نواة هذا البحث ألقيت في (مؤتمر العدالة الثاني) المنعقد في القاهرة خلال22-24فبراير2003م/، بصفتها مقدمة للبحث الرئيسي(استقلال القضاء السعودي: عوائقه وسبل تعزيزه)، وأعيدت الكتابة بعد المؤتمر على هذه الصورة، متحرية التعميق والتأصيل والشمول، مستفيدة من أبحاث المؤتمر نفسه و غيرها.
04/06/1427
[1]
شــــكــــر
أشكر العلماء والباحثين من القضاة والفقهاء والمحامين، الذين تكرموا بقراءة مسودة البحث، وزودوني بملاحظاتهم، فاستفدت من ثمرة قراءتهم،-في الطبعة الأولى-:وأخص بالذكر منهم:
1-المحامي/ سليمان بن صالح الرشودي: القاضي السابق وأحد مؤسسي أول لجنة أهلية لحقوق الإنسان(في السعودية) سنة 1413هـ/1994م
2-المحامي/عبد الله بن محمد الناصري/الناشط الحقوقي/والمتخصص بالفقه والقضاء الإسلامي.
3- المحامي:فيصل بن محمد اللزام/ مستشار قانوني
4-المحامي:إبراهيم المبارك/ متخصص بالفقه والقضاء الإسلامي
وأخص بالذكر منهم-في الطبعة الثانية-:
6-القاضي:
7-المحامي:
8-المحامي:
[2]
بسم الله الرحمن الرحيم نبدأ وبه نستعين
وصلى الله وسلم على النبي البشيرالنذير القائل:
"القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار".
بهذا الحديث أكد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفتين الأساسيتين في القاضي: الثقافة القضائية والضمير, وأكد على أن من قضى بثقافة قضائية من دون ضمير فهو في النار، ومن قضى بضمير من دون ثقافة قضائية فهو أيضا في النار.
[3]
المقالة الأولى: فاتحة
ما سبب قوة الروم والإفرنج
وضعف العرب والمسلمين؟
أ- تقوم الساعة والروم أكثر الناس:
أخرج مسلم في صحيحه أن المستورد القرشي رضي الله عنه،قال في مجلس عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تقوم الساعة؛ والروم أكثر الناس".
فقال عمرو بن العاص:أبصر ما تقول فقال المسور:أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمرو بن العاص:
"لإن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا:إنهم لأحلم الناس عند فتنة.وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة.وأوشكهم كرة بعد فرة.وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف.وخامسة حسنة وجميلة:وأمنعهم من ظلم الملوك"(جامع الأصول لابن الأثير:9/225).
ولم تحصل للروم مثل هذا القوة ، إلا لأنهم عرفوا ما شروط إقامة الخلافة الإنسانية وشروط عمارة الأرض، عندما أدركوا كيف كيف يتكتلون جماعات أهلية، تبلور مصالح الأمة، وتحمي القضاء، وتراقب أداء الحكومة وتحاسبها. وهذا هو سبب قوة الدول الأوربية.
[4]
ب- هل يدرك أمراء الاستبداد وفقهاء التهاون، فحوى الحديث:
هذا الحديث المرفوع وتفسيره الموقوف لاتؤمن به الدولة العربية، ولو آمنت به لأقامت الحكم الدستوري، فأنشأت السلطة النيابية وعززت استقلال القضاء، فصار سلطة مستقلة، وفصلت بين السلطات الثلاث، ودعمت المجتمع الأهلي المدني،لكي يجد القضاء على استقلاله دعما شعبيا، فيمنع الناس من ظلم الملوك.
هذا هو الشق الثاني من العقيدة الإسلامية، السمو المدني الذي همشه الفقهاء وعلماء العقيدة، ولو أعطوه واحدا في المئة من جهودهم في نفسير أحاديث وآيات الصفات، أو بيان أحكام الطهارة من النجاسة، لما أصبحنا اليوم غثاءا كغثاء السيل:
فقل لمن يدعي في الدين معرفة حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
لم لم يقّدر فقهنا الشائع شطر الإسلام المدني حق قدره،ولم يلاحظوا أن تضييع القيم المدنية كالأمانة والحكم، يفضي إلى ضياع الصلاة،كما أشار الحديث الصحيح"أول ما تفقدون من دينكم الحكم، وآخر ما تفقدون منه الصلاة"
[5]
المقالة الثانية:
تعريف استقلال القضاء
أ-المفهوم والمصطلح:
يقصد باستقلال القضاء أن يكون محققا كل ما يضمن حقوق الناس، من قواعد المباديء العادلة، في حقوق الإنسان والمتهم، وما يلزم لتحقيق العدالة من إجراءات وآليات وهياكل.
المقصود بالاستقلال، أن تكون هناك ضمانات لعدالة القوانين والقواعد القضائية، وضمانات لنزاهة التطبيق.
أما وضع هذه ضمانات العدالة والنزاهة تحت مصطلح (الاستقلال)، ففيه إشارة إلى أن أبرز مظاهر العدوان على عدالة القضاء وأخطرها، هو تدخلات السلاطين المستبدين وأهواؤهم.
وعندما ينادى بالقضاء المستقل؛ فإن المعنى الايجابي الأساسي هو استقلاله عن الحكومة، فلكي يكون القضاء عادلا، لابد أن يكون مستقل الشخصية، فلا تستبد الحكومة، في تعيين قضاته، فتعين من داهنها ، وترقّي من باع ضميره وحكم لها عند الخلاف، وتعزل من عرفه الناس بالإنصاف و بقوة الشخصية.
وأن يستقل القضاء في ميزانيته المالية وكوادره الإدارية، فيقدر ماليته بنفسه، ولا تكون نفقاته شحيحة، تقلل من فعاليته، وأن تعاقب أي جهة من السلطة التنفيذية، تحاول مجرد محاولة أن تؤثر على قراراته، وأن تكون للقضاة حريتهم في التجمع والنشر، والتعبير عن موقف القضاء تجاه أي قضية، وأن يكون من حق القاضي رفض ونقض أي قانون أو أمر يخالف العدالة، مهما كانت منزلة مصدره.
وأن لا سجن سجين إلا بحكم قضائي، وأن يشرف على السجون فيخرج من السجن كل متهم لا حكم عليه، و أن يضمن القضاء مواصفات للسجون تليق بالكرامة الإنسانية، وأن تنفذ أحكامه في وقت قياسي، وأن يكون قادرا على أن يلزم السلطة التنفيذية، بتنفيذ كل حكم يصدره، وأن يضمن التنفيذ السريع، كأن يقوم هو نفسه بالتنفيذ.
وبعبارة أخرى ركز على جعل استقلال القضاء عنوان العدالة، لأن أي قضاء لا يستقل عن الدولة، لا يضمن أن يكون عادلاً. وهذه المعايير ضمنتها الدول الحديثة هذا المصطلح، حتى صار مصطلحاً عالمياً عابرا القارات،كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المتهم.
إذن يقصد باستقلال القضاء "أن لا يخضع القضاة في ممارساتهم لعملهم، لسلطان أي جهة أخرى وأن يكون عملهم خالصا لإقرار الحق والعدل،.....، ويقتضي ذلك الحيلولة دون تدخل أي جهة مهما كانت طبيعتها ووظيفتها، لتوجهه وجهة أخرى، أو لتعرقل مسيرته، أو لتعرض عن أحكامه، كما يقتضي أن يحاط القضاة بسياج من الضمانات، يقيهم كل تجاوز أو اعتداء من شأنه أن يخدش مبدأ العدالة، التي لاتنمو إلا في حوض الاستقلال (معالم استقلال القضاء في الشريعة:عمار التهامي .مجلة البحوث الفقهية ربيع الأول 1417هـ ص:227:).
وإذن فإن الدعوة إلى استقلال القضاء ، لا تعني أن يكون القضاة أسياداً على الأمة ، بل خدما لها ، كما عبرت إحدى المحاكم الكندية " القضاة خادمون للشعب ، وليسوا أسياداً عليه " . وهذا يعني أن استقلال القضاء ، لا يعنى أن تكون أيديهم مطلقة ، بل هو استقلال تصحبه المسئولية ، ويصحبه مبدأ المحاسبة (استقلال القضاء في العالم العربي.ناثان ج.براون وعادل عمر شريف: 15 ) .
ويتضح من ذالك أن مفهوم استقلال القضاء مفهوم محوري، تدور حوله قيم وهياكل في مداره، وأنه لايعنى ما يفهم أول وهلة:أن يكون القاضي حر التصرف من دون ضوابط
والحكم على أي بلد بمدى استقلال قضائه يعتمد على درجتين:
الأولى: إعلان نظريات الحقوق والإجراءات العملية لتنفيذها، نصوصاً في الدستور، أو في نظام القضاء.
الدرجة الثانية: مدى تطبيقها.
بعبارة أخرى يقصد باستقلال القضاء مجموعة من المبادئ والنظريات، والإجراءات والهياكل التي تعزز مستوى العدالة، تتوزع في حقلين
الأول: (المضمون): وهو حفظ الحقوق الفردية والجماعية،كحقوق المواطنين السياسية، وقوامه عدالة القواعد القضائية، ووضوحها وتحديدها وتوحيدها وشمولها.
الثاني: الهياكل والإجراءات والتفريعات، التي تضمن تنفيذ المضمون.
[6]
ب-للعدالة معايير قياسبة في القواعد، وإجراءات يقاس بها التطبيق
الدولة العربية المعاصرة تعلن في أنظمتها، استقلال القضاء، ولكن هل يكون استقلال القضاء مجرد إعلان في ديباجة مرسوم أو قرار؟، وهل يمكن أن ينهض مفهوم استقلال القضاء، دون ضمانات إجرائية، تجسد استقلال القضاء، تسد أبواب التدخلات؟.
إن من السهل على الناس ، الانشغال بالتعريفات والعبارات الرنانة، مثل قضاء مستقل ، قضاء القانون ، وتطبيق الشريعة (انظر: إطار برنامج استقلال القضاء:أريك جانسون جانسون:200) ولكن ليس الإعلان المبادئ جدوى ما لم ينتصب جهاز هيكلي قضاء منظم ، بطريقة تضمن هذه الحقوق ، وإيصالها إلى أصحابها بقطع النظر عن أي اعتبار وأي ضغوط . (غازي الغرايري ، استقلال القضاء في تونس:10) .
والحكم على أي بلد بمدى استقلال قضائه يعتمد على درجتين:
الأولى: إعلان نظريات الحقوق والإجراءات العملية لتنفيذها، نصوصاً في الدستور، أو في نظام القضاء.
الدرجة الثانية: مدى تطبيقه.
ومن أجل ذلك لابد من أسلوب قياسي ، يحدد معاني هذه المصطلحات ( انظر : جانسون : 200) مبني على علاقة القضاء بالاقتصاد والمجتمع والثقافة والتاريخ ، لابد من منهج عملي يعتمد على أبحاث علم الاجتماع ، لاستقاء أدلة وأقيسة، عبر دراسات مسحية تجريبية تشمل: .
فحص سجلات الدعاوي من أجل فهم دوافع الخصوم .
جودة التسبيب القضائي .
معدلات التبرنة .
تنفيذ الأحكام .
تحليل الميزانية .
دراسات مسحية .
استفتاء الرأي العام ( انظر جانسون : 201) .
ولا مجرد تطبيق أنماط قضائية تصلح لمجتمع قديم بسيط، على مجتمع حديث تعقدت فيه الأمور، لابد فيه أن "تحدث للناس- كما قال عمر بن عبد العزيز- أقضية، بمقدار ما أحدثوا من الفجور". ليس الفجور فحسب، بل كثرة المشكلات والتعقيدات، التي اتسمت بها المجتمعات الحديثة والاقتصاد.
إن المسألة ليست هل كان تدخل وزير العدل مثلاً في مصلحة العدالة أم لا، بل هي أنه يجب سد جميع المنافذ التي تسمح باحتمالات تدخل وزير العدل، حتى ولو كان تدخله أو تدخل السلطة التنفيذية أصوب ، لأنها أن أصابت مرة لم تصب المرة الأخرى ، لأن صوابها ذاتي ، وليس منهجياً . وإذا كان القضاة يحتاجون إلى تدخل السلطة التنفيذية(ورعايتها) من أجل تحقيق العدالة، ، فإن ذلك خلل في القضاء ينبغي تحديده وعلاجه:
هل الخلل في عدالة نظريات الحقوق؟ .
هل هو بسبب أن الموارد المالية في المحاكم ضعيفة؟.
هل سلب القضاء شخصيته المعنوية ، بحيث لا يستطيع أن يحقق العدالة.
هل إجراءات المحاكم وهياكلها سليمة .
وإذن ينبغي إصلاح القضاء من الداخل لا من الخارج
[7]
ج-التعريف بالعناصر:
المعايير العشرون لاستقلال القضاء:
لقد أصبح لاستقلال في العصر الحديث معايير دولية، يقاس بها القضاء في كل دولة، وبحسب تطبيق هذه المعايير، يحكم على القضاء في بلد ما بنجاحه الكبير أو القليل في تعزيز استقلال القضاء، وبحسب إخلاله بهذه المعايير، يحكم بفشل السلطة التنفيذية أو إخفاقها عن تحقيق الاستقلال.
وهذه المعايير منها ما يتصل بنظرية (الحقوق) أي العدالة ومنها ما يتصل بإجراءات إحقاق الحقوق (أي النزاهة)، ومنها ما يتصل بالهياكل المقامة، وحيث إنه من الصعب إعطاء تعريف محدد لاستقلال القضاء لاختلاف الثقافات وأنظمة الحكم، صار من المناسب إعداد معايير عالمية تناسب جميع النظم السياسية والقضائية في العالم (شريف وبراون : 3).
وقد صادقت الأمم المتحدة؛ على عدد من الوثائق، في حقوق الإنسان، وحقوق المتهم، وحقوق اللاجئين، ومنع الجريمة ومعاملة المجرمين، وعلى المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء ) سنة 1985م(هاشم مناع: الإمعان في حقوق الإنسان: ملحق المجلد الثاني)، وهذه المبادئ في الجملة-لابالجملة-، من ما أقره الإسلام قبل أربعة عشر قرنا من تنادي الأمم إليه، ويمكن بلورة العناصر الأساسية فيها، في نيف وعشرين نقطة تجسد استقلال القضاء، سنعرضها نقطة نقطة، ثم نبين أن أغلبها من مقاصد الشريعة في القضاء أو من وسائل المقاصد، التي لاتتم المقاصد من دونها.
[8]
المقالة الثالثة
القضاء في العالم العربي:
أ-لا ضمانة لعدالة القضاء ولا نزاهته دون استقلاله عن الحكومة:
لم تترسخ أعراف استقلال القضاء ، في العالم العربي ، ولم تتحدد معاييره ، لا في الثقافة القضائية ، ولا في الثقافة الاجتماعية.
و تظن كثير من الحكومات المستبدة، ولاسيما في العالم العربي ، أن استقلال القضاء يعرض النظام السياسي إلى مخاطر أمنية، وهو شعور مرتفع المؤشر في العالم العربي ، ولذلك فإن الاعتبارات البوليسية ؛ كثيراً ما تعيق الحكومات العربية، عن الالتزام، تعزيز باستقلال القضاء.
ولكن تجربة الدول الأوروبية ، دلت على العكس ، أي أن استقلال القضاء يسهم مساهمة فعالة في تحقيق الاستقرار السياسي ، على المدى القصير والبعيد (استقلال القضاء في العالم العربي: عادل عمر شريف وناثان ج.براون : 2 : بحوث مؤتمر العدالة الثاني. القاهرة) .
العدل والشورى أساس الحكم، وهذا الأساس يقوم على عمودين اثنين:أولهما:وجود مجلس نواب منتخب، وثانيها والقضاء المستقل. هما أساسا العدل والشورى، وإن الدولة العربية أحوج من غيرها إلى تعزيز الأساسين معا،استقلال القضاء،والسلطة النيابية، لأن الدول التي لم تمارس الحكم الشوري كما قال عبد الرزاق السنهوري "في أمس الحاجة إلى رقابة القضاء، لأن السلطة التنفيذية فيها أقوى السلطات .. والدواء الناجح .. إصلاح السلطة القضائية وتعزيز دورها ، فهي أقرب السلطات إلى الإصلاح ، أعضاؤها بطبيعتهم أشربوا حب العدل ، واحترام القانون .. ولن يُقَّدر لمبدأ المشروعية قيام أو استمرار ، إذا لم يوجد بجانبه قضاء قوي حر نزيه مستقل يدفع عنه الاعتداء ، ويمنع عنه الطغيان " ( انظر حمودة الهيتار : استقلال القضاء في اليمن : 1) .
إن أكثر البلدان العربية تعلن مبادئ الحقوق، ولكن أكثرها يحتاج إلى أن ينتقل من مرحلة الإعلان إلى مرحلة بناء المؤسسات ( انظر الشريف وبراون : 17) . بأن تبدي السلطة التنفيذية التزاماً بمعاملة القضاء ، بصفته سلطة مساوية شريكة. بل أيضا إنه بعيد عن الاستيعاب النظري (استقلال القضاء في تونس غازي الغرايري : 1)
كثير من البلدان العربية ، لا تنطبق عليه المعايير الدولية ولا الإسلامية لاستقلال القضاء، والفجوة واسعة بين القانون المعلن في النصوص، والواقع المطبق على الناس، حتى في حالة إصدار أنظمة لاستقلال القضاء، لأن الأنظمة لن تكون فعالة إلا بشرطين:
الشرط الأول توعية موظفي السلطة التنفيذية بما للناس من حقوق، لكي لاتغتالها.
الشرط الثاني: توعية الجمهور بحقوقه، لكي يطالب بها، و لكي لايتنازل عنها أيضا.
وأيضا لن يكون للنظم النظرية أثر يذكر مالم ترفق بتوعية العاملين في الجهاز بإجراءات الاستقلال ، وما لم يع الجمهور الإجراءات الدستورية المقررة ، لنيل حقوقه. إذن عندما يدعو الناس إلى استقلال القضاء، فإن هنا يعني حماية المواطنين العزل أمام التنين العربي، الذي يتخذ من القضاء له سلاحا.
[9]
ب-تعقد طبيعة الدولة الحديثة وتعدد وظائفها
ولا بد من مراعاة حماية المواطنين من تغول الدولة، الذي ورثته الدولة العربية الحديثةعن القديمة، وزاده ضراوة وقساوة؛ طابع الحكم الشمولي في الدولة العربية الحديثة. وتعقد طبيعة الحياة، وكثرة المستجدات، وجدت على الناس عادات وتغيرات كبرى.
وقد تغيرت طبيعة الدولة المعاصرة، وتعددت وظائفها:
أ-فلم تقتصر مهمة الدولة الحديثة، كما كانت في العصور القديمة، حفظ الأمن الداخلي والخارجي، وإيجاد القضاء فحسب. بل ظهرت للدولة الحديثة وظائف وطبائع تتجاوز دور الدولة السائسة والحارسة، إلى الدولة الخادمة، المسئولة عن التعليم والصحة وسائر الخدمات، والدولة المسئولة عن الزراعة والصناعة والتجارة، والدولة المسئولة عن التوظيف والعاطلين والرعاية الاجتماعية، والدولة المنشغلة بالاقتصاد وهمومه.
وصار من واجب الدولة؛أن تحقق لمواطنيها حياة أفضل، ورعاية اشمل، في جميع النواحي،وصارت الدولة ذات علاقات خارجية، وكثرت الاتصالات والمواصلات، وتضخم السكان وكثرت المدائن. من أجل ذلك ظهرت مساوئ الحكم الشامل.
ب-وكثرت تدخلات الدولة في شئون الناس، فكل شيء بإذنها برخصة وفسح، من شهادة الولادة، حتى شهادة الوفاة.
ج-وكثرت القضايا الاقتصادية والسياسية والمصرفية والتجارية، والعلمية والطبية، وتشعبت وتركبت وتعقدت، وصارت المتغيرات أكبر وأعنف وأسرع.
د- وصارت للدولة الحديثة أجهزة أمن تقنية رهيبة، وتقنيات متطورة في التجسس، وصارت ذات أنياب شداد حداد، فأصبح شبح الخوف منها، ماثلا عند كل خطوة ومهاتفة، ومجلس وبيت، ولايستطيع المجتمع الأعزل أن يبدي أبسط مقاومة، تجاه أفدح ظلم.
في ظل هذه التغيرات؛ هل التراث الفقهي العباسي قادر على الإمداد بالحلول المثلى للحفاظ على حقوق المواطنين؟.
إن ذلك غير ممكن لأن نقطة ضعف الحضارة الإسلامية العباسية-كماهو معلوم-هي ضعف الفكر القضائي و السياسي (الدستوري)، وتلك كانت السبب الأكبر في سقوطها، كما كانت السبب الأكبر في ما عانته الأمة، منذ عهد الراشدين.
ولا يصح زعم زاعم بإمكان بتطبيق قضاء عادل ولا نزيه في دولة حديثة ،إلا في ظل المفهوم الشوري للحكم، الذي يقوم على سلطة الأمة، في تحري مصالحها الشرعية. ولا يمكن تطبيق النظام الشوري؛ في الدولة الحديثة؛ إلا في إطار ضمانات وإجراءات وآليات، تختصرها كلمة(النظام الدستوري)،. وعلى توزيع عبء إدارة الدولة على ثلاثة أعمدة، وعلى الفصل (المرن) بين هذه السلطات الثلاث، وعلى حرية الرأي والتعبير و الاجتماع والمجتمع السامية، وعلى تحديد مواد القضاء وتوحيدها وتدوينها، وإشاعتها بين الناس، وعلى قيام القضاء بالإشراف على دور التوقيف و السجون.
واستقلال القضاء ليس بتقرير قواعده نظريا النظرية، بل لابد من ضمانات إجرائية لتنفيذ مبدأ الاستقلال. وليس هذا فحسب بل ضمانات أخرى هيكلية، لتطبيقه عمليا، كي لا يكون حبرا على ورق.
من دون ذلك لن يصلح حال القضاء، وستظل السلطة القضائية مستقلة شكلا، لكنها في واقع الأمر مكبلة بالقيود الظاهرة و الباطنة. وهذا لا يكون إلا بتوافر ضمانات لتنفيذ مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، قبل ضمانات مبدأ استقلال السلطة القضائية، بذلك يكون الاستقلال التطبيق فعليا حقيقياً ولا نظريا.
وعلى كل حال فإن استقلال القضاء، ليس امتيازا للقضاة، إنما معناه الأعمق أنه حق من حقوق الإنسان(شحاته:7)، عامة والمتهم خاصة. أي أن القضاء عندما يكون مستقلا؛ فإنه أعظم حام لحقوق الإنسان الأعزل، أمام قوة الدولة المدججة بالسلاح.
[10]
ج-للعدالة معايير وضمانات لصحة التطبيقات ولكل منها قياس:
القضاء لا يكون سلطة مستقلة، محترمة مهابة؛ إلا إذا كان الضعاف بأخذون حقوقهم كاملة، أمام القضاء وهم غبر متعتعين، من أي قوي سواء أكان شخصا حقيقيا أم اعتباريا،كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويكون القضاء هيئة تابعة غير عادلة، إذا كان الضعيف يأخذ حقه وهو متعتع، أي أن بطء الفصل في النزاعات، فضلا عن بطء تنفيذ الأحكام يعتبران نوعاً من أنواع الظلم. فليس الظلم محصورا بكون الضعفاء لا يستطيعون أخذ حقوقهم من الأقوياء.
فالقضاء له من الاحترام والمهابة، بقدر مواقفه أمام الضعفاء، وبهذا المفهوم يكون استقلال القضاء، علامة على تمتع الإنسان بحقوقه.
وبذالك يبدو الترابط بين نظرية حقوق الإنسان ونظرية استقلال القضاء، بصفتهما جزأين في تركيب بنيوي، فالقضاء هو ضامن حقوق الإنسان، وإذا لم تكن حقوق الإنسان مدونة معلومة، ولم يكن الأساس القانوني لكل مسألة قضائية محددا معلوما، فحدث عن الجور والظلم ولا حرج.
الدولة العربية المعاصرة تعلن في أنظمتها، استقلال القضاء، ولكن هل يكون استقلال القضاء مجرد إعلان في ديباجة مرسوم أو قرار؟، وهل يمكن أن ينهض مفهوم استقلال القضاء، دون ضمانات إجرائية، تجسد استقلال القضاء، تسد أبواب تدخلات الحكومة؟.
[11]
المقالة الرابعة
هل يصح وصف أي نظام حكم بأنه إسلامي
إذا كان غير شوري
أ-أهم إخفاق في التراث العباسي كان في نظرية الحقوق:
هناك فرق كبير بين أن نقول &