بسم الله الرحمن الرحيم

      (المذكرة الثانية: نطالب بعلانية المحاكمة/ لعشرة أسباب

      صاحب الفضيلة القاضي بالمحكمة الجزئية ببريدة:

       إبراهيم بن عبد الله الحسني وفقنا الله وإياكم

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      نشير إلى الجلسة الأولى من محاكمتنا يوم السبت 26/8/1428هـ(7/أيلول/2007م )، وإلى اعتراضنا -أثناء الجلسة-على سرية المحاكمة، وفي هذه المذكرة نفصل لكم الأسباب. 

      1= النبي صلى الله عليه وسلم رسخ معيار العلانية:

      إن علانية المحاكمة من أهم وسائل ضمان عدالة القضاء ونزاهته، إن لم تكن أهمها، إنها تأمين مهم لاستقلال القضاء، ووسيلة فعالة لتقوية روح المسئولية، وتحول دون توفر فرص تدخل الحكومة، ودون سيطرة الأعلى على الأدنى في جهاز القضاء، وتدعم ثقة الجمهور.

      لقد سبق الإسلام النظم الدستورية الحديثة؛ إلى تقرير هذا المبدأ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقضي بين الناس في المسجد. وقد علل الفقهاء قضاء النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في المسجد، بأن المسجد "أقرب على الناس في شهودهم" وهذا يؤكد الحرص على شهادة الناس وحضورهم، فثمة إدراك لأهمية حضور الجمهور. من أجل ذلك قال مالك والحنفية والحنابلة: إن المسجد أنسب مكان يقضي فيه القاضي.

      وللقضاء في المسجد فوائد، منها: أنه إعلان للمحاكمة، وهو إعلان أبعد عن التهمة، لأن كل فرد يستطيع أن يحضر المجلس إن رغب، فلا يشتبه عليه المكان، لا يحتاج الغريب إلى من يهديه ولا يحتاج أي إنسان فيه إلى استئذان.

      وقد جرى كثير من قضاة الإسلام على القضاء في المسجد، وهي عادة حميدة لاسيما والقضاء عبادة، من  أفضل العبادات، ولذلك درج كثير من الفضلاء على مزاولته احتساباً دون أجر.

      وتأكيدا لأهمية علانية المحاكمة، ورفضا لكل مسارب القضاء السري؛أحرق عمر بن الخطاب، دار أمير الكوفة أبي موسى الأشعري ، لما جعلها أبوموسى مكانا للقضاء، ولو كانت أمرا اجتهاديا  للقاضي حق بتحويلها إلى سرية، لما أحرق الخليفة الدار، فقد نص الفقهاء على وجوب أن يقضي القاضي علناً، وحددوا معيار العلانية ؛ في مكان القضاء:

      -أن يكون في مجمع الناس.

      -وأن يسهل على الناس الحضور والشهود.

      ونص بعضهم على حضور الفقهاء، وأهل العلم والرأي والمشورة.

           واشترطوا في أي مكان يقضى فيه كالدار والمكتب شرطين:

      من خلال تقرير الإسلام مبدأ علانية الجلسات، يتبين حرص الإسلام على مبدأ الشفافية، لأن العلانية جزء من الشفافية، وكل وسيلة تحقق العدل، ولا تعارض نصوص الشرع، فهي من الشريعة، وإن لم ينزل بها الكتاب، ولا فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، كما قرر الفقهاء كابن عقيل وابن القيم في غير هذا السياق.

      إن عنصر الشفافية والعلانية شديد الارتباط بالاستقلال والمسئولية، إن تقديم معلومات مبهمة أو ناقصة أو غير صحيحة يفضي إلى التضليل، وإلى إضعاف الثقة بالقضاء، ولذلك فإن النزاهة والحياد والمساءلة وثقة العامة مسائل أساسية، في معيار الشفافية.

       بل إن الطبيعة المغلقة لأي تنظيم، فرصة للإخلال بالإدارة الجيدة. وما لم يتوغل مبدأ الشفافية في مختلف مجالات القضاء، فلن يحصل المصلحون داخل السلطة القضائية وخارجها ولا الشعب؛ على المعلومات اللازمة لتقييم الإصلاحات ومتابعتها، وإن ثقافة السرية والانغلاق تحول دون تنفيذ أي مبادرة إصلاح. لأن المصلحين لن يحصلوا على المعلومات والأدلة التي يحتاجون إليها لتعزيز العدالة، ولن تتعزز الثقة في السلطة القضائية، من دون وضوح المعلومات

      وعلانية المحاكمة باب عظيم من أبواب سد ذرائع الفساد، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وفي العلنية صيانة لهيبة القضاء والقضاة عن الشائعات،كما في الأثر:"رحم الله امرءا كف الغيبة عن نفسه".

            وضع الإسلام العلانية لعدالة المحاكمة، لأن الإعلان بيان ونور، والإخفاء مظنة الكذب والجور ، ولذلك أمر الله بإعلان كل أمر مشروع ، فأمر بإعلان الزواج، ونهى أن يكون  الزواج سراً، لأن السرية مظنة الفجور، فقال تعالى ((ولكن لا تواعدوهن سراً))، وكذلك المحاكمة فإن إعلانها مظنة العدل، وإسرارها مظنة الجور والبغي كما قال الشاعر:

      الستر دون الفاحشات ولا       يلقاك دون الخير من ستر

      ولم يعرف القضاء الإسلامي طوال العصور الغرف المغلقة ولا المحاكمات السرية.فالعلانية والشفافية هما إحدى سمات القضاء العادل عبر العصور،في كل أمة وملة، ؛ ويعتبر اليوم من المعايير الدولية لاستقلال القضاء، التي يقتضيها الحكم بالعدل، في الدول الدستورية(انظر: معايير استقلال القضاء الدولية، في بوتقة الشريعة الإسلامية:المعيار الرابع عشر والخامس عشر: 110-115)، وهو أهم بنود عدالة القضاء السبعة، التي أقرتها الأمم المتحدة، ووقعت عليها الدول، ومن ضمنها المملكة.

        فهي عرف شرعي، عرفه المسلمون قبل أربعة عشر قرنا، من كونها معياراً دوليا رئيسياً، من معايير نزاهة القضاء واستقلاله عن الحكومة.  
 

      2=ارتباط علانية المحاكمات برقابة الأمة على القضاء:

            وحضور الجمهور جلسات القضاء، له علاقة بتسهيل الرقابة الشعبية على القضاة والأمراء، وقد يغفل بعض الناس عن أن نزاهة القضاء وعدالته، لا يمكن أن تضمن من دون رقابة الشعب.

      وهذه المعايير منطلقة من أن القضاة ليسوا إلا جزءاً محدوداً من المؤتمنين على العدل والشرع، ورقابة الشعب على القضاء والقضاة مبدأ دستوري، لم يغفله الإسلام.لأن الأمة في الإسلام، هي المكلفة بحفظ الشرع، لأن الأمة هي الحافظة للشريعة، لا القضاة والفقهاء والأمراء وحدهم ، كماقال الإمام بن تيمية، رحمنا الله وإياه وإياكم:"الأمة هي الحافظة للشرع".

      وبناء على قاعدة أن الأمة هي الحارسة للشرع ، تتأكد مشروعية حضور الناس أي محاكمة؛ قاعدة قضائية ،لا يجوز التهوين من قدرها، أسس لذلك الدليل العام في قول النبي صلى الله عليه وسلم " الناس شهود الله في أرضه " فليست حراسة العدالة مقصورة على القضاة، بل هي لعموم الأمة، وليست حراسة الشريعة من اختصاص الفقهاء وحدهم، لكي يقال لا فرق بين السرية والعلانية، أو يقال إن من صلاحيات القاضي أن يحولها سرية.

      لا يستقيم مبدأ السرية في المحاكمات المتعلقة بالشأن العام للأمة، ما دامت الأمة هي الحافظة للشرعة، لا الإمام ولا القضاة ، ولا الفقهاء وحدهم، لأن مقتضى تبعة الأمة في حفظ الشريعة، أن يكون لها حق المتابعة والمراقبة، على وسائل تطبيق هذا المقصد الشرعي، لذلك جاء معيار الشفافية والعلانية، بصفتهما معيارا إسلاميا لعدالة القضاء ، قبل أن تقرر الدول الحديثة ذلك بأربعة عشر قرناً .

      وتأسيسا لمبدأ رقابة الأمة، جاء قوله صلى الله عليه وسلم "الناس شهود الله في أرضه"، ولكي يشهدوا ينبغي أن يحضروا.

           وفوائد حضور الجمهور كثيرة، ولاسيما المحامون، الذين يتمكنون من أخذ العبر والخبرات والدروس، ويعرفون حقوقهم وحقوق الآخرين، ولا سيما أهل الصحافة والاعلام وأهل الحسبة المهتمون بحقوق الإنسان.إنهم من شهود الله في ارضه، على مدى عدالة القضاء.  

        وهذا المبدأ لا يمكن إجراؤه في الدولة الإسلامية الحديثة،إلا  بفتح أبواب المحاكمات، لحضور أربعة أصناف من الناس:

      -المحامون.

      - ودعاة حقوق الإنسان.

      - والإعلاميون.

      - والمهتمون بالشأن العام.

      - وبإعلان المحاكمات بوسائل الإعلام.

      ومن أجل ضبط معيار العلانية في المحاكمات السياسية بمسطرة، جاء التأكيد على حضور أربعة أصناف من الناس: هم المحامون ( غير محامي المتهم ) ودعاة حقوق الإنسان وأهل الإعلام والمهتمون بالشأن العام، هؤلاء يمثلون الأمة، في ممارسة حقها، في الحراسة والرقابة، وفى الإطلاع على ما يجري في أروقة المحاكم، ومتابعة العدالة وكشف ما يحتمل حدوثه من تجاوزات.

       والإعلام سلطة رابعة، تحرس العدالة، والقضاة على فضلهم، ليسوا معصومين عن الزلل. وتنص المواثيق الدولية على أنه"لا يجوز استبعاد الصحافة والجمهور من المحاكمة، إلا لاعتبارات تتعلق بالإضرار بصالح العدالة، أو بالأسرار الزوجية".

      وتنفيذا لمبدأ سيادة الأمة على حكامها وقضاتها، ينبغي أن يتأكد تأكد الأمة من حياد القضاة:إذ لا يكفى أن يكون القضاة محايدين ونزهاء وعادلين، من وجهة نظرهم، أو من وجهة نظر السلطة القضائية، بل ينبغي أن يقتنع الجمهور بعدالتهم، فالناس شهود الله في أرضه،كما جاء في الحديث الصحيح،بل ينبغي أن تعتبرهم الأمة محايدين، ولن تعتبرهم العامة محايدين، إلا عندما تراهم يمارسون حقوقهم في حرية التعبير والتفكير والاجتماع، وتراهم يطبقون الوقائع، على أسس قضائية محددة، تحفظ كرامة مناصبهم، و لن يتأكد الجمهور من كونهم عادلين، مادام لا يراهم يطبقون الوقائع، على أسس قضائية محددة موحدة مدونة معلنة، بحيث تتجانس الأحكام إذا تجانست القضايا، من دون تذرع بالاجتهاد.ولن يعتبرهم محايدين إذا كان تنظيم الجلسات، وضبط النظام، بأيدي أجهزة أمنية، تابعة للسلطة التنفيذية، لأنها تثير التوجس والتخوف. ولن يتأكد الجمهور من كونهم عادلين، ماداموا يؤثرون بت القضايا في غرف مقفلة الأبواب، مخلين بمبدأ علانية وشفافية القضاء.

      من دون هذه الوسيلة لن تكون أي محاكمات عادلة.

      لا تكاد تتحقق النزاهة إلا في محاكمة علنية، ذات إجراءات محددة، ونصت المواثيق الدولية على علنية المحاكم ، وعلى السماح للعامة بالاطلاع على القواعد القضائية وقرارات المحاكم التي هي نتيجة تطبيق الوقائع على القواعد ومعلوماتها، من ما يدل على فاعلية القضاء ويعزز احترامه.

      فجلسات القضاء لا يجوز أن تكون سرية، ومبدأ سلطة الأمة على قضاتها؛ يقتضي حضور المواطنين، جلسات المحاكم، ولا سيما عرفاء الأمة وعيونها وآذانها، من معنيين بالشأن العام ومحامين ومتابعين ما يدور في الجلسة، بل ومراقبتها،ولا يجوز للقاضي منع أي شخص من الحضور، إلا في حالات محددة محصورة، كبعض القضايا الزوجية، أو لامتلاء القاعة، أو خوفا من حدوث انتقام، يقوم به أهل المدعي ضد المدعى عليه في القاعة،أي  ينبغي أن تكون العلانية هي القاعدة، وأن تكون السرية هي الشذوذ المبرر المحدد المحصور.

      إن مبدأ العلانية أهم معيار يقاس به استقلال القضاء، من خلال الرقابة الشعبية .

      والمحاكمة العلنية هي النمط المعترف به عالمياً اليوم ، حيث تنص المواثيق الدولية على ضرورة أن يؤمن لكل متهم محاكمة عادلة علنية، بواسطة محكمة مختصة مستقلة حيادية (انظر الماده 14 وبنودها السبعة من حقوق الإنسان)

      حضور المحامين والإعلامين والمهتمين بالشأن العام،يسهم في  شيوع الأمن  والعدل، باعتبار هؤلاء هم عيون مراقبة ومتابعة العدالة، وظيفتهم التجول داخل الأروقة، و التحديق في ما يجرى داخل الغرف المغلقة، وهم يحققون جانب (الاحتساب) في التناهي عن المنكرات، إنهم عون للقضاء لكي يسد مسارب التدخلات.الجمهور أو المجتمع الأهلي هو حامي سور العدالة، هو حامي استقلال القضاء.

      لقد مضى عصر اعتبارهم الجماهير رعاعاً لا يفهمون وسقطت أقوال بعض الفقهاء[التي تحرف الشريعة] فتقول: أن الجماهير رعاع إذا اجتمعوا ضروا , وإذا تفرقوا نفعوا فالجماهير هم المجتمع الأهلي المدني , هم الذين يقفون مصاد لرياح الهوى والإخلال.

      

      3=العلانية تسهم في حماية القضاء والقضاة العادلين من التعسف :

      وأسلوب العلانية-وفقنا الله وإياكم- فعال في تعزيز استقلال القضاء، عندما يتيح القاضي للطرفين فرص الادعاء والرد، ثم يصدر أحكامه-أيضا- في جلسات علنية، بناء على أدلة تقدم بصورة قانونية، أثناء إجراءات الدعوى، ويسعى إلى تبرير وتسبيب مقنع للأساس القانوني، الذي أصدر الحكم بناء عليه (دليل استقلال القضاء:134).

      فالعلانية تحد من الضغوط، وتحفز القاضي إلى إقناع من يقرأ الحكم،.وهي أيضا تعري القضاة الفاسدين، المذعنين للتدخلات، وتحمى العادلين الذين يرفضون الضغوط والهوى، وتكشف للناس مدى حياد الحكومة،وذلك يحد من ضغوط الحكومة على القضاء أيضا. وهذه الإجراءات من ما يعزز العدل.

              فالجمهور هو (الحجا) الذي يمنع تسربات المياه، والرياح والأتربة من دفن القليب. فالقاضي عز الدين بن عبدالسلام، لم يستردد استقلال القضاء، إلا بسور الجمهور،.فإن القاضي مهما ملك الإخلاص والشجاعة والإنصاف، من دون الجمهور ضعيف، يصبح مثل قاضي قم الذي عزلته رغبة سلطان عباسي في مراعاة السجع، عندما بدأ جملة:

                               أيها القاضي بقم

      فلم يجد كلمة تتم السجع إلا قم، فقال:

                   قد عزلناك فقم.

      إن محصلة ذلك كله، أن استبعاد الصحافة والجمهور من الحضور، وذلك مخالف لقاعدة العلانية المعروفة في الشريعة، فالسرية مظنة السوء أياً كان نوعه، هذه القاعدة إسلامية، قبل أن تجئ في المواثيق الدولية، التي وقعت عليها المملكة؛ في وثيقة حقوق الإنسان (المادة 14 بنودها السبعة التي تنص "لا يجوز استبعاد الصحافة والجمهور من المحاكمة".

      ومنع رجال الإعلام والصحافة من الحضور، تهوين من قدر السلطة الرابعة،يؤدي إلى تعتيم الرأي العام وتضليله، كما أنه يدفع الصحفيين الذين يهمهم سرعة نشر الخبر، والرغبة  في السبق، إلى نشر انطباعات غير صحيحة، تضر بسمعة العدالة عموما، والطرف الأعزل خصوصا.

      إن ضعف الشفافية في أي إدارة؛ يفتح النوافذ لتكاثر الأخطاء والأغلاط، وحشرات الفساد، كما أنه يسهم في النيل من سمعة القضاء والقضاة.

      والقضاة عندما يميلون إلى السرية، -وفقنا الله وإياكم- يعرضون عن بناء علاقة إيجابية مع الجمهور، تقنع الجمهور، بإخلاصهم للعدالة، يفتقدون عنصراً مهما جدا، في الحفاظ على استقلالهم، إذ لا يمكن أن يستقل القاضي و يأمن من التعسف في النقل والعزل، ما لم يكن الجمهور المقتنع بعدالته، حاضرا للدفاع عنه.

      القضاء يستمد مبدأ استقلاله من شيئين: نظام القضاء و ضمائرالقضاة، ولكن الأنظمة يمكن تغييرها، والضمائر يمكن تضليلها وتذليلها، فما العلاج؟؟.

      القاضي يحمى المواطنين العزل والضعاف، وهو ملاذ المظلومين الباحثين عن الإنصاف، القاضي هو حصن المظلومين فمن أين يستمد حصانته، من يحمى القاضي من التعسف؟.إنه سور الجمهور، كما قال تعالى (( ولولا رهطك لرجمناك, وما أنت علينا بعزيز)).

      [القاضي] عز الدين بن عبد السلام، من الذي أتاح له أن يحاكم العابثين بأموال الشعب، من الذي أتاح له أن يرجع معززاً مكرما إلى سدة القضاء؟ إنه الجمهور، لقد ضاع الفقهاء عندما ركنوا إلى سلطة الحكومة، وغفلوا عن أهمية الاستناد إلى سلطة الجمهور، انكمشوا وكأنهم نسوا قول عمرو بن معدى كرب:

      فلو أن قومي أنطقتني رماحهم     نطقت ولكن الرماح أجرت

      فـ[القضاة السعوديون] أمثال ابن عتيق والخريصي ومحمد بن تركي، وابن إبراهيم وابن حميد -رحمنا الله وإياكم وإياهم- لم يسندهم إلا الجمهور، عندما ضعف جمهورهم اضطروا إلى الانكماش.القضاء لا يحمى بالأنظمة على أهميتها ولا يحمى بالضمائر على أهميتها، سوره الحقيقي هو الجمهور. وبالجمهور يحمي القضاة العادلين من رياح التدخلات.

      فالقضاة العادلون لا تضرهم علانية المحاكمة، بل تسهم في دفع الضغوط عنمهم، وهم أكثر الناس استفادة من تعزيز استقلال القضاء ، وهم أكثر اطمئنانا على حصانتهم في جو المحاكمة العلانية، إنهم أكثر الكاسبين من ترسيخ قاعدة العلانية عرفا قضائيا.

      والمجتمع الأهلي من فقهاء وأهل إعلام ومحتسبين ومثقفين، وأفراداً وهيئات من من يعملون في مجال حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، كل منهم مسئول عن متابعة كل ما يجرى، ومعالجة ما يحصل من أخطاء. مطلوب منهم أن يقدروا علانية المحاكمة حق قدرها،إنهم مع القضاة من السدود التي تسد المنافذ عن أي تعذيب جسدي أو نفسي يقوم به البوليس،أو انتهاك قضائي يقع بالتدليس وإذا صارت المحاكمات السرية ديدن القضاة النزهاء ؛ سيقرعون اسنان الندم ، لأنهم عرضة للأذى والتدخلات والأحكام المملاة، إن استقلال القضاء يهدم لبنة لبنة،  وبناءه يكون لبنة لبنة, وعلى الفقهاء والقضاة والعلماء والمفكرين والمثقفين، أن يسعوا إلى تعزيز استقلال القضاء, في أي موقع كانوا.

      ولو أن أهل العلم صانوه صانهم       ولو عظموه في النفس لعظما 
 

      4= العلانية تحمي المتهم عندما تكون الحكومة خصيما

      ولإيثار القضاة سرية المحاكمات تداعيات، تشجع على إذعان بعض القضاة لإملاءات السلطة التنفيذية، المباشرة وغير المباشرة، كما أنها تسهل اختراق جهاز القضاء، ولاسيما في المحاكمات السياسية.

            لكن المحاكمات السياسية ذات خطورة ، ولا سيما إذا كان المتهم موقوفاً ، كالخصومة بين فرد أعزل وقوة الدولة ، من أجل ذلك لا يصح في مقاصد الشريعة أن يترك للقاضي حرية تحويلها إلى سرية ، لاحتمال حيفه ، وضغوط  السلطة التنفيذية .

       من أجل ذلك -وفقنا الله وإياكم- يمكن صياغة المبدأ الإسلامي بالعبارة التالية : يجب أن تكون المحاكمة علانية ، وكل محاكمة سرية -في الخصومة بين الأفراد والحكومة- فهي غير عادلة، وهي إذن  باطلة إلا إذا تراضى الخصمان على تجنب العلانية .

      وأي محاكمة سرية ولاسيما إذا كانت سياسية، فإنما هي باطلة، لأن العلانية تسلط الضوء على ما يحتمل حدوثه في الكواليس، ، فإذا أقام القضاء محاكمات سرية، احتمل أن يكون دوره التدليس، على ما يحتمل أن يمارسه السجانون في زنازين البوليس، وإذا التزموا العلانية كشفت ما في الزوايا من خفايا

      إن من ما يعزز سمعة القضاء واحترام الجمهور له، قدرة القضاة على إعلان عدم دستورية بعض القوانين وأعمال السلطة التنفيذية، ورفضهم الأوامر أو القوانين المخلة بالعدالة (الإجراءات المؤسسية والأنظمة المؤسسية التي تعزز استقلال القضاء: مجموعة من القانونيين: دليل: 47)، والعلامة الفارقة على عدالة القضاء في كل مكان وزمان؛ أن يستطيع أن يحكم للأفراد على الحكومة، وهذا الأمر لايتحقق في المحاكمات السرية

      وعلانية المحاكمات  تكشف عن الخلل في تحديد المسئولية،وتضبط أن تكون إحالة القضايا على القضاة ذات طابع قضائي محض، طابع موضوعي، لا صلة له بنوع الحكم المتوقع من قاض دون آخر، وأن لا يكون للإحالة طابع سياسي في القضايا السياسية .

       وقد لوحظ في التطبيق السائد في أوربا الشرقية ونحوها، مخاطر غيبة الشفافية حين يستطيع رئيس المحكمة؛ توزيع القضايا على القضاة، من دون معيار الشفافية فيؤثر ذلك على النزاهة و يوفر سبل الفساد، ويعزز سيطرة المنصب الأعلى على الأدنى، ويتيح فرصا لتدخّل السلطة التنفيذية، فتستطيع أن تؤثر على الأحكام في القضايا السياسية، عن طريق التفاهم مع رئيس المحكمة لإحالة بعض القضايا إلى قضاة يوافقون هواها. وأخطر ما يكون ذلك في القضايا التي فيها نزاع بين الدولة والأفراد و لاسيما قضايا الموقوفين.

             فإن جاز الاستثناء في المحاكمات العادية، من العلانية؛ فإنه لايجوز في المحاكمات التي طرفها الدولة، لأن ذلك مظنة التفريط بحقوق المتهمين. والمحاكمات السياسية في العالم لا تكون سرية إلا في الأنظمة الدكتاتورية(المستبدة)، التي لديها ما تخفيه، عن عيون الشعب، وهي المحاكمات التي توصف بالعسكرية.

      والإعلام عندما ينشر وجهة نظر الأجهزة الأمنية، يسهم في تضليل الرأي العام ويكثف الضغط على القضاء. وعندما يجنح القضاء إلى السرية ويتجنب الشفافية، يكون الإعلام والقضاء معا،شريكين في تشويه سمعة الطرف الأعزل، والدوران يتكاملان، للوصول إلى محاكمة غير عادلة.

      إذا تأملتم -وفقنا الله وإياكم- ماتفوه به بعض المسؤولين والصحفيين من حملة علينا منذ اعتقالنا، وربط لنا يوحي بدعم العنف؛ تبين لكم أن المحاكمة السرية، بصرف النظر عن النيات، تفضى إلى تحيز قضائي، يضاف إلى تحيز الإعلام، وهذا وذاك يعتبران من وسائل التأثير على سير العدالة.

       ولذلك فإن ما جرى قرائن تدل على أن أي محاكمة سرية؛ -ولو كان مقصودها حسنا-تفضي إلى الإخلال بحياد الهيئة القضائية، وتؤدي إلى انحيازها للطرف الأقوى وهو الدولة، ضد الطرف الأعزل وهو الأفراد، وتزيد تدخلات أجهزة المباحث ضراوة، كما بدا لنا من أول جلسة، من هيمنة رجالها على مفاصل وأبواب المحكمة.

      أن العلنية هي أصلاً لمراعاة مصلحة المتهم، ومصلحة المتهم قاعدة كلية، وهي مصلحة محققة لا تلغي بمصلحة متوهمة، أو بمفسدة متوقعة ، ومصلحة المتهم تتأكد عندما تكون الدولة خصمه ، وتتأكد الحاجة إلى العلانية، عندما يكون موقوفاً، أو شبه موقوف(مفرجا عنه بالكفالة)،وليس هناك من مصلحة في أمور المعاملات، إلا وفيها جانب من المفسدة ولكن العبرة بالتغليب.

           وسجناء الرأي والتعبير منذ قيام المملكة؛ يشهدون كيف كانت تقام لهم محاكمات جائرة، ظاهرها الحكم بالشريعة، وباطنها الحكم بالجور والهوى، بسبب تدخلات السلطة التنفيذية وبسبب ركون القضاة إلى اجراءات واجتهادات ، من فقه الضرورة الذي نما فى ظلال الحكومات الأموية والعباسية والمملوكية، الذي أخل إخلالا كبيرا بحقوق الإنسان وحقوق المتهم والسجين.

      من أجل ذلك جاءت المعايير الدولية لتنص على مفهوم محدد لعلانية المحاكمات العلنية، لا مجال فيه للاجتهاد والتدليس، فكلما كانت القضية عامة أو سياسية كلما كانت العلنية ضرورية. فحتى قتلة السادات في مصر، والمتهمين في اليمن بتدمير (كول)ظفروا بمحاكمة علنية.

      في الخصومات العادية يستطيع أي قوي ظالم أن يزيف أدلة وشهودا على غريمه،فيسلبه أرضه أو ماله أو يدخله السجن، ومن المفترض في السلطان أن لا يستخدم سلطته في فبركة التهم وهذا هو الأصل، ولكن باب الاحتراس ينبغي أن نحتاط له، ومن سبل الاحتياط؛ حضور الجمهور، لكي لايكون التعتيم طريقا إلى التشويه والتحجيم.

       إن القضاء النزيه، لا ينحصر تقرير العدالة فيه على  ضمير القاضي، ونزاهته، فهذه مسألة مهمة، ولكن الضمير وحده لا يكفي، فالسرية من مداخل الضغط على رؤوسهم، ومن مداخل التدليس على ما يجري في عنابر السجون والبوليس، ونحن -ولا سيما أثناء محاكمة دعاة العدل والشورى والحقوق الثلاثة-قد ترددنا على السجون و المحكمة، وعرفنا غرف المحاكمات السرية، وأسماء المدلسين عليها وأبطالها، فهل يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟. 
 

      5=دعاة الحقوق والمحتسبون –على العموم -مستهدفون بالتشويه والتلفيق:

          نحسب هذه المحاكمة ستكون من أشهر المحاكمات في القصيم ، في قضية من قضايا الاحتساب على السلطان في باب الأمر بالعروف والنهي عن المنكر، في مجالات العدل والشورى وحقوق الإنسان, لفردين من تيار المطالبة السلمية بشرطي البيعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي ضامنها الدستور والمجتمع المدني.

      هؤلاء -وفقنا الله وإياكم- معرضون للتشويه والطعن من الخواصر،وإن وجدوا ما يواسيهم ،في كلمات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، كشعار المشاركة الشعبية، والحوار الوطني، والرغبة في ضرب هامة الظلم بسيف العدل.

       وما تعلنه القيادة يحتاج من أجهزة الحكومة إلى تعريف موظفيها بالإجراءات العدلية، التي أصدرتها الدولة، لكي لا يتخبطوا حقوق الإنسان والمتهم، ويحتاج من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان؛ الإصرار على حقوقهم التي قررها النظام، واستعدادهم للدخول في مشروع العدل والشورى، الذي أعلنه الملك: رجل الإصلاح الأول، بالنضال والجهاد السياسي السلمي، ليجتاز الجميع وعثاء طريق صحراوي، حافل بالمشقات والأوحال والانعطاف بين الوهاد والوديان والتلال، ويدفعوا نصيبهم من فاتورة الإصلاح، سجنا وتوقيفا، ومنعا من السفر، وصبرا على مؤذيات التنصت على المهاتفات، ومتابعة بالسيارات،وانتهاكات مستمرة للخصوصية، وترويعا لمن حولهم.

      ولكل دوره في الطريق الذي أعلنه الملك: رجل الإصلاح الأول،  بتعاون كل السائرين في طريق العدل والشورى والحقوق، الذين يحافظون على البيعة على الكتاب والسنة، بصفتها عقدا يتواصون بشرطيه: العدل والشورى، في الإطار الرسمي والشعبي معا،. وننتظر أن يدرك إخواننا ثقل التبعة و الأمانة، وأن  لكل دورا ينتظره.

      والمطالبة السلمية بشرطي البيعة الشرعية؛ على الكتاب والسنة؛ هي عند الحديث عن المبادئ(الإجرائية): العدل والشورى وحقوق الإنسان، وعند الحديث عن الوسائل: الدستور والمجتمع المدني.

      وبهذا يتضح-وفقنا الله وإياكم- أن أعضاء جمعيات حقوق الإنسان من المجاهدين المحتسبين، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر باللسان.

      ولأنهم أكثر من غيرهم عرضة للتوقيف والأذى والتشويه في أغلب الدول العربية ،

      ومن أجل ذلك يصرون على علانية المحاكمات، لأنها هي القانون الفعال الذي يحد من تجاوزات الذين ينتهكون حقوق الإنسان، كالتوقيف المتعسف، والإيقاف دون محاكمة، والتعهدات الظالمة والمنع من السفر و من المضايقات الظاهرة والباطنة التي يتعرض لها الآمرون بالمعروف عموما والعدل والشورى وحقوق الناس خصوصا.