تلك المخاطر تبدو هذه المرة مخاطر حقيقية وجدية وبالتالي تتطلب في المقابل معالجة حقيقية وجدية ولكن علي اسس وصيغ جديدة لتتواكب وتتعامل مع مرحلة جديدة ومختلفة تماما عن سابقتها .
ان ما يهمنا في هذه الورقة ليس معالجة العلاقات ، الامريكية السعودية بذاتها وانما ملاحظتها في سياق ارتباطها باحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001م والحملة الامريكية علي ما سمي "الارهاب " وانعكاس ذلك علي او ارتباطه في المسالة الداخلية في السعودية الا وهي علاقة الدولة بالمجتمع وما يرتبط بذلك بما يمكن تسميته بالمستقبل السياسي للسعودية. ولكي نصل الي هذه وتلك الغاية لابد من ملاحظة ما يمكن تسميته بالازمة في العلاقات الامريكية السعودية وعناصرها ومدي صلة ذلك كله بمعادلة الدولة والمجتمع في السعودية وما هي المعالجات لها ان وجدت ؟ وهل تلك المعالجة تمثل معالجة سليمة وشافية ؟ ام انها تحتاج الي معالجات بديلة اكثر ملائمة مع تلك التحديات والتطورات وذلك من اجل الامكانية والاستمرارية والبقاء للدولة والمجتمع علي حد سواء . من هنا فان المشاهد للازمة الداخلية وفي سباق الازمة الخارجية واحتمالاتها المفتوحة تحتاج الي تحديد بما في ذلك المشاهد التي تمثل مخاطر حقيقية وكذلك المشاهد البديلة للخروج من الازمة علي الصعيد الداخلي .
اولا: في الحملة الامريكية علي السعودية
واحداث الحادي عشر من سبتمبر2001م .
هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م والتي اسست لاولي حروب القرن الواحد والعشرين ، - وما انطوت علية من مزاعم امريكية بان منفذيها هم في اغلبهم من السعودية حيث اشير الي خمسة عشر شخصا سعوديا من بين تسعة عشر متهما بتلك العمليات الهجومية – ولدت توجهات وانتقادات حادة من قوي ونخب اعلامية وفكرية وسياسية ذات صلة قوية بمراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الامريكية ضد الدولة السعودية الي درجة التعريض بشخصيات سعودية رسمية كانت خلال العقد المنصرم وحتي تلك الهجمات تحظي بقبول واحترام كبيرين داخل الادارة الامريكية وقواها السياسية (2) . تلك الحملة الامريكية وبصلة بعناصر قيادية رسمية وخاصة في السلطة التشريعية ،بدات متواضعة في البداية ولكنها اخذت تكسب زخما وقوة مع مرور الوقت وخاصة قبيل الحرب الامريكية علي افغانستان وما بعدها (3) .ان تلك الحملة المناهضة للسعودية والتي اسست لازمة في العلاقة مع السعودية دولة ومجتمعا وكذلك كشفت عن تراكم ازمة بين الدولة والمجتمع في السعودية – وتلك الاخيرة حرصت القيادة السعودية وخاصة بقيادة الامير عبداللة علي محاولة احتوائها –تمحورت حول عدة عناصر ومنها:
(ا) الزعم الامريكي بتورط سعوديين في الهجمات انفة الذكر مما فتح باب اسئلة امريكية جديدة حول التفريخ السعودي للتطرف و "الارهاب" لعناصر مجتمعية ذات توجهات اسلامية تحديدا ولكن بالاشارة الي كونها محفوفة بسياسات حكومية رسمية .
(ب) ثم لاحقا المطالبة الامريكية بالمراقبة المالية وتجميد بعض الحسابات والارصدة التابعة لمجموعات اسلامية بما فيها بعض الجمعيات الخيرية والمطالبة بتعديل مناهج التعليم في سياقها الاسلامي والتي تزعم اطراف امريكية بانها تحض وتحرض علي التطرف والكراهية والعداء للاخر وخاصة للغرب .
(ج) ومع اقتراب الحرب الامريكية وعدوانها علي افغانستان بحجة مكافحة "الارهاب الاسلامي"كانت الادارة تطالب بمزيد من التعاون السعودي الرسمي في السياق العسكري وخاصة استخدام قاعدة الخرج كمركز للتحكم والسيطرة والقيادة للعمليات الحربية ضد افغانستان .
(د) ترافق ذلك كله وتردد سعودي رسمي تجاه مسالة الرقابة المالية ومسالة الزج باسماء السعوديين في الهجمات دونما تقديم دليل وكذلك الحرج من مسالة التعاون العسكري العلني وخاصة السماح باستخدام قاعدة الخرج مما ولد ردود فعل عنيفة من قبل القوي الاعلامية والسياسة الامريكية تجاه الدولة السعودية وكذلك المصرية واتهامهما بانهما تلعبان ادوارا مزدوجة في التعامل مع حرب امريكا علي "الارهاب" (4) .
(ه) ترافق ذلك كله مع حالة شعبية في السعودية غير مسبوقة من المناهضة للسياسات الامريكية تجاه مزاعمها وكذلك مطالبها الرقابية المالية وتعديل المناهج وكذلك السخط الشعبي من الحرب الامريكية علي افغانستان باعتبار تلك الحرب كما نظر لها شعبيا ودعمت من علماء اسلاميين محليين ومن البلاد العربية الاسلامية (5) علي انها حرب صليبية ضد الاسلام والمسلمين وفي القلب منهم العرب .
(و) ومما زاد من السخط الشعبي ان معظم المعتقلين والمحتجزين داخل امريكا من باب الشبهة وتحت ما سمي باستراتيجية البعثرة Disruptive Strategy (6) داخل الولايات المتحدة هم من العرب بما فيهم السعوديين وكذلك ما لحق "بالعرب الافغان" والمجازر التي ارتكبت ضدهم من قبل القوات الامريكية وقوي التحالف الشمالي الافغاني وتوابعها لاحقا بما في ذلك مسالة الاسري العرب والمعاملة المشينة وغير الانسانية التي تلقوها علي ايدي الامريكيين سواء في افغانستان او في معتقل "جوانتناما" في كوبا لاحقا .
(ز) ووصل الامر بالحملة الامريكية علي السعودية في منتصف يناير عام2002م بقيام عناصر من الادارة الامريكية (كارل ليفن مثلا ) بالتلويح تهديدا باعادة النظر بالتواجد العسكري الامريكي في السعودية او بسحب قواتها استنادا الي تلميحات بان تلك الخطوة مرتبطة بوجود رغبة سعودية غير محددة المصدر والتي لم تدم او تصمد طويلا امام تصريحات سعودية رسمية او امريكية علنية بعكس ذلك (7). اضافة الي ذلك كله وفي سياقه ومنذ البداية وحتي الان كانت هناك تصريحات عن وتلميحات الي وتهديدات بمسالة الاستبداد والفساد السياسي للنظام في السعودية والدعوات الي الحاجة الي ايجاد صيغ اكثر ملائمة تاخذ بحسبانها حقوق الانسان والمشاركة والحريات وان بشكل تدريجي وتلك الاشارات بدات منذ خطاب بوش امام الجمعية العامة للامم المتحدة في 17/11/2001م وفي كتابات وتعليقات وانتقادات اعلاميين ومفكرين ودبلوماسيين (8) .
ثانيا: الحملة الامريكية علي " الارهاب "
و السعودية : جذور الازمة الداخلية
الموقف الرسمي السعودي من احداث 11-9-2001م وما بعدها ،بدا انة - ورغم ادانتة تلك العمليات وتوظيف بعض التخريجات الدينية من بعض علماء الدولة (9) يميل الي التردد وخاصة في مسالة قبول الزج باسماء سعوديين وكذلك تجاه التعاون الامني والعسكري وكذلك المالي الرقابي (10) . ورغم ان السعودية من الناحية الرسمية كانت تعلن تعاونها وموقفها ضد الارهاب (11) ، الا انها كانت تشعر بالحرج من مسالة الموافقة علنا علي استخدام قاعدة الخرج وكذلك من التوجهات الشعبية الداخلية المعادية للولايات المتحدة وخاصة بعد بداية العمليات الحربية ضد افغانستان وحكومة طالبان مما جعلها ،وتحت ضغط اعلامي امريكي متزايد ،الي ان تقوم بالطلب من ائمة المساجد بوقف دعاء القنوت فجرا ومغربا ضد الولايات المتحدة والمساند لحركة طالبان بالنصر (12).
في المقابل كانت التوجهات الشعبية تزداد حدة وعداء للولايات المتحدة الامريكية منذ بداية الاحداث (11سبتمبر2001) حيث كان الملاحظ ان هناك نوع من الابتهاج (13) بما حدث في امريكا وضدها وذلك تشفيا بما يري للعناصر و الفئات الشعبية وشرائحها المتنوعة في السعودية بان ذلك يشكل ردا علي امريكا وسياساتها المناهضة للعرب والمسلمين وخاصة في فلسطين والعراق واماكن اخري . تلك المواقف الشعبية اخذت بالزيادة المطردة ضد الولايات المتحدة من اغلب الفئات الشعبية بما في ذلك الشرائح اللبرالية وخاصة مع بداية العمليات الحربية ضد افغانستان واحداثها المتعاقبة وكذلك في سياق الحملة الامريكية علي السعودية وايضا في سياق التوجهات الامريكية – الداعمة لحكومة وسياسات الكيان الصهيوني في عملياتها التدميرية ضد الشعب الفلسطيني ومقدرا ته وممتلكاته ومقدسا ته –والتي اخذت بالتزايد الي درجة ادراج حركات المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس والجهاد ضمن قائمة الارهاب الامريكي عندما بدا لها(امريكا) انها تتجه الي حسم الامور في افغانستان مكافاة للعدو و اذلالا للعرب علي وجه الخصوص . الموقف الرسمي السعودي بدا يستفيد من الحملة الامريكية المتزايدة علي السعودية و ذلك بتوظيفها و ذلك للاحاطة بالمسالة الداخلية وفي محاولة لردم الفجوة بينها وبين التوجه الشعبي والذي بدا ولاول مرة بانة بالفعل يتخذ مواقف متعارضة مع التوجهات الرسمية وخاصة فيما يتعلق بالموقف من احداث سبتمبر والتعاون مع امريكا في مسالة مكافحة ما سمي "بالحملة علي الارهاب"وكذلك في سياقها "المسالة الافغانية " بما هي حرب علي بلد مسلم خاصة في سياق التوجه الاسلامي المدعوم من بعض القيادات العلمية الاسلامية المحلية والعربية المناهضة للتعاون مع الاجنبي والتحالف مع الكفار والمشركين ضد العرب والمسلمين (14) . القيادة السعودية وخاصة توجهات الامير / عبد الله (ولي العهد) ، بدات تتعامل مع الحملة الامريكية علي انها حملة ضد المسلمين و عقيدتهم (15) ، وكذلك مرتبطة بحملة صهيونية ذات صلة بالجماعات الصهيونية الضاغطة (اللوبي الصهيوني) في واشنطن والبلاد الغربية ضد مواقف المملكة من القضية الفلسطينية والاشارة الي ان السعودية قد وصلت الي طريق مسدود مع الادارة الامريكية في مسالة موقفها من وتحيزها مع الكيان الصهيوني في معالجة القضية الفلسطينية . وفي محاولة للاحاطة بالمسالة الداخلية عن طريق بوابة الحملة الامريكية والبعد الصهيوني فيها ،قام الامير عبداللة بالاجتماع ،وعلي مراحل، بعدد من الفئات والشرائح وبعض القوي السعودية من اساتذة الجامعات والمعلمين والتجار والمشايخ والعسكريين وذلك في محاولة لكسب تلك المجموعات من الحملة السعودية المناهضة للحملة الامريكية وفي محاولة للتاكيد علي الوحدة الوطنية واهميتها للتعامل مع انعكاسات تلك الازمة وتوابعها علي الاوضاع الداخلية (16).
وبتوافق ولربما تناغم مع تلك الحملة السعودية المناهضة للحملة الامريكية عليها بدا ان السلطات السعودية تتيح لعناصر من الشعب السعودي ذات توجهات متباينة و بعضها غير متسق مع الخط الرسمي للدولة للتحدث علنا في اطار الازمة ورؤيتها لها وخاصة من خلال الادوات والقنوات الاعلامية العربية وبالذات الفضائية منها وبدرجة اكبر قناة الجزيرة الفضائية (قطر) (17) . في المقابل ، بدا ان السلطات السعودية وهي تواجه التحدي الامريكي وخاصة مع حسم الامور في افغانستان لصالح امريكا –تتجه الي محاولة التخفيف من الضغط الامريكي عليها وذلك من خلال التناغم معها وذلك بقبول المزاعم الامريكية بتورط سعوديين في الهجمات السبتمبرية علي امريكا (18) ، وكذلك بالتعامل مع الساحة الامريكية مباشرة من خلال الاقلام الامريكية الزائرة او المستكتبة من خلال شركتي الاتصالات والعلاقات العامة داخل الولايات المتحدة الامريكية(19). وكذلك من خلال العناصر القيادية السعودية في سياق الوفد السعودي الكبير لاجتماعات "منتدي دافوس" في اوائل فبراير 2002 حيث راس الوفد رئيس الاستخبارات السعودية (الامير نواف بن عبد العزيز )ورافقة عدد من الامراء والذين ادلي بعضهم بتصريحات اجري مقابلات تلفزيونية داخل امريكا محاولين علي ما يبدو التاكيد علي الدور التعاوني للسعودية في الماضي وفي الحاضر المستمر وفي القادم المحتمل (20). ويلاحظ مع ذلك كل ، ان تلك الردود السعودية علي الحملة الامريكية انتهت الي الدفاع عن علاقات السعودية مع امريكا والتعامل مع تلك العناصر الاعلامية الامريكية الموصوفة بالمعادية للمملكة ( مثلا ، نيويورك تايمز وال واشنطن بوست تحديدا )والمتحيّزة للصهيونية ،وصولا الي تقديم مبادرة " التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الشامل لاسرائيل من الاراضي العربية المحتلة منذ 1967" رغم ما جري عليها لاحقا من تعديلات باتجاه " السلام الشامل مقابل الانسحاب الكامل " نتيجة للردود العربية تجاهها ، ثم اقرارها علي صيغة اكثر توازنا عربيا بالاجماع في مؤتمر القمة العربية في بيروت 27-28-مارس-2002م (21).
تلك المعالجة السعودية الرسمية اللازمة علي الصعيد الداخلي لا يبدو انها طرقت العناصر الاساسية للازمة وجل مافعلتة انها لامست بعض منها ملامسة غلب عليها الشكلية والمعالجة الانية (Add-hoc) وغلبت البعد الخارجي (الامريكي والغربي وتوابعه ) علي البعد الداخلي المجتمعي المتصل بمسالة العلاقة بين الدولة والمجتمع . وبينما بدا ان السلطات السعودية تشعر بالارتياح الي عدم تطور احداث داخلية تتسم بالعنف وبالحدية- باستثناء احداث بدا انها عارضة ( مثل التفجير الذي وقع في الخبر ، وكذلك محاولة التعرض لبعض الاجانب في الرياض ) وكذلك الادعية (القنوت)في صلوات الفجر والمغرب ضد الكفار والمشركين وتلك اوقفتها السلطات السعودية عنوة لمن لم يتوقف طوعا ، وكذلك بالارتياح الرسمي السعودي الي ما بدا انه نهاية للمسالة الافغانية بانهاء حركة طالبان وتدمير القاعدة وعناصرها بدرجة كبيرة –و ان كانت هذه و تلك مسالتين لازالتا فيهما نظر (22) ، مما خفف من الغليان الداخلي والذي ترافق مع العمليات الحربية الامريكية ضد افغانستان والذي انعكس بدرجة واضحة علي احاديث ومناقشات كثير من الفئات والشرائح الشعبية وما اتصل بتقلقل الراي العام المحلي بما في ذلك التوجه نحو الدعاء غير المحدد (الدعاء بالنصر للمجاهدين من كل مكان دون تحديد افغانستان ) عندما اصبح الدعاء الصريح ممنوعا . و بالقدر الذي بدا للسلطات السعودية انها تحسم امرها بمزيد من التعاون والاتساق مع الغرب وامريكا تحديدا بما في ذلك ما يبدو ان له صلة بطرح المبادرة "التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل " ، رغم ما جري عليه من تعديل اقرته قمة و بيان بيروت لاحقا ، مضطرة او مقتنعة بذلك ، فقد بدا للمجتمع و فئاته ان ذلك الخيار تم علي حساب مشاعره وتوجهاته ود ونما ان يكون له الصوت المسموع في تلك السياسات والتوجهات مما زاد في سعة الفجوة بين الدولة والمجتمع وعكس بدورة تراكم جذور ازمة في العلاقة كانت تتشكل منذ عقد ونيف ولكن تلك الاحداث افصحت عن مظاهرها . و بالقدر الذي اخطات فيه الولايات المتحدة الامريكية في معالجتها لاحداث 11 سبتمبر باتباع استراتيجية " ارهابية " خارجية ودون الالتفاف( مراجعة) حول سياساتها الخارجية والداخلية التي ولدتها ، فان السعودية هي الاخري ، و بمراهنتها علي الخارج وعلي الوقت لتجاوز المسالة الداخلية ، جازفت في عدم التنبه الي مسالة الازمة الداخلية وجذورها ومعالجتها معالجة حقيقية تنطلق من رؤية صحيحة للخلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع ومن ثم تصويبها بشكل صلب يؤسس لمرحلة قادمة .
رغم ان تفاعلات الدولة والمجتمع في السعودية وفي سياق الازمة ، من حيث كونها تفاعلات كانت تميل الي ان تكون غير متسقة وغير متوازنة ومتوازية وانما بدرجة واضحة تبدو اكثر متعارضة او متفارقة ، بدات تخف مع مرور الوقت وما بدا انه يتوافق مع حسم الامور عسكريا في افغانستان ، الا ان الازمة الداخلية والعلاقة بين الدولة والمجتمع لا يبدو انها طرقت علي الاطلاق وما تم فيها كان معالجة وقتية ظرفية ذات اتجاه واحد يركز علي التعبئة الاعلامية الرسمية ولكن بالنهاية التوافق مع الخارج . ليس هناك علي ، ما يبدو ، رغبة او رؤية في النظر بان تلك الاحداث و توابعها ذات " منبع و مكّون داخلي " بحيث تحلل علي مستوي العلاقة بين الدولة والمجتمع وبالبحث مع القوي الاجتماعية علي حلول لها. وكما كانت ازمة الخليج الثانية ، فان المعالجة للازمة الداخلية المتصلة باحداث 11سبتمبر كانت المراهنة علي الوقف مرة اخري وان الداخل ليس هو المشكلة وانما الخارج والخارج فقط.
وحيث الامر كذلك من حيث ان جذور الازمة في العلاقة بين الدولة والمجتمع وكونها لم تعالج البتة ، فان المسالة لازالت مفتوحة الاحتمالات والبدائل والتي قد تحمل معها نذر غير محمودة . ويبدو ان المشكلة في التحليل النهائي ترتبط بدرجة اكثر تحديدا بان هناك اولا سوء تقدير او تصور خاطئ لاهداف الحملة الامريكية علي السعودية وحصرها ببعدها الصهيوني –او هكذا قيل – والمسالة الدينية او التعليمية . وثانيا ان هناك تجاوزا للمسالة الداخلية ذاتها والتركيز علي البعد الخارجي لها وذلك في سياق التصور الخاطئ وعدم معالجة الشان الداخلي معالجة تبدو فعلية وجدية وذات جراة بما يعني ويتضمن الملائمة مع متطلبات التكيّف للنظام السياسي في اطار المحافظة علي استمراره واستقراره ولكن بصيغ اخري مستحدثة.
ثالثا: الدولة والمجتمع والغرب : في البدائل والاحتمالات
ومشروع التقسيم
بداية يمكن التساؤل هل يمكن حصر الحملة الامريكية علي السعودية في مسالة اللوبي الصهيوني والموقف العدائي من المواقف السعودية تجاه المسالة الفلسطينية ؟ للاجابة علي ذلك يمكن القول بداية ان ذلك قد يكون جزئيا صحيحا ولكنة ليس الاهم والابرز في الرؤية الامريكية من وراء تلك الحملة وعناصرها . ما هو مطلوب امريكيا هو اولا ، ان الدولة والسلطة السعودية علي مستوي القرار السياسي يجب ان لا تتردد بل ويجب ان لاتفكر بذلك طالما ان الولايات المتحدة تري انها هي التي توفر الحماية والامن للدولة والنظام وبالتالي فان التردد او الحرج بذاته لم يكن مقبولا علي الاطلاق خاصة وان ذلك قد يعني ان التحالف في الحرب ضد "الارهاب " سيتعرض للتشكيك والاهتزاز وهو ما لم تكن الادارة الامريكية ترغب فيه ولا العناصر التي
تقود تلك الحملة – ومن هنا كان التردد الظاهري للسعودية يمثل جراة غير مقبولة من دولة – هي مدينة ، في الرؤية الامريكية ، في وضعها الامني تحديدا (23) وتوابعه بما في ذلك الاقتصادي والنفطي للدولة والقوة الامريكية . وثانيا وهذا يمثل النقطة الاهم والابرز ،ان المخطط الامريكي اصلا في الحرب التي اعلنتها ضد افغانستان وفي سياق ما اسمتة الحرب ضد "الارهاب" يتجاوز افغانستان الي الاحاطة الكونية وبنقاط مركزية منها ذات صلة بالابعاد الاستراتيجية للنفط والغاز في دائرة محورها يمتد من اسيا الوسطي شرقا وحتي منطقة الخليج العربي غربا . ومن هنا فان الحاجة ستكون لاحقة باتجاه اعادة صياغة الخرائط للمنطقة العربية تحديدا وبالتالي فان العودة لها ستكون امر قائما تتطلبه تلك المهمة خاصة وان المشروع الامريكي هذا للمنطقة وبتوافق مع المشروع الصهيوني لها لم يتم بعد . واضافة الي ذلك ثالثا ، فان صورة الشعب السعودي وفئاته بدات تتهاوي في الرؤية الامريكية وخاصة في سياق ما سمي بالتفريخ "للارهاب " بشرا وعقيدة (الوهابية ) وتمويلا خاصة اذا ما قبلنا فكرة ان الذين قاموا بعمليات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م هم في غالبيتهم من السعوديين . اضافة الي ذلك وفي صلبة فان النظام السياسي السعودي بما هو الحاضن لتلك التوجهات اصبح هو الاخر يمثل ، في الرؤية الامريكية ، عبئا لا رصيدا وبالتالي فان السعودية (دولة ومجتمعا) اصبحت مستهدفة في اطار المشروع الامريكي للاحاطة الكونية و المتلاقي مع المشروع الصهيوني بالمنطقة والذي لم ينجز يعد وبالتالي يحتاج الي تعويم ضمن اتمام المشروع الامريكي ذاته . هذا الاستهداف للمنطقة العربية وبما هو تلاقي بين المشروعين الامريكي والصهيوني يؤكده وزير الخارجيةالامريكي كولن باول اذ ، يقول ، في خطابه امام جامعة لويزفيل في 19-11-2001م، ان " الرؤية الامريكية لمنطقة الشرق الاوسط ستكون بعيدة المنال ما لم تكن اسرائيل و جيرانها في حالة سلام .... " (24) .
ان الوصول الي هذه النقطة من تعويم المشروع الصهيوني في المنطقة باقامة المشروع الشرق الاوسطي في اطاره الاقتصادي والمتداخل مع المشروع الامريكي للسيطرة علي منطقة الغاز والنفط (السيطرة هنا قد تكون للاحتياج الذاتي او للتحكم بالعالم من خلال التحكم بالموارد النفطية ) والممتدة من شرق افغانستان وبحر قز وين وحتي منطقة الخليج العربي (25) يتطلب بشكل اساسي ان تتواصل الحرب الامريكية علي " الارهاب" بما في ذلك ازالة المعوقات القائمة في المنطقة وهي الحالة العراقية ومن ثم السورية . ولكن قبل الوصول الي هذه الغاية لا بد من البدء من " الحلقات الا ضعف " في المنطقة العربية ( والتي قبلها او معها قد تكون الادراة الامريكية مشغولة في احتواء او تصفية ما تسميه " الارهاب " و "ارهاب القاعدة " في حلقاته الا ضعف علي المستوي العالمي من الفلبين الي جو رجيا وهكذا ....) لتنفيذ المخطط الاستراتيجي للمنطقة والعالم . وبالتالي ستكون البداية الصومال واليمن بدرجة احتمالية كبيرة ( والتي بوادرها بالفعل قد بدات في الصومال حيث تضيق الخناق علي السواحل الصومالية بالاساطيل الغربية الامريكية والالمانية تحديدا بحجة منع عناصر القاعدة وكذلك محاصرة المؤسسات الاتصالية والمصرفية لشركة البركات بحجة علاقتها بالتحويلات المالية للقاعدة ، وكذلك ما يجري في اليمن منذ يناير2002م حيث القوات اليمنية وبدعم امريكي تطارد ما تسمية عناصر ذات صلة بالقاعدة مع تاكيد امريكي بلسان بوش بان امريكا تعمل علي منع ان يتحول اليمن الي افغانستان اخري للقاعدة وهو ما رحبت به القيادة اليمنية (26) و ذلك كله للاحاطة الجيوبوليتكية بالصومال و/ او بالنفط اليمني في تلك المعادلة الامريكية الكونية وان تشكلا ( الصومال و اليمن ) خلفية لمنطقة الجزيرة العربية - بما فيها و بدرجة اساسية منها منطقة الخليج العربي - وكذلك لمحورها في اسيا الوسطي (بحر قز وين وافغانستان حاليا).
ومع اخضاع تلك الحلقات الا ضعف ، فعندها ولربما معها او بعدها سيكون العراق هو المستهدف لالحاقه هو الاخر بالمنظومة الامريكية في اطار مشروعها الكوني وذلك من خلال اقامة نظام حكم موالي لها كما هي الحالة الافغانية وتحت ذرائع ومسوغات تتراوح بين التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان ....الخ . ان الدائرة النفطية وعناصر الطاقة الممتدة من روسيا ومرورا ببحر قز وين وافغانستان وايران والخليج العربي بما في ذلك ا