المذكرة الثالثة:
اقرارات سجون التضييق باطلة في كل قانون عادل، فضلا عن قانون الشريعة،
ونطالبكم بزيارة مكان توقيفنا في مركز شرطة بريدة الشمالي فضلا عن الجنوبي،أو تكليف لجنة لتقصي الحقائق،
لتجدوا أن تحقيقات المباحث وهيئة الادعاء والتحقيق معيبة في قانون الشريعة، وأن من أجراها ومن اعتد بها قد انتهك حقوق الإنسان الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الفضيلة القاضي بالمحكمة الجزئية ببريدة:
إبراهيم بن عبد الله الحسني وفقنا الله وإياكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نشير إلى الجلسة الثانية من جلسات محاكمتنا يوم السبت 03/09/1428(15/09/2007)، واعتراضنا على التحقيق الذي أجرته هيئة الادعاء والتحقيق،وادعائنا بانه معيب شرعا، وهذه مذكرة ببيان الأسباب.
أ=الكرامة هبة الرحمان حق لكل إنسان
1=الكرامة أصل تطبيق الشريعة وأين حفظ الأمن:
بداية الاعتقال، وضع الجندي في أيدينا (الكلبشات) الأغلال، واتجه الجيب بسرعة عالية مع طريق الخضر إلى السالمية وفيه خمسة مطبات وسارت بنا الجيب، بين المنعطفات والرمال، ونحن نتمايل كالورقة في مهب الريح، حتى تمزقت أوصالنا الرخوة ، فهمس أحدنا للسائق:إرفق الله يهديك تراي شايب فالتفت السائق اليه وقال بصوت قوي (كل زق).
هل كانت كلمة الجندي أصدق وصف ينطبق على مستوى النظافة، في كثير من مراكز الشرطة،كـ (مركز شرطة بريدة الجنوبي).
لقد صان الإسلام جسد الإنسان وعقله ووجدانه،كما نص القرآن" ولقد كرمنا بني آدم" فحرم تعذيب الجسد والاعتداء على البدن من جرح أو ضرب أو سجن ، أو جلد، وحرم تعذيب النفس بسجن أو سب أو شتم أو تخويف أو سوء ظن أو قذف، قال صلى الله عليه وسلم : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (متفق عليه).
وقرر جملة من الأحكام والعقوبات التي تكفل حماية الإنسان من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه ، ليتسنى له إن يمارس حقه الشخصي وحرية التصرف في شئونه دون إعاقة أو ضرر ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم الضرب والجلد " من جلد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " ( رواه الطبراني في الأوسط ) وقال " ظهر المسلم حِمى إلا بحقه " ( رواه البخاري) .
ولا يقتصر ذلك على المسلمين ، بل يشمل غير المسلمين فقد مر الصحابي هشام بن حيكم على أناس من الأنباط أقيموا بالشمس وصب على رؤسهم الزيت ، فقال : ما هذا؟ فقيل : يعذبون في الخراج فقال : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضرب الذين يعذبون الناس في الدنيا " ثم دخل على الأمير فحدثه ، فأمر بهم فحلوا.
حرم الإسلام القدح في عرض المسلم ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر " ونهى عن الغيبة والنميمة ، وشرع القصاص في الأعراض كما قال ابن تيمية ( السياسة 80) " القصاص في الأعراض مشروع أيضا ، وهو أن الرجل إذا لعن رجلاً ، أو دعي عليه ، فله أن يفعل به كذلك ، وشرع القصاص في القذف وما دونه".
لقد أقرت الشريعة المطهرة هذه الحقوق قبل أربعة عشر قرنا، من ميثاق حقوق الإنسان عندما قال " لا يجوز ان يعرض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو بحملات على شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات" (المادة : 12).
لقد حمى الإسلام كرامة الإنسان من الاهانة والإذلال فقال تعالى " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " فلا خير في الذليل المهين ، لأنه لن يصلح لحمل رسالة الإسلام إلا الأحرار الأعزة الكرام ، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لا تضربوا المسلمين فتذلوهم". إن العقيدة الإسلامية توجب على المسلم إن يكون عزيزاً كريماً ، وتوصي الإنسان بالتمرد على كل ذل واستعباد ، لأن عبوديته لله ، تشده إلى الله فلا يرى عظيما غير الله ، ولا يرى مخوفاً غير الله، ولا يرى مرجواً غير الله ، وأي دولة تذل الإنسان المسلم ، وتعوده على الخضوع والركوع والطاعة العمياء، فقد حرمته شيئاً أغلي من المال والطعام والشراب، إنه الكرامة والعزة " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون"(انظر د/عبد الكريم زيدان: قيمة الفرد في الإسلام) .
الناس في الشريعة أحرار مكرمون، وكرامتهم ثابتة بأصل الخلقة الإنسانية، مؤمنهم وكافرهم،فالله هو الذي وهبهم الكرامة، وما وهبه الله لا يجوز للدولة انتقاصه، فضلا عن إلغائه، لأن الدولة إنما غايتها حفظ الحقوق، لا العدوان عليها، وهذا المبدأ مهم جدا، لكي لايقول بعض الفقهاء الخادعين والمخدوعين والغافلين: ينبغي الصبر على الحاكم الظالم، تضحية بالعدل من أجل الأمن، فكل أمن يقوم على انتهاك الكرامة، فإنما هو ظلم مبين، وهو من صفات الطاغوت، كما قرر القرآن الكريم، في قصة موسى وفرعون، في مطلع سورة طه"إن فرعون علا في الأرض..
ولكي يتبين أن الكرامة صنو الحياة، ينبغي أن نتذكر أن جهاد العدوان الخارجي بالحسام، وأن جهاد الظلم داخل الدولة بالكلام والسلام، كلاهما فرض عين على الأنام، بيد أن الظلم قد لا يقتل كل الناس، ولكنه يقتل الكرامة والشرف وعزة النفوس، كما قالت بلقيس"وجعلوا أعزة أهلها أذلة"، وهذا شر من القتل، لأن الكرامة صنو الحياة.
2= الحبس للتعويق ومن جعله تضييقا فقد تفرعن:
وبناء على هذه قاعدة الكرامة، صار الحبس في الإسلام هو " تعويق الشخص ومنعه عن التصرف بنفسه، كما قال ابن القيم "الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق ، إنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه ، سواء كان في بيت أو مسجد أو بتوكيل الخصم أو وكيله وبملازمته له".
ونص العلماء على أن يكون الحبس واسعاً ، وأن ينفق على من في السجناء من بيت المال، وأن يعطي كل واحد منهم كفايته من الطعام واللباس، بل إن الإسلام اوجب ذلك للحيوانات بله الانسان. كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه " عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض " .
وأن كونه عقوبة يقتضي أنه لا يجوز أن يسجن المتهم للاستظهار، إلا عندما تكون البينات والقرائن ضده قوية، فعند ذلك يجوز سجنه أمدا قصيرا، ليتبين أمره، لا شهورا طولا، فضلا عن السنين،وقد سبق الإسلام إلى تقرير هذه القاعدة العظيمة دول الغرب الدستورية، ووضع الفقهاء شروطا للسجن سواء أكان سجن استظهار، أم سجن عقوبة، وحددوا ضوابط تكفل كرامة الإنسان،قبل دول الغرب الدستورية أيضا.
ومفهوم السجن عند الفقهاء هو (تعويق الإنسان)، ومنعه من التصرف بنفسه وتحديد حريته، سواءًا أكان ذلك بوضع الإنسان تحت المراقبة أم بإلزامه بالبقاء في مكان محدد، سواء أكان ذلك المحبس مسجداً أم بيتا، أم ملازمة للشخص ومتابعة.
ولذلك نبه ابن القيم إلى هذا المفهوم الذي ظل بعيداً عن التطبيق عند بعض المسلمين، إذ إن مفهوم السجن صار أحيانا تكبيل الشخص بالأغلال والقيود، ورميه في مكان مظلم لا شمس فيه ولا هواء وحيداً مفرداً كالأجرب، في غرفة منعزلة عن العالم، ليكون نهباً لأمراض النفس والجسد والعقل. فقال ((الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق)).
2=العدالة معنى كلي لا تقع بالتبعيض:
كيف نختصر الكلام، عندما نحاول الربط بين أجزاء الصورة المتناثرة، لأن العدالة والحق والفضيلة، لها معنى كلي، ولتحقيقها لا بد من أسلوب منهجي، بدلا من الترقيع والتبعيض، وهذا هو مفهوم تطبيق الشريعة والنظام، إذا لم يكن ثمة ترابط وانسجام، صرنا إلى الظلم باسم الشريعة والنظام.
القاضي يصل إليه المتهمون وقد وقعوا وبصموا في السجن، فيصادق على إقراراتهم ، لم يسأل نفسه: كيف حصل الإقرار؟، هل أنا أنفذ الشريعة، أم أخل بها؟.
الجندي يصل إليه شخص مقيد بالأصفاد، ينزله من السيارة، ولا يسأل ماجرمه؟ هل هوخطير أم عادي؟، هل اتهم بإحراق حي، فيضع في رجليه القيود، ولا يبالي حتى لو مات متهم بشرب علبة لبن بريالين من دكان، في المستشفى، وبيديه القيود، كما قيل عن الشمري، الذي مات في مركز سجن بريدة الجنوبي، ولا أحد يستطيع الكلام، لأن من تكلم صار متهما، حتى يثبت ماقال.
القاضي مرة أخرى قد يصدر حكما على المتهم، بناء على اعترافات معيبة، أحكام قاسية بسنين طويلة، لم يسأل نفسه: لماذا صار فلان ابن جارنا مدمنا للمخدرات؟، وآخر عهدنا به قبل دخول السجن المرة الأولى، بعيدا عن ذلك، كيف وقع في المخدرات، هل استدرج؟، هل أوقع في فخ، لا يهم: حكمت المحكمة الشرعية على متعاطي المخدرات، بالسجن ثمان سنوت، ليكون مصير أفراد أسرته الشتات والفقر والإهمال، وتتعرض زوجته وأطفاله للانحراف والكآبة والأمراض النفسية.
الجندي مرة أخرى ينفذ تعليمات القضاء الشرعي، ولا بأس لو تحول المجرم البسيط إلى مركب، وصار خريج السجون مدمنا منحرفا مريضا نفسيا، فإن ذنبه على القضاة القساة.
ترى هل سأل أحد القضاة القساة نفسه يوما ما: لماذا لا أزور الذين حكمت عليهم بالسجن، مددا طويلة، وأتأكد بنفسي: هل أسهمت في إصلاحهم، أم زدتهم انحرافا؟.
هل تصور أحد القضاة يوما ما أن ابنه أو قريبه، قد يخطئ أو يخدع، ويستدرج و يمكن أن يساق إلى هذا المكان، فيحوله التعذيب، إلى مجرم خطير متمرس، أو إلى هاوية الانتحار أو الجنون، هذا الشعور سيطر علينا حتى أرقنا: لو وقع ابني في هذه الشبكة، ماذا ستكون التنيجة؟، هل ستكون الاغتصاب هل ستكون الانحراف؟ هل ستكون إدمان المخدرات. استر يا ستار. يارب أين بعض القضاة القساة، الذين يحكمون بالسنين الطويلة، وهم لا يدرون ماذا تنتج، وهكذا كل مسئول يطبق العدالة، من خلال نظرة جزئية، من دون نظرة كلية، والنتيجة هي أن العلاج يفاقم الأمراض، ولسان حاله، كما قال الشاعر:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
ب:الوسائل السائدة للحصول على الإقرارات:
1= الزنازين الضيقة :
قادونا إلى زنزانتين ضيقتين، ونحن نعرف ضيق الزنازين في الحائر وعليشة، أما زنازين بريدة فنوع جديد يمتاز بالقذارة الحسية.
فقد كان صنبور الماء مكسورا، وقد سد بسيخ حديد ملفوف بخرقة متسخة، فمن أراد أن يقضي الحاجة أو أن يتوضأ، يحتاج إلى بذل جهد جهيد، لفتحه أو إغلاقه، وكان طفح مياه المرحاض، بالقاذورات.ومن الغريب أن تكون هاتان الزنزانتان ، اللتان بهذا الشكل، خير ما لديهم-كما قال الخفير، وكانت الحشرات ولا سيما الصراصير، تعمر المكان، فضلا عن الحشرات الصغيرة.
لقد جرت العادة المتبعة، أن يقبع السجين شهورا من أجل استظهار أحواله، وخلالها يكتب اعترافا وإقرارا، بما اتهم به، إذ لا يمكن أن تخطئ أجهزة الأمن أمام رؤسائها، ويصدق صعلوك مسكين مهين، وهذه أنواع من الفنون التي تجبر السجين استظهارا على الاعتراف بما يتوهمون، وعلى اعتبارا أن ما مافعله-ولو كان مشروعا في الدين-جريمة في حق ولي الأمر، مع أنها وفاء من الناصح للإمام، وتعزيز لشروط البيعة على الكتاب والسنة.
مفهوم (التعويق) لا يجيز أن تكون الزنازين ضيقة ، كجحور الضبان قانون الإسلام: السجن إنما هو (التعويق)، وليس معناه (التضيق) على الإنسان في زنزانة لا يكاد الإنسان يتقلب فيها. ويجب أن يكون فيها فسحة للنظافة وقضاء الحاجة للوضوء، وأخرى للحركة والمشي، والنوم، لأنه بقاء الإنسان من دون حركة ضار بجسده وروحه، يجب أن تلتزم الدولة بإنشاء زنازين تدخلها الشمس والهواء، وأن تكون مكيفة، فلا تكون حامية في القيظ، ولا قارسة في الشتّاء.
وقد شاع في بعض السجون ، إفراد بعض المساجين في زنازين صغار، لا تتجاوز مساحتها المربعة أربعة أمتار، حيث يأكل الإنسان في جانب، ويتبول ويتبرز ويغتسل في جانب، وينام في الجزء الثالث،كما هو حالنا.
وهو في هذا المكان مفرد كالبعير الأجرب، لا يقربه أحد، ولا يكلمه أحد، والله يقول "ولقد كرمنا بني آدم" وتكريم ابن آدم ثابت للمسلم والكافر، والمجرم والبريء، وهو ثابت للمتهمين من أهل الرأي والعلم، ، كما أنه ثابت أيضا للمتهمين بالتهريب والتخريب والجاسوسية، لأن العقوبات والتعزيرات محددة معروفة، ولا ريب أن الإنسان السوي، وهو اجتماعي بالطبع، كما ذكر ابن خلدون، لا يستطيع أن يعيش منفرداً، لا يأنس بأحد، ولا يكلم أحداً.
كيف يوضع المتهم في السجن الانفرادي، حتى ينتهي التحقيق والاستظهار، حيث لا يسمح له بأن يقرأ كتاباً، أو أن يسمع أخباراً؟ وذلك من أساليب الضغط على الإرادة، لإجبار المتهم على الاعتراف، وقد يستمر التحقيق معه ستة شهور وأكثر.
والذين جربوا السجن الانفرادي يدركون أنه أشد أذى على الإنسان من الضرب، ولأن يضرب الإنسان كل يوم عشرين سوطا؛ أسهل عله من أن يقيم يوما في زنزانة انفرادية.
وذلك لإنها تؤدي إلى الهستريا المؤقتة، وقد تضع السجين على حافة الانهيار العصبي، وقد يتعرض السجين فيها لنوبات من فقدان الوعي، فضلا عن أنه يسلب الرضا والاختيار عند الإقرار، وهي أسلوب من أساليب تطويع الإرادة، لأن الإنسان الذي يخشى على عقله، ومن ثم على دينه وخلقه، مستعد للاعتراف والشهادة بأي شيء يطلب منه.
2= السجن الانفرادي الذي يعرض لعلل النفس والعقل والجسد :
قد لا يعلم كثير من الناس و سيما القضاة، الذين يصادقون على اعترافات المساجين، أنها كلها تنتزع بالسجن الانفرادي، ولا يدركون أن السجن المنفرد يسبب للإنسان العادي متاعب نفسية، تصل إلى الجنون، ولا يكاد يصبر عليه إلا النادر من الناس، لأنه يتجاوز (التعويق) عن الحركة إلى (التضييق) على النفس والجسد والعقل. وفوق هذا وذاك يجبر المساجين على التوقيع على ختام اعترافاته بعبارة تنص على أنه وقع هذا الإقرار، وهو بكامل قواه العقلية والجسدية والنفسية، وأنه غير مكره على ذلك، وهذه عبارة بحد ذاتها تدل على فظاعة الإكراه والقسر
3=السجن الجماعي عدد كبير في غرفة صغيرة:
والسجن الجماعي أرأف بالسجين، ولكنه أيضا ينطوي على تعذيب ظاهر، حين يجمع في زنزانة صغيرة، عدد كثير من السجناء، تضيق بهم حتى يرى بعضهم عورة بعض، وتجدهم فيها مصطفين كأعواد علبة كبريت، بل ربما وجدت أرجل بعضهم، فوق رؤوس بعض، وقد تمددوا كأنهم تكعيبة عريشة العنب، مع أن الأصل في الزنازين الجماعية، أن يخصص لكل فرد منهم ما لا يقل عن ستة أمتار مربعة.
وشر من ذلك أن يجمع في سجون الاستظهار بين متهمين بتهم شتى، وذوى أعمار شتى، -كما في سجننا-ففي غرفة السجن وهي في حدود 8+8 امتار وجدنا مابين 15و 20 شخصا، وفيه شباب مراهقون، وكبار فوق الخمسين، وسعوديون وأجانب،وقيل لنا إن منهم المتهم بالشعوذة وبالاختطاف وبالنشل وباللواط والمخدرات.
فكيف يجمع هؤلاء الأشتات، وثمة خطورة مؤكدة على الأحداث منهم.
وفي هذه الغرفة لا صابون ولا مناديل ورقية، وفيها ثلاثة مراحيض، اثنان منها مسدودان، والآخر يفوح منه النتن ويفيض.
وأرينا أحد قضاة الهيئة المشهد، لكي لانتهم بالكذب عندما نروي مآسي السجون.
وعندما رأى قاضي التحقيق مانحن فيه من قذارة المكان والتضييق،
أمر باخرجنا إلى غرفة(مناوبين قسم الشرطة)التي يظن المدعي أمامكم بأنها غرف خمسة نجوم!، وهي غرفة لا يكاد يبارح العسكر الجلوس معنا، غير أنها لم تدم إذ سرعان ما نقلونا إلى انفرادي القذارة والحشرات.
4=الفرش المتسخة والغرف غير الصحية:
كانت الفرش على مستوى من القذارة لاتصدق ولا تطاق، وكان النتن والعث يتفاوح منها، وكان لونها قاتما، من الوسخ والقاذورات، وكانت جدرانها قذرة جدا، وكان الهواء ضحلا عفنا، لم تجر العادة بتشميس من فيها، كان الإنسان يذوي شيئا فشيئا، حتي يصفر لونه ويبهت، وتتحطم نفسيته، ويصبح جاهزا للإغواء والاحتواء, وهناك قصص تحتاج إلى تثبت عن كل ما يخطر على البال من الانحرافات.
وفي سجون المباحث و لاسيما في مرحلة الاستظهار، يخلع السجين ملابسه ويلبس ملابس زرقاء أو بيضاء قصيرة منكرة، كثياب الجزارين والخبازين، ويخلع حذاءه ويعطى (شبشبا تافهاً، ويمشي حاسر الرأس) وتنزع منه ساعته، فلا يعرف الأوقات، بل إن المسواك، وهو مطهرة للفم،مرضاة للرب ينزع من فم المتهم، وكذلك تسحب سجادة الصلاة كما فعل مع بعض معتقلي الدستور الإسلامي التسعة في جدة، فهل في الإسلام ما يسمح، بهذه الأمور المهينة للكرامة.
5= التقصير في الرعاية الغذائية والصحية:
لقد أمر الإسلام برعاية الأسير حتى لو كان كافرا محاربا، لأن هذا حق إنساني، فضلا عن الأسير المسلم، وقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن السجين بالأسير، لأنه السجن في الإسلام إنما وظيفته (التعويق)، فكيف أصاروا وظيفته (التضييق)، (التعويق) هو منع الشخص من التصرف بنفسه، وذلك لا يلغي حقوقه الأخرى، ومنها الرعاية الغذائية، فمن حق الإنسان أن يحصل على رعاية غذائية وصحية تامة ومن حقه أن تتوافر له رعاية طبية تامة، و لاسيما أن السجناء يعانون من بعض الأمراض التي تستفحل أو تنشأ، بسبب الآلام النفسية، أو قلة الحركة، وقلة الشمس والهواء، كالسكري وأمراض الأسنان والقلب وأمراض المعدة.
وهذا غيض من فيض مارأيناه وعشناه؛ كانت الزنازين (في مركز بريدة الشمالي) أقل سوءا، عندما نقلنا إلى زنازين انفرادية والصراصير تسرح فيها. الصراصير والحشرات والقذارة قاسم مشترك.
بعد نقلناإلى مركز شرطة بريدة الشمالي، وقت الظهيرة لم يصرف لنا وجبة غداء، مع كثرة طلبنا للوجبة رغم معاناة أحدنا من مرض السكر.
فقد جاء عامل النظافة (أو الطعام) البنغالي بوجبة الفطور وطفق يغرف من القدر بيديه القذرتين، ولا بد للجائع من الأكل، ولو كان التقيؤ عقباه. وطلبنا شايا، فرفض إحضاره، لولا بعض العبارات التي نفخت فيه معاني إنقاذ الأسير والمسكين، فرق قلبه فجاء بعلبة زبادي’ندى’ومسحها ببنطاله فصب لأحدنا شايا. وطلبنا منه ماءا فقال(جيب بُطل)يقصد احد قوارير الصحة الفارغة فوجدناها مملؤة ببول أحد المساجين،فطلبنا من الخفير الماء فقال عطني قارورة الصحة أعبئها فلم أجد فنادى للسجين الذي في جواري(إبراهيم عطني قارورة).
كانت درجة الحرارة تصل إلى45 ولاتكييف أو مراوح شفط أومراوح معلقة، كان الماء يتصبب من الجسم كتسرب ماء القربة، ننام هنيهة ونصحو هنيهة، بسبب تسرب العرق فنغتسل،ثم نعود للنوم مرة أخرى، وهكذا دواليك، كل ساعة أو ساعتين.
ثارت الخواطر في الضمائر: ياترى كل هؤلاء المسجونين من الفتيان استظهارا؛ يعانون هذا البلاء، والقضاة يصادقون على إقراراتهم، على أنها شرعية،وبعض من القضاة قساة، لا يدرون ما السجون، فيحكمون أحكاما قاسية، لكي يكون السجن معبر الانتحار والتشرد والجنون ويسمون ذلك تطبيقا للشريعة. مع أن الشريعة ليس فيها من الحدود سجن ، بل هو من الوسائل، التي جدت بعد عصر النبوة وهو للتأديب والإصلاح.
6= احتقار السجين:
على الرغم من التعليمات المكتوبة، التي أصدرتها إدارة السجون، فإنها لا تلاقي تطبيقا مناسبا، فأغلب خفراء السجون يمارسون احتقارا للسجين استظهارا أو عقوبة،فهو عندهم مجرم، والمجرم –عندهم-لا حقوق له، وهم بطبيعة تربيتهم وتدريبهم وعملهم؛ أقرب إلى القسوة، حينما سألنا الخفير: لماذا هذه القسوة والتقصير في النظافة، قال:هم مجرمون، ما يستأهلون إلا هذا.
السجين إذن مجرم، وهو إذن بدون حقوق، هذه هي القاعدة التي آمنا بها في مركز شرطة بريدة الجنوبي، ومركز بريدة الشمالي، وحدث عن جزيرة واق الواق، ولا حرج، ولكن لا ترفع صوتك إلا إذا كنت تؤمن بقاعدة" وامر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك". والخفراء تنتقل لهم توترات المساجين، لا سيما أن عددهم-كما قالوا لا يفي بالحاجة، وهم يكلفون بدوام طويل، خلافا للوائح-كما قيل لنا.
ولا تتوافر-في عدد منهم-الصفات المسلكية، من ما يجعل توزيع المخدرات، والاستغلال المالي واستغلال الأحداث، للشذوذ الجنسي محتملا، وهناك قصص متواترة.
وواضح من ذلك أن التجافي، عن الأسلوب التربوي، هو القاعدة، من ما يفاقم المشكلات،
7= لا مساجد للجماعة في السجون:
السجن في الإسلام سجن احترام، يجب أن يسمح للسجين بأداء العبادة، و أن يتوافر له الماء للوضوء والاستحمام، وأن لا تكون الزنزانة صغيرة، وأن يلتقي السجناء للصلاة، سواء أكانت صلاة جمعة أم جماعة، وهذا الأمر غائب عن أذهان كثير من مصممي السجون الحاضرة، قد تجد في بعض هذه السجون(كالحاير)، مكانا (يفترض فيه) أن يجتمع السجناء فيه للطعام، ومكاناً (يفترض فيه) أن يجتمع السجناء للعب كرة القدم والسلة والطائرة.
ولكن لا تجد فيه مكانا (يفترض فيه) أن يجتمعوا لصلاة جمعة أو جماعة،نعتقد أن ذلك جهل بحقوق السجين، ونستبعد أن يكون تصميم بعض السجون، إنما يراعى أن تكون السجون واجهة إعلامية، للوفود التي قد تأتي لتشاهد وتشهد أن السجون ، وفق الشروط المطلوب توفيرها للإنسان (بموجب المواثيق الدولية) ومعروف أن الدول الكبرى وهيئات هيئة الأمم المتحدة لاتهمها الصلاة، مع العلم أن أغلب السجون التي عرفنا لا تسمح للسجناء-أصلا- باجتماع على رياضة ولا طعام ولا صلاة.
ومنع السجين -استظهارا فضلا عن السجين عقابا- من أداء صلاة الجماعة أو الجمعة في السجن، ليس له مسوغ شرعي، لاسيما إذا كان الهدف منه الضغط على إرادته أثناء التحقيق، أو إجباره على اعتراف أو شهادة أو التزام، أما منع سجين العقوبة، من هذه الأمور فهو جريمة، لأنه داخل في تحويل السجن من تعويق وتأديب، إلى تضييق وتعذيب.
لقد ألح أحدنا في طلب مصحف فسوّف الجندي ولم يستجب، وقد جرت عادتهم على ترك الموقوف والسجين وطلباتهما، وتوسل للخفير فقال له: إن لك نصف أجر القراءة، إذا جئتني بالمصحف، فحركت كلمة الأجر إحساسه وجاء بالمصحف، بعد لأي شديد، كنا سمعنا من قبل أن الموقوفين –في بريدة-يمنعون من المصاحف من قبل، ولكننا لم نصدق، حتى رأينا.
جاء وقت الأذان وأذن أحدنا ، فضج الجنود:لا تزعجونا لاترفعوا أصواتكم بالأذان، يكفي أذان المساجد.
8= الفراغ القاتل و منع الكتابة والأقلام::
وقت الإنسان أثمن ما يملك، ولذلك قيل (الوقت من ذهب) وبين الرسول صلى الله عليه وسلم (أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن عمره فيم أفناه)، فالوقت من أثمن ما يملك الإنسان، وإهدار وقت السجين، من دون نفع خاص أو عام اعتداء على أثمن ممتلكاته، وهو عمره ووقته، لذلك وجب أن يتاح للسجين ما يملأ به وقت فراغه، من كتاب نافع يقرأ فيه، ولاسيما كتب الدين والأخلاق.
وكثير من الدول الغربية تسمح للسجناء بأن يواصلوا الدراسة في المدارس عن طريق الإنتساب، ويتعلموا مهنة كالزراعة والنجارة والحدادة والخياطة، ويتسلوا، ويطردوا الكآبة والتوتر والإحباط.
أما حبس الأقلام والأوراق عن المعتقل ومنعه من الكتابة، فهو منع له من حق شرعي، من دون مسوغ، سلاطين الجور القدامي لم يمنعوا الأقلام والأوراق، عن (السرخسي) الذي ألف كتاب المبسوط وهو حبيس، وسلطان الجبر الجائر القديم، سمح لابن تيمية أيضا بالكتابة، ولقاء الناس من طلابه وأصدقائه وعامة الناس المستفتين ، وسمح لابن خلدون بالكتابة، فالف كتاب العبر،كذلك تفعل الدول
الدستورية جميعآ. أما نحن فنعلن: تطبيق الشريعة، و بسلوكنا المتخلف نفتح الباب الموارب للعلمانية والإمبريالية، ذات الحرية البراقة والعدل الجذاب، فأين نحن من علياء الشريعة؟:
والدعاوى إن لم يقيموا عليها × بينات أصحابها أدعياء
ولقد أولت الأنظمة الدستورية السجناء عناية كبيرة، وحولت كثير من