البــدايه

               1/1/1424هـ 
      -1-
تعليم القرآن الكريم
       منهج العصر الراشدي
     أم منهج عصور الاختلال؟

 

 

 

                    مقالات

 

           أبو بلال عبد الله الحامد

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

  

المقالة الأولى
أليس التماس صواب الجواب
 ينبثق من تحدي السؤال؟

 

1- عندما يرسب فتاك في الامتحان:

الحمد لله هدانا للإسلام، وأعزنا وأكرمنا به، والصلاة والسلام، على البشير النذير، الذي بلغ الرسالة، وعلى الصحابة الكرام، الذي أحسنوا فهمها، فأدركوا أن الإسلام رقي روحي ومدني معا، لا يقوم إلا بهذين الركنين معا، فأحسنوا العمل فأسسوا حضارة فتحت خلال ثمانين عاما، مالم تفتحه روما خلال خمس مئة عام، لأنها حلقت بجناحي العدالة والحرية معا، فانجذبت الشعوب المستعبدة المقهورة إلى ظل الجناحين الظليل، فكانت العدالة والحرية خير دليل؛ على أن عقيدة التوحيد تحقق سعادة الدنيا والآخرة معا.

   واليوم نعيش في أطلال الحضارة الإسلامية القديمة، ونعاني من الرق الحضاري الفظيع، ولابد لنا من أن نتساءل: لماذا سقط أجدادنا المسلمون في العصور الوسيطة؟ فتهاووا في الامتحان الداخلي قرونا، ورسبوا في الامتحان الخارجي، أمام التتار مرة، وأمام الامتحان الصليبي مرة أخرى؟، وها نحن الآن، نخر صرعى على الأذقان، إثر صفعة الحضارة الغربية، فنترنح ذات اليمين وذات الشمال. ولابد من الإجابة عن السؤال؟

فعندما يرسب فتاك أو فتاتك في الامتحان، فلابد من أن تتساءل: هل ذكاء الأشخاص دون المستوى العادي؟ أم أن المنهج النظري عقيم؟ أم أن تنفيذ المنهج سقيم؟ ثلاثة احتمالات. لكن المشكلة ليست في ذكاء الفتى أو الفتاة، فالإنسان هو الإنسان، في كل مكان وزمان.

هل المشكلة في المنهج النظري؟ كيف يكون ذلك؟ والقرآن هو المولد الفعال، الذي أنتج “خير أمة أخرجت للناس”، أقامت حضارة الإيمان والعمران. فكانت “للذين آمنوا هدى وشفاءاً” ،وفي ظلال هذا التوازن، حقق المسلمون الحسنيين، فأوتوا “في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة” فالمعادلة إذن قائمة، نجاح الدنيا ونجاح الآخرة مترابطان: “من عمل صالحاً، من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن; فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم، بأحسن ما كانوا يعملون” “النحل : 97”. فالمؤمنون أفراداً وجماعات، ومجتمعات ودولاً، يؤتون في الدنيا أجرا، هو" عاجل بشرى المؤمنـ"ـين،(كما في الحديث الشريف) كما يؤتون في الحياة الآخرة أجرهم، كما قال تعالى: “وآتيناه في الدنيا أجره، وإنه في الآخرة لمن الصالحين”

إذن لا نجاة في الآخرة دون نجاة في الدنيا، لأن الله ما أرسل رسوله الكريم “إلا رحمة للعالمين”، ولا رحمة في الفقر، الذي “كاد أن يكون كفرا”، كما قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولا رحمة في المرض ولا رحمة في الجهل، والفقر والجهل والمرض: ثالوث ينهش الأجساد والأرواح، والأخلاق والعقول والإبداع، ولا غنى ولا علم ولا صحة إلا في مجتمع الحرية والعدالة، لأن الظلم والقمع  يتنافيان مع كرامة الإنسان. وقد أديا إلى ما نحن فيه اليوم من رق حضاري، استلبنا وجعلنا للغربيين أتباعاً، في الثقافة والتربية والإعلام، والاقتصاد والتقنية والاختراع.

إذن المولد قادر على الشحن، لأنه من صنع حكيم خبير، ولكن الخلل في طريقة التشغيل، أي الخلل في طريقة فهم القرآن، وبعبارة أخرى في طريقة تعليم القرآن.

فهذه الطريقة السائدة، لا تخلو من أحد ثلاث احتمالات  أو هي معا: إما أنها أسهمت في السقوط الحضاري، وإما أنها هادنته، وإما أنها لم تقدم الحلول الكافية.

مهما نختلف في إدراك في الأسباب، فالنتيجة هي المهمة، فلندع الأسباب جانبا،إذا كانت مجال اختلاف، ولنتأمل  النتيجة، ولندعها تتكلم، فالنتائج أمر ملموس محسوس لا يختلف فيه اثنان.

 

  2-إذن الخلل في منهج التعليم:

فكيف نستطيع صد الهجوم الحضاري الكاسح؟ لابد من غرس المصاد أمام صرصرة الرياح، وبناء السدود أمام زمجرة السيول. فهل يكون ذلك بالدعوات الروحية الرهبانية؟ التي تذم الحضارة المادية، وتتوقع سقوطها بين عشية وضحاها، وتقول لنا “قفوا نبك من ذكرى” الحضارة الإسلامية على أطلالها، ونشكو الظلام آناء الليل وآناء والنهار؟.

أم نسكت ونحن نرى الاختلال الديني في حياتنا، وهو يزداد، ونتيح لعولمة العقائد العلمانية أن تلتهمنا جزءا جزءا.

أم ندرك أن منهاج تعليم القرآن الكريم، لن يكون قرآنيا حتى يستوعب شطري العقيدة: الشطر الأول:إقامة التوحيد وشئون المناسك والثاني: إقامة المدينة الشورية العادلة معا،وندرك أن تهميش شئون المعايش والمدنية والحضارة، إخلال بشطر الدين،. إذ لا يمكن الوصول إلى “دار المقر”، إلا بسفلتة “الممر”؟.

إذن لابد من إدراك الوحدة بين النجاح الدنيوي والأخروى، فـ”الدنيا مزرعة الآخرة”كما قال الرسول المعلم، ومن  أراد أن ينجح في الزراعة، فلابد من أن يحفر الآبار، ويمدد الأنابيب، ويشق الترع والأحواض، ويسوي ويحرث الحقول، ويغرس الأشجار ويبذر الحبوب، ويسقي ويقاوم الآفات، ويضع الأسمدة والمقويات، ويستمر دون توقف ولا كلال، حتى “لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها” كما في الحديث الصحيح، رغم التيقن من نهاية الحياة، هكذا قال الرسول المعلم، فلم يكن الإسلام مركزا في شئون المناسك، مهمشا شئون المعائش والمدنية ولذلك لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: ارم الشتلة والمحراث، وانصرف عجلان لتسأل الله الثبات، بقراءة بعض الآيات، أو صلاة بعض الركعات، أو التمدد فوق الفراش، عسى أن تلقن الشهادة قبل الفوات، بل قال: واصل غرس الفسائل، وتيقن أن هذا العمل المدني إذا صحبته النية الصالحة عبادة، والعبادة علامة على حسن الخاتمة، لا على سوئها كما يتوهم بعض الناس.

إذن لابد من تجديد طريقة تعليم القرآن الكريم، لتوازن بين شطري العقيدة: المناسكي(الروحي) والمعائشي(المدني)، وتحدو إلى فعالية اجتماعية، تحمي القيم والأخلاق.

 3-كيف نصد الهجوم الحضاري:

من هذا السؤال، ينطلق الكاتب.وهو بدون تواضع مصطنع، لا يطمح إلى أن يحدد الجواب، فضلا عن أن يحتكر الصواب، ولا يقدم فهمه على أنه الإسلام، وإنما يقول: هذه وجهة نظري، وهذا ما استطعت، فمن استطاع ما هو أفضل فقد أسعدني، لأنه حقق ما إليه قصدت، ونجح فيما فيه أخفقت. ولكن الكاتب يطمح إلى إثارة أفكار، وطرح تساؤلات، والسعي إلى إجابات.

وهو يرى أن القضايا الكبرى عامة، والمنهجية خاصة، أكبر من أن تنحصر برؤية شخص واحد، مهما أوتي من الحماسة والإخلاص، ومهما أوتي من المعرفة والاختصاص، بل أنها أكبر من أن توكل إلى أصحاب تخصص واحد، فلابد فيها من اجتهاد جماعي، تشترك في اكتشافه وبلورته عقول وتخصصات شتى.

و”الحكمة ضالة المؤمن”كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن الضالة لن يجدها، إلا من سعى لها ونشدها، وتعب يبحث عن مظانها. والمؤمن في طريقه إليها بين الوهاد والتلال، معرض لغبش الرؤية والعثار، ولكن لا ينبغي له أن ييأس أو يحزن، ولا ينبغي للآخرين أن يقفوا موقف المتفرج أو المخذل، بل دورهم أن يسعوا ويبحثوا، فمن العثار قد يتسدد المسار، ومن السؤال قد ينبعث الجواب، ومن الخطأ قد ينبثق الصواب.

والله الموفق لمن سعى فوعى، أو وعى وسعى، دون أن يوهمه الصلاح والإخلاص، بحتمية الصواب، أو توهمه كثرة العلم أو التخصص بامتلاك الحقيقة والاحتكار، أو باحتقار ثمرات العقول والتجارب، أو بتنزيه الذات والنرجسية، أو يوهمه حسن النية ببراءة الذمة، رغم هباء النتائج.

 وأي علم وأي تخصص؟ بل وأي صلاح وإخلاص؟ بل وأي أوهام حسن نية؟، إذا لم تؤد الإخلاص والتخصص; إلى إنتاج الأفكار والمفاهيم الحية، التي تفرز الأدوات والآليات، التي تقاوم أزيز الرياح بالمصاد، وهدير السيول بالسدود،وصدق الله العظيم: “ليس بأمانيكم، ولا أماني أهل الكتاب! من يعمل سوءاً يجز به”، “ومن أصدق من الله حديثاً”.

هذه أفكار هذا الكتاب، التي نشرت مقالات في جريدة الحياة(اللندنية)، مابين عامي 1998م-1999م، بعد محاولة تهذيبها.

         

   أبو بلال عبد الله الحامد.    الرياض  1/3/1419هـ

 

                                 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 المقالة الثانية

في وظيفة القرآن:

العقلانية فريضة معطلة

 

                        -أ-

4-القرآن أعظم كتاب أثر في البشر :

للقرآن الكريم معجزات عديدة في التشريع والبلاغة والعلوم،  ولكن معجزته الكلية التي تنضوي تحتها كل هذه المعجزات الجزئية، تكمن في وظيفته مولدا للطاقة البشرية، ينتج الحضارة المعنوية والمادية معا.

فالقرآن الكريم إنما معجزته الكبرى، أنه منهاج صنع جيلا فريداً، بنى حضارة إسلامية، ملكت إرادة التفوق الأخلاقي والعمراني، فامتدت فواضلها إلى المشارق والمغارب.

فهو أعظم الكتب السماوية والبشرية، في تغيير القيم وإحداث الانقلاب الشامل، في الأنظمة والمفاهيم والعوائد والأعراف، ولم تكن هذه السمة لكتاب آخر، فالإنجيل الذي تنتسب إليه أمم أكثر من المسلمين عدداً وقوة ـ اليوم ـ، لم ينتج حضارة مسيحية خالصة، والحضارة الأوربية إنما هي خلطة من القيم المسيحية واليونانية والرومانية والقيم التوتونية.

     أجل في النهضة الأوربية تفوق تقني وعلمي، وعسكري وسياسي وعمراني، وروح إبداعية استثمرت ما سخر الله لها من الكون، في العلو والسيطرة والاستعمار، لكنها ليست في أساسها الغالب عليها نتاج الالتزام بالثقافة المسيحية.

ومن أجل ذلك يظل القرآن ;أعظم كتاب غير العقل البشري، ولا يزال يملك المنهج القادر على تفجير الطاقات، الذهنية والعملية والسلوكية. كما قال الشيخ محمود الصواف رحمنا لله وإياه “فإذا كان قلب العصا حية معجزة -وهي معجزة بحق- فإن تغيير العقول والقلوب والأفهام، أبلغ في الأعجاز وأكبر، وإذا كان إحياء الموتى، من الخوارق التي أيد الله بها بعض أنبيائه، فإن إحياء أمة من الجهل والرذيلة والشرك والكفر، إلى أمة هادية مهدية، فاتحة منتصرة ورائدة عادلة... هو المعجز الخارق، الذي تتضاءل في جوانبه جميع المعجزات والخوارق، “(القرآن أنواره : 20).

                          

 5-المولد الذي أشعل النهوض :

ولذلك رفعهم الله بالقرآن، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين” أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فما سبب ارتفاعهم؟ يقول الشيخ الغزالي رحمنا الله وإياه “المسلمون كانوا يقرأون القرآن فيرتفعون إلى مستواه، أمانحن فنشده إلى مستوانا” (مع القرآن 29).

((فلقد كان كل واحد منهم [يجسد] قرآنا[حين] يسير في الأرض، وهو يحمل أخلاق القرآن”(الصواف: 26) إنه يجسد بسلوكه منهج القرآن، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجسد القرآن في سلوكه، كما ورد في الحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، عندما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت “كان خلقه القرآن” أي أنه كما قال الشيخ الغزالي: “يعيش في جو قرآني، ويصدر سلوكه عن قيم القرآن، وأن عقله الظاهر والباطن مع الله، عندما يكون الحديث عن الله، ومع الكون عندما يكون الحديث عن الكون وقواه وأسراره)) (مع القرآن: 29).

عندما نتحدث عن فضل الجيل الراشدي في الحضارة؛ يتساءل مثقفون كثير:ولكن الجيل الراشدي لم يقم حضارة مادية، إنما كانت الحضارة المادية في القرون التالية. وهذا كلام يتحوي على اعتراض وجيه، ولكن السؤال: هل كانت الحضارة العباسية، شجرة ليس لها من جذور؟، أم أنها كانت ثمرة غرس وسقي بدأ منذ عصر الراشدين؟.

كان القرآن حادي الجيل المؤسس في الإسلام،وما تلاه من أهل القرون المفضلة، كان خلقهم القرآن، ولذلك “أرشدهم إلى الانتفاع بقوى الكون ومنافعه، فسبقوا... في العلوم والفنون والصناعات، كما بزوا الأمم في الأخلاق والآداب والإصلاح” (الصواف 29).

فما سبب ذاك الإنجاز الحضاري، الذي ولد الطاقة والحيوية في العقل والوجدان والجسد، وجهز الدنيا لتكون مزرعة للآخرة، تسعد فيها الجماعات والأفراد، وتسعى إلى إقامة مجتمعات العدل والإيمان والعمران، مستثمرة ما استطاعت استثماره، من ما سخر الله للإنسان، في سبيل تحقيق “خلافة” الإنسان في الأرض؟

فاكتشفوا الشعلة التي تولد الحرارة والضوء والحركة، واكتشفوا هرمون الإخصاب الذي ينتج ثقافة الولادة الحيوية والنماء:عقيدة الفلاح في الدارين وعمودها إقامة الصلاة في شق المناسك، وإقامة العدالة الاجتماعية في شق شئون المعائش. فأبدعوا في الإدارة المدنية والصناعة المدنية والعسكرية، والعلوم البحتة والتطبيقية.

6 -تحرير العقول من الخمول :

وفهموا أن القرآن كتاب نزل لتحرير الإنسان، من كافة القيود التي تخل بكرامته وعقله وإنسانيته، فتحرير العقل من التفكير الخرافي والوثني والمادي; هو الدرس الحضاري الأول، لاستقامة المجتمع وبناء حضارة الإيمان والعدل والعمران. ومن أجل هذه الوظيفة التحريرية للإنسان، استطاع عبد -كبلال رضي الله عنه; مارس مقهورا سلوك المقهورين من العبيد ردحاً من الزمن - أن يقول: أحد أحد، عندما حرر نفسه من أغلال ثقافة العبودية السابقة، فلم تلن قناته عندما قابل وجه الموت أمامه، عندما اشتعل الوجدان بهذه الشعلة المقدسة، تحرر من ثقافة الخوف والخنوع وسلوكياتها.

             

7 -القرآن خطاب تنوير :

 وللقرآن وظيفة آخرى هي “التنوير”، فالقرآن ثقافة تنوير للعقل والوجدان والسلوك، وهذا التنوير يفتح مسام الذهن، فينتج الفعالية والإبداع، ويهز الأعضاء التي عقلها الشلل والخدر. فقد نزل هذا القرآن -كما في آيات كثار-، “ليخرج الناس من الظلمات إلى النور”، وتأتي وظيفة التنوير واضحة كالشمس، في أكثر من خمسين آية، وهي توقظ الذهن بالهمس والهمز والوكز.

وتعرض صورة التنوير من خلال المفارقات الحسية والمعنوية، “قل هل يستوى الأعمى والبصير؟ أم هل تستوى الظلمات والنور؟” (الرعد 16).

وفي هذا الإطار يأتي الحقل الدلالي لمعجم التنوير، فالقرآن حياة للقلوب الميتة، كما أن المطر خصب للأرض الخراب، ولذلك فإن الذين يعرضون عنه موتى صم، “إنك لا تسمع الموتى، ولا تسمع الصم الدعاء”.

وفي إطار خطاب التنوير، تأتي كلمات الحقل الدلالي للتنوير، من كل حدب وصوب.

وتأتي الحواس التي تساعد على الرؤية والفهم، في  معجم الرؤية المعنوي واللفظي، كالنظر والبصيرة والتبصرة، والنظرة والرؤية، وإذ تختلط رؤية البصر برؤية البصيرة، في ثقب الحواجز بين الحواس. ثم يأتي المعجم اللفظي “للتفكير”، الذي أشار الدكتور راشد المبارك إلى أن معدله في القرآن كثير، وأن الكلمة نفسها ليس لها ورود في أغلب الشعر الجاهلي (مجلة العربي الكويتية أكتوبر 1988م).

 

8 -العقلانية القرآنية فريضة معطلة :

وفي سياق ذلك يأتي المعجم اللفظي للعقل والعقلانية،  تركيزا على هدف القراءة، إنه تكوين العادات الناجحة في التفكير الإيجابي، المتحرر من التقاليد والخرافات وأساطير الأولين، إنه يطالب الإنسان أن يختار، وأن يكون أسلوب اقتناعه هو البرهان:  “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؟” المسألة ليست حفظا وتلقينا، ولا تكراراً واجتراراً          المسألة دعوة لإعمال العقل، لأن العقل هو آلة اكتشاف المنهج، وبه يفهم الكتاب، فالكتاب أمر بالعقلانية، فكيف يتصور بعض الناس أن العقل ضد النقل؟، إن الحاجة إلى بيان توافق العقل مع النقل; تدل على أزمة معرفية منهجية، قديمة متجددة، وآلة فهم القرآن هي العقل، ولذلك جاء القرآن يأمر بالعقل،ويطالب الناس بأن يعقلوه، لأن الذي أنزل القرآن هو الذي وهب العقل،فما أنزله الله من الشريعة؛ متوافق مع حقائق علوم الإنسان والطبيعة، لأن مصدر الحقيقتين واحد. والقرآن قد أسس العلم على العقل، لا على الحفظ والتلقين، فلم يكن في الخطاب التنويري ;فصل بين العلم والفكر، أو العقل والنقل، أو الرواية والدراية، إذا عقلنا “كذلك يبين الله لكم آيته، لعلكم تعقلون”. و “إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون”. ولذلك قال “تلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون” (العنكبوت).

 

المقال الثالث:

وظيفة القرآن:السو المدني

 القرآن خطاب لبناء المدينة الشورية العادلة...

 

9-سعادة الدارين

لقد أوقد القرآن شعلة الإبداع العقلي والعملي معا، فانشحنت نفوس الرعيل الأول بهذا المولد، فانطلقت واعية الهدف الذي تسير إليه، فكانت حياتهم جهاداً في شطر العقيدة المدني من أجل بناء المدينة الشورية العادلة، في ميادين الحرب والإدارة، والعلوم والفنون والسياسة، كما كانت جهادا في شطر العقيدة الروحي، من صلاة وذكر ودعاء، وزكاة وصيام وحج، كانوا يدركون أن القرآن يعلمهم النظافة الحسية، من اغتسال ووضوء وتطيب وسواك، وسائر سنن الفطرة، ويلهمهم المدنية و ما فيها من آداب الطعام والشراب، والسكن والسفر والإقامة. والأخلاق المدنية، وفي طليعتها صفة العدالة وحقلها الدلالي، كالشورى والحرية الفطرية والسماحة، ونحو ذلك من السمات التي تهذب الإنسان، وتسمو به عن مستوى الوحشية والصحراوية البدوية، التي تتجسد بالقانون الدستوري الشوري، كما كان يعلمهم النظافة والطهارة المعنوية، التي يتحصن بها الإنسان من نزغات الشياطين، وتطمئن نفسه، ليسعد في الدنيا والآخرة، ويتدرج في مدارج الملأ الأعلى ويتشبه بالملائكة،حتى يثبته الله بالقول الثابت، طيلة الحياة. ولذلك جاءت التسمية وذكر الله والاستعاذة به، على مدار اليوم، وجاء "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

                     

    10-نتائج الإيمان الخاوي التأقلم مع الاستبداد والفساد:

 إن منهاج التعليم عندما يبني على وعي بالمفهوم العضوي الشامل للثقافة القرآنية، يصحح المفهوم العائم الناقص للدين، الذي تقصره المجتمعات الإسلامية; على المناسك والشعائر والأذكار الفردية، وهذا إيمان ناقص افتقد الصحة حين افتقد التكامل. إنه الإيمان الرهباني فالإيمان الذي لم ينتج المعاصرة والتجديد، أدى إلى هزيمة نكراء أمام العلمانية ، لأن الخطاب الديني المنكمش، الذي حصر الدين في المناسك والشعائر ، هو الذي وهب العلمانية زمام الحداثة والتجديد، عندما نكص على عقبيه، وتحول دوره من الفعل إلى رد الفعل، ومن رد الفعل العقلاني الموضوعي، إلى رد الفعل العاطفي الهائج أو المنكمش، ومن رد الفعل الذي يذكي التحدي، إلى رد الفعل الذي يبث التردي.

     والإيمان الرهباني لم ينتج العدل والنظام، فلم يستطع بناء المدينة العادلة الشورية، فأدى إلى هزيمة الأمة المسلمة أمام الأمم الغازية. والإيمان الرهباني الذي لم ينتج حسن الإدارة واستيعاب مبادئ النجاح، يؤدي إلى فشل البنك الإسلامي الممارسة أمام البنوك الأخرى. والإيمان الرهباني الذي لا ينتج الروح العملية المنتجة الصانعة والاقتصاد المتين، يؤدي إلي هزيمة الأمة المسلمة، أمام الدول التي تملك الاقتصاد القوي والمصانع الضخمة.

     والإيمان الرهباني الذي لا ينتج الأسلحة المتطورة، التي تردع الأمم المعتدية سيهزم، هذا الإيمان ناقص، وهو إيمان ببعض القرآن دون  بعض.

      فإذا لم نفهم الثقافة القرآنية علي أنها منارة مسجد بجانبها مدخنة مصنع، وإذا لم نفهم العبادة على أنها إقامة القسط والعدل والميزان، وإشادة الحضارة والمدنية والعمران، كما أنها الصلاة في الجوامع; فنحن في  واد، والثقافة القرآنية في واد آخر.

الله ينصر الدولة العادلة، ولو كانت كافرة، على الدولة الجائرة، ولو كانت إسلامية، كما يقول ابن تيمية، لأن إسلامها ناقص. إنها تمشي بقدم إسلامية واحدة هي قدم المناسك، أما قدم إقامة المدنية العادلة الشورية فهي مشلولة. لأن العدل ينتج الفكر العملي الفعال، والفكر العملي ينتج المجتمع الديناميكي والمجتمع الديناميكي هو أساس الحضارة والملك، فالعدل ينتج العلم المادي والتقني والصناعي، الذي تنتصر به الدولة المتقدمة بالعدل ولو كانت غير مسلمة على الدولة المتخلفة بالظلم، ولو كانت مسلمة. والله يعز بالاقتصاد المتين الدولة المنتجة المصدرة،ولو كانت غير مسلمة؛ على الدولة المستهلكة المستوردة ولو كانت إسلامية.

    والله يعز الدول التي تملك الأسلحة البيولوجية الكيماوية، والذرية والنووية والأسلحة المتقدمة، على الدول التي تحارب بالسلاح التقليدي، كما قال أحد القادة العسكريين، عندما سُئِل عن حرب بين فريقين: أيهما سينصره الله؟ فقال: إن الله سينصر من يملك طائرات ودبابات، على من لا يملكها.

         إن تركيز الإسلام على المناسك كالصلاة والقنوت والدعاء، وتوقع نزول المعجزات والكرامات، جهل بروح الإسلام الدين، وهروب من مشقة مواجهة المشكلة، يفترض فيه أصحابه أنهم حريون بالكرامات. ليعفوا أنفسهم من الأدوار الطبيعية السهلة، فضلاً عن الأدوار الطليعية الصعبة.

 

11-أزمة أفكار وبرامج عملية واقعية :

 ومن أجل ذلك ألا ينبغي إدراك مسألة مهمة جداً، وهي التفريق بين الإسلام، كما نزل وطبقه الرعيل الأول، بصفتها منهجاً نظاما مقدساً : يحتوي المناسك والمعائش يجب الإيمان به، وبين فهمنا الرهباني له، بصفة هذا الفهم اجتهاداً بشريا عباسيا يحاول تحويل المنهج الإلاهي، إلى ممارسات وآليات، وقوالب وملابن، أي إلى برامج عملية تتحرى النجاح الاجتماعي الواقعي، الذي يمشى على الأرض هوناً.

     ومعنى ذلك أن صيدلية الثقافة القرآنية، فيها علاج لكل داء شاف، لعلل كل زمان ومكان، ولكن المشكلة في توافر الفقهاء الأطباء الذين يصفون الوصفات، قبل أن تكون في المربين والوعاظ الصيادلة الذين يركبون الوصفات .

 ومن أجل ذلك ينبغي العودة إلى الصيدلية القرآنية لتركيب الأدوية، مع التدرج في تقديم العلاج، لأن كثيرا من المصلحين والمربين الذين أخفق