بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد :
{ إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } صدق الله العظيم
حاولت في مقالات أخرى أن ( أشخص ) واقع المسلمين الرديء (1) فتحدثت عن أسباب ضعف المناعة الذاتية ، ومالدينا من قابلية للاستعمار المقنع ، نتجت عن أسباب ثلاثة :
منها مايتصل بعصور الأنحطاط ، ومنها مايتصل بقوة الحضارة الغربية ، ومنها مايتصل بضعف قدرتنا على ابتكار تربية إسلاميةٍ معاصرةٍ ، وشيوع أخلاق عهود الركود التي شلتنا ، ومنها التقليدُ والتكرارُ ، وكثرة التأليف ، وقلةُ المحصول . ومنها الفهمُ السَّلبي الانعزالي للأخلاق ، كفضيلة الصبر ، والتي تحولت إلى رذيلة الخنوع ، وتحول الدين من عبادةٍ إلى عبادةٍ ، وضعَفُ الروح ِالعملية في فهم الدين والحياة ، والتأخر في المدنية ، وروح الهزيمة والقنوط ، والتبرير وعزو كلّ مشكلةٍ إلى الخارج ، وكراهية النقد الذاتي ، وتنزيه الذات .
وفي سلسلة هذه المقالات سأحاول أن أشخص ( الدواء ) أو أبين معالم العلاج ، التي تبدو في معلمين :
الأول : فهمُ الغربِ فهماً موضوعياً ، وفهمُ طبيعةِ القوى الكبرى ورغبتها الطبيعية في السيطرة .
الثاني : ضرورةُ الإتجاه إلى إصلاحِ أحوالنا الداخلية ، بدلاً من التنديد بالأصابع الخارجية .
والعملُ على تكوينِ المناعةِ الذاتيةِ ، بتقديمِ المباديءِ الإسلامية تقديماً أصيلاً معاصراً ، ينطلق مباشرة من الكتاب والسنةِ ، ويستعين في فهمهما بالتراث ، وبواقعِ الحياة المعاصرةِ ، ويتطلبُ إزالةُ ماعَلُقَ بالنصوص الدينية الصافية ، من أراء تأثرت بأحوال الزمان والمكان ، في العصور السالفة . في مجالِ الأخلاقِ والعباداتِ والسياسة والاجتماعِ .
تنَشيط مفهومِ الأخلاقِ الإسلاميةِ وجلائهِ للناس ، بعد أنْ رانَ عليه بعضُ الغبار ، كفضيلة الصبر ، ومارافقها من معاني التخاذل والجبرية ، التي خنقت الإرادة وشلّت التفكيرَ ، ومحاربة الاتجاه الصوفي الذي أشاع الذلة والعزلة ، تحت شعار تزكية النفس ، وأيضاً محاربة تقديس الأشخاص ، الذي جعل الناسَ يركنون إلى التقليد ، ولا يَفصلون بين الإخلاص والصواب ، ويعتقدون أن كلّ مخلصٍ مصيب ، ثم تقوية روح التربية ، التي تعتمدُ على الحرية والتفكير بصوتٍ عالٍ ، والنقدِ الموضوعي للذات ، والابتعاد عن تنزيه النفس .
وضرورة الحَدِّ من الاختلافات المذهبية والفكرية ، لأنها انطلقت من مؤثراتٍ سياسيةٍ غير بريئة ، أو اجتهاداتٍ فرديةٍ غير معصومةٍ ، وهذه الإجتهادات نلتمسُ حُسنَ الظنَّ بأهلها . ولكنّنا لن نُلْزِمَ أنفسنا بها ، فأمامنا الكتابُ والسنة ، فالإسلامُ الذي ندينُ الله به ، هو القرآن الكريم والسنةُ المطهرة ، وما انبثق منهما وانصهر بروحهما ، من آراء علماء المذاهب ، من أجل ذلك تحدثنا عن ضرورة تخليص الثقافة والتراث ، من روحِ الازدواجيةِ والتناقض ، التي حَسبها البعضُ رحمةً ، وإنما هي نقمة ، أوجدت التبريرَ ، وميوعةَ الرأي وحيرةَ السالكين .
إنّ مراحلَ التغيير في الأمم ، تحتاجُ إلى زمنٍ طويلٍ ، إنَّ الأُمم تحتاجُ إلى أزمنةٍ لكي تتجاوزَ المِحَن ، وإن على الإنسان أنْ يتفاءل ، وأنْ يُطيلَ باله ، وأنْ يبتعدْ عن التوتر ، وأنْ يُغرِقَ حُزنَه بالعمل ، إنّ مراحل التغيير في الأمم تحتاجَ إلى جهودٍ غير عادية ، وإلى تضحياتٍ شاقة ، وإلى نماذج في الشجاعةِ والصَّبر فريدة ، وإنَ القدوة الحسنة عامل أساسي ، لأنَّ الإسلام المُجرد في الكتبِ والأذهان ، لايمكن أنْ يتمثل إذا لم يكن صورةً متجسدةً في سلوك الفرد والمجتمع والدولة.
وهذا البحث يقع في أربعة محاور .
المحور الأول : فهم الآخر .
المحور الثاني : التوازن في التربية .
المحور الثالث : الإهتمام بعلم العمل .
المحور الرابع : ضرورة تجديد منهاج التعليم عامة ، ولاسيما التعليم الديني والثقافة الإسلامية ، تفسيراً وفقهاً وتوحيداً ، وتاريخاً واجتماعاً وأدباً ، على ضَوءِ هذه الحقائق .
وكل محور من هذه المحاور ، ينطوي على عدد من النقاط ، نعرضها في بضع عشرة مقالة ، وثمة محور خامس ، لا يتم بناء التربية الإسلامية إلا به ، وهو تجديد مفهوم الفقه السياسي في الاسلام ، وهو يتناول المناداة بالشورى ( الديمقراطية الإسلامية ) ، والمناداة بحقوق الانسان المسلم ، وتجديد مفهوم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقد عالجتها في غير هذا المكان (1) .
معرفة الذات ومعرفة الآخر
أ ـ إذا أردنا أن ننهض ، فعلينا أن نسترشد بأمرين:
الأمر الأول : معرفة إسلامنا مجرداً من التقاليد ، مصفى من تراكمات العصور الوسطى الإسلامية ، لنستمد من إسلامنا ما استمده الجيل الأول ، من صحابة وتابعين ، علينا أن نُبعدَ الأتربة ، وأن ننفض الغبار الذي أحاط بهذه الثقافة ، في عهود الجمود والركود . فإن لم نَجْلُ وجه الثقافة ، فلن نتجاوز عصر الانحطاط ، مهما حاولنا وسبحنا ودعونا . لأن الله لا يغير مابنا حتى نُغيرَ ما بأنفسنا ، إن عصر المعجزات قد ولى . فلا نَبيّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم . وإذا أردنا أن نَنهض ، فلابد أن نعرف ما السنن الكونية التي وضعها الله في الكون ، لينهض من خلالها الناس . فنخرج من ذل التواكل إلى عزيمة التوكل . ومن ضعف الجبرية إلى قوة الإرادة والحرية ، كي نرى عصرنا وسياقه ، بمنظار إسلامي أصيل حديث.
الأمر الثاني : لابد من أن نعرف مَنْ حولنا ، فالعالم الذي حولنا أقوى منا ، ونحن ساذجون ساذجون ، إذا جلسنا ننتظر أن تسقط الحضارة الغربية ، لكي نتربع على قمة الهرم . تلك آماني نتمناها ، والمنى رأس أموال المفاليس .
ب ـ التحليل الموضوعي للواقع :
ومن أهم الأمور التحليل الموضوعي ، لقد آن الآوان لكي نعتمد على البحث ، وعلى الدرس العلمي المنهجي الجاد ، لنعالج المشكلات ، ونحاول حَلها بوعي وعمق ، وتصورٍ دقيق ، وتخطيطٍ محكم متطور ، وعمل بصير مثمر . وذلك من خلال نظرةٍ شاملة ، لا تكتفي بالنظر للحاضر وحده ، ولكن تنظر أيضاً إلى الأجيال المقبلة ، فأهداف المسلم أبعد من عمره ، وأهم من نفسه ، وأكبر من حياته . كما قال أحد المفكرين " لنعترف بأن أكثر هزائمنا ، إنما ينبغُ من جهلنا وعجزنا ، وأهوائنا وعبوديتنا للدنيا ، وضعف آخذنا بالأسباب " لاينبغي أن نلقي كل تبعات الهزائم على الأعداء ، وعلى الظروف وعلى السياسة ، فهذا ضربُ من التبرير الكاذب ، والخداع الآثم ، ومن أجل ذلك تبرز أهمية المعرفة الموضوعية بالآخر . فالمعرفة بالآخر، كيف يفكر ؟ وما أهدافه ؟ وما وسائله ؟ شرط أساسي للتعامل معه . لقد تأخرنا فترة طويلة عن مواكبة العالم ، حتى إذا بلغ التغير في العالم سرعة عالية ، وأزالت المخترعات الحواجز الفاصلة بين المجتمعات والقارات ، وصلت صورة العصر الحديث إلى مجتمعنا الإسلامي فجأة فأذهلته ، أذهلت المثقفين والأميين سواءً ، فانبهروا أمام ضخامة البنيان المادي لحضارة الغرب ، وهو الجزء المرئي . وغابت عنهم قضية القيم ، والأصل في تقويم أي مخترع هو قيمتهُ للناس ، فقد انبهر الناس من الصعود إلى القمر . وتصوروا أن ذلك معجزة . ولكن المتخصص إذا عرف سرَّ ذلك ، أدرك أن توفير الأسباب يوصل إلى هذه الغايات ، ولكن السَبق الذي حققه الغرب هائل ، لأنه يسابق نفسه ، وإن تجاهل هذا التفاوت ، وضعف إدراك أسبابه خلل كبير .
جـ ـ خطأ المقارنة بين رُوم الأمس واليوم :
إن المقارنة التي يعقدها بعضنا ، بين وضع المسلمين الأوائل ، مع فارس والروم ، وبين حالنا مع روم اليوم ، مقارنة تنطوي على مغالطة كبيرة ، إذ لم يَعُد السبق محصوراً في قوة العسكر . بل في قوة الحضارة والثقافة ، والأفكار والعقول . إن الذي يذهب إلى أوربا أو أمريكا ، ويقارن بين الروح العملية في تلك المجتمعات ، والروح المهترئة في شعوبنا العربية والإسلامية . يدرك معنى قولة نُسبت إلى محمد عبده عندما زار باريس " لقد رأيت هناك إسلاماً بدون مسلمين ، ووجدت في بلادنا مسلمين بدون إسلام " فلقد قدم اليهود والنصارى نظرياتٍ وعلوماً وأبحاثاً ، وليست هذه الأشياءُ خزعبلات ، ولا سلسلة إفتراءات ، كما يزعم بعض الناس . إنما هى أبحاث منظمة رائعة ، مثل أبحاثهم في الذرة والكيمياء والطب ، ولكنها تحمل هويتهم الثقافية ، فينبغي أن نعرف هذه الأمور ، وألا نُشغلَ أنفسنا بالتحليل العاطفي ، ولو أننا نحن قَّدمنا آراءنا ومعارفنا بهذا الأسلوب لنجحنا . فلو جئنا مثلاً إلى مسألة الحجاب ، وقدمناها تقديماً اقناعياً ، بدلاً من ترداد النصوص . قدمناها نظرية متكاملة ، تدعمها الأبحاث وأرقامُ المختبرات والجرائم ، التي تحدث بسبب الجنس في العالم ، لكان ذلك أسلوباً علمياً ، ومثل ذلك في الربا والاقتصاد والسياسة . إن حَظ المعرفة الموضوعية لدينا قليل . وهذا يعرضنا للانقياد للغزو الحضاري ، ورغم هذا فإن كثيراً منا يقارن التحدي الذي يواجهنا ، بتحدي الفرس والروم الذي واجهه أجدادنا . ولقد نسي هؤلاء أموراً عديدة . لأن أجدادنا لو لم يفتحوا البلاد ، لما جاء إليهم بأسُ من الفرس أو الروم ، ولأن أجدادنا واجهوا الأعداء بنفس سلاح العصر ، السلاح اليدوي من سيف ورمح . فكان ثمة تناسبُ في العُدّة ، وكان أجدادنا يواجهون حكومات كرهتها شعوبها . فكانت الشعوب غير مقتنعة بها ، وكانت تلك الدول مدبرة ضعيفة من الداخل . أما نحن فإننا نواجه خصوماً آخرين ، نواجه عدواً أقوى منا عُدة وعدداً ، سيطر على البر والبحر والجو ، عدواً غزتنا آلاته ومبتكراته ، قبل أن تَغزُونا دباباته ، عدواً غزانا إعلامه وإذعاته ، عدواً يدرسنا ويتخرج من معاهده مفكرونا ومربونا ، فعلاقتنا به علاقة الطالب بالمعلم الجلاد في آن واحد . عدو لايتركنا لو تركناه ، يُريد ثروتنا ، ويُريد أن يجعل بُلداننا أسواقاً لبضاعته ، وأن يجعلنا خداماً لمآربه . عدو يعلم أنه لن يستطيع أن يجعل المسلمين كفاراً ، يتركون الصلاة والصوم وأركان الإسلام ، فهو يسمح للمصلين والمسلمين بإقامة المساجد في بلاده ، ولكنه يُريد أن يُحول طابع حياتنا إلى طابع ( علماني ) ، يريدُ أن يُصبح هَمّنا سعادةَ الحياة الدنيا ، أن تتربى بناتُنا على الأخلاق الغربية ، حيث تصبح العفة مطلوبة من المرأة بعد الزواج لاقبله . ويريد أن يصبح الإسلام ، كما أمست النصرانية ، شيئاً منسجماً مع العلمنة ، الغربيون يريدون أن نصبح عربة في قطارهم ، فنكون مثلهم من { يَعْلَمُون ظاهراً من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة غافلون } ( سورة الروم ) .
وهذا هو الفساد الأكبر ، لماذا ؟ لأن كثيراً منا يقول : الإسلام بخير ، المساجد عامرة ، والحج قائم ، والقرآن يحفظ ، والمصاحف توزع ، وكتبُ الوعظ والإرشاد تُنشر ، ومدارس تحفيظ القرآن تفتح ، واللحى تُرسل ، والإسلام ليس مجرد أوراق ومصاحف ، وحديث وفقه . إنه يتمثل بالانسان القوي . وكم أنزل الله من كتاب نسيهُ الناس وحرفوه ، كما فعل اليهودُ والنصارى ، اليهود لازالوا يهوداً ، ولكنهم حرفوا . والنصارى لازالوا نصارى ، ولكنهم حرفوا . استجابوا لضغط الواقع . فلنحذر من المقولة الشائعة التي تقرر أن الدين باق ، لأنه باق في مجال العبادات الخاصة ، أما مجال العبادات العامة ، الذي يعني العمران والنهوض والعزة ، فذلك قليل ضئيل .
د ـ الصراع مع الغرب مدني أم عسكري ؟
أجل ينبغي أن نرفع أيدينا وأصواتنا ، محذرين من الخطر القادم من الحضارة الغربية التي ستحتل العالم كله ، مسلمين وكفاراً ، إذا لم ننشط ثقافتنا ، إذا لم نصن قيمها ، إذا لم نجدد وسائل التربية والتعليم ، فسنقع في الهلكة . وكل منا مسئول عما يخصه ، وعما يستطيعه . الثغرة التي نفذ منها الاستعمار والاستعباد ، هى ضعف المنعة الداخلية للأمة الإسلامية . هذا النفق الذي دخل منه المستعمرون . ومنه جاء كل بلاء . فيجب إذن تنشيط هذا البنيان كي تقوم للأمة قائمة . وإلا فإن الحضارة الغربية قادمة .
وهذه الحضارة الغربية ، جعلت العالم أتباعاً لها ، في ميدان السياسة والاقتصاد ، وفي العمران والاجتماع ، وفي الثقافة والفكر والعلم . وليست قوتها تترائى في عسكرها ، كما يتخيل بعض الناس . بل إنها قوة حضارية ، استطاعت أن تتغلغل في الشعوب . وأن تخلق لها في كل بلدٍ أتباعاً . وفي كل ديانة أصحاباً ، لأنها قدمت نفسها على أنها حضارة ، إنسانية علمية مادية ، قبل أن تكون نزعة عسكرية . وكثيرُُ من الناس لم يفهمها فقلل من أهميتها ، أو تشنج وحاورها حواراً عاطفياً . أو يئس من الإصلاح . هذه الحضارة لم تغز المسلمين بالسلاح ، بل غزتهم قبل ذلك وبعده بالفكر والعلم . ولقد انتهي عصرُ الاستعمار ، ولكن جاء عصر الاستغلال في الاقتصاد ، وعصر الاستهواء في الإعلام ، وعصر الاستلاب في الثقافة . ولابد للمسلمين أن يعوا أن هذا الغزو سيقوى وسينتشر ، وسيحاول أن يجعل جميع الحضارات ، كواكب سيارة تدور حول قطبه.
وكما فككت الحضارة الغربية المعسكر الشيوعي ، فإنها الآن قد وجهت أعلامها ، لتفكيك المعسكر الإسلامي وإحتوائه ، ولابد أن نعرف سر تفوق الغرب . وسر تفوق الغرب ليس هو السلاح ، إنه السَهلُ الممتنع . يخطىء الذي يرى الحضارة الغربية في المدفع ، يخطيء لأنه لا يرى إلا القذيفة الذي تخرج من المدفع ، إن القذيفة تخرج من المدفع ، ولكن المدفع نتيجة جهودٍ متواصلة . من أفكار ونظم ، ومن قيم أخلاقية تضبط صنعه واستعماله . قيمة الحرية يجب أن نأخذها ، فهى سرُ تفوق الغرب . لقد سقطت الشيوعية ، لأنها لم تَبن قيمة الحرية والاختيار . تحولت فيها الشعوب إلى شياهٍ تجري خلف الحُكام . ولاتدري أتذهب إلى المجزرة أم إلى المرعي .
أن نتصور أن السلاح هو قيمة الحضارة الغربية . ليس ذلك بصحيح . لأن الأحمق الذي لايُحسن إستخدام السلاح ، قد يصوبه إلى رأس أخيه . ليس هذه دعوة صوفية لترك السلاح ، فالسلاح جزء من عدة الاستقلال ، ولكن تذكير بأن المعركة حضارية قبل أن تكون عسكرية .
2 ـ الجهاد الأكبر قبل الأصغر
(( رجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر ))
( حديث شريف )
ينبغي أن يثور المسلمون على أنفسهم أفراداً وجماعات ، قبل أن يثوروا على الآخرين ، ينبغي أن يثوروا على الفساد ، وعلى الأنانية والجهل والتعصب ، قبل أن يثوروا على الآخرين . ينبغي أن نُحلل وننقدَ واقعنا وواقعَ العالم المعاصر . منطلقين من رؤية علمية حية ، على ضَوءِ الكتاب والسنة . إن استيعاب الواقع بما فيه ، من جوانب العلم والاجتماع ، والسياسة والاقتصاد والسلاح ، يجعلنا في مأمنٍ من الأخطاء . إننا ننتظرُ النصر من الله سبحانه وتعالى ونَحنُ نستحقُ العُقوبة . ولكن لا نحس بذلك ، كما قال ابن الجوزي " أعظمُ المعُاقبة أن لايُحِسَ المعاقبُ بالعُقوبة ، وأشد من ذلك أن يقع السرور بما هو عقوبة ، كالفرح بالمال الحرام والتمكن من الذنوب ، ومن هذه حاله لايفوز بطاعة . وإني تدبرت أحوال أكثر العلماء والمتزهدين ، فرأيتهم في عقوبات لايحسون بها " .
لقد تكاسلنا وغَرتنا الحياةُ الدنيا . وقديماً قال أحد الحكماء : إن الممكن سأل المستحيل أين تقيم ؟ فقال : في أحلام العاجز . إن كثيراً من الناس يتوقعون النصر ويكثرونَ الدعاء . وينسون أن الدعاءَ واحدُُ من أسباب النصر ، وليس للنصر سبب واحد . قالوا لمالك بن دينار . يا أبا يحي ادع الله أن يُسقينا . قال : أتستبطئون المطر ؟ قالوا : نعم قال والله إني أستبطيءُ الحجارة .
إن كثيراً من الناس يظنون إنه ينبغي أن نتجه فوراً لصناعة السلاح ، وهو ينسى أن حضارة المجتمع الإسلامي ، كغيرها من الحضارات ، لم تبدأ في المعارك العسكرية . بل ولدت لحظة وقف النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ، يبين أبعادَ ( لا إله إلا الله ) ، لقوم يتطلعون للسيادة ولا يدرون كيف يبدأون . " كلمة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم العَجَم " فهل كان ينطق عن الهوى ؟.
ومن ذلك بدأت صناعة الوسائل المناسبة ، المعبرة عن البديل الحضاري . وهذا هو الجهاد الأكبر ، جهاد النفس ، والثورة على الشيطان والهوى داخل نفوسنا .
بعض المصلحين يرون أن الحُكم هوسبب فسادنا ، وهو علة تأخرنا ، ويقولون : إن الناس على دين ملوكهم . ويَنسونَ أن الملوك على دين عامتهم . كما قيل " كما تكونون يولى عليكم " لأن الأمة هى التي تفرز الحاكم . قال أحدهم لعلي رضي الله عنه : (( لِمَ اتفق الناس في عهد أبي بكر وعمر ، واختلفوا في عهدك ، فقال الإمام علي : أبو بكر وعمر كانوا يحكمون رجالاً مثلي ، وأنا أحكم رجالاً مثلك )) ، مشكلة العرب والمسلمين ليست سياسية ولا عسكرية ، إنها أعمق من ذلك . إنها الخلل الهائل في التربية ، التي يظهر إفرازها على هرم القيادة أو الإدارة ، إذا كانت ظروف المجتمع رديئة . فكم من فاضل يفشل في الإدارة ، لأنه نظيف أكثر من مايريد المجتمع . ولو أن حاكماً أراد أن يكون نموذجياً في ظروف دولية أومحلية رديئة ، لكان مصيره العزل أو القتل . أو لم يسمَّ عمر بن عبد العزيز ، فشل خلفاء عباسيون صالحون ، ذكرهم المؤرخون ، كما في تعليق لأبي جعفر الطبري على خلافة ابن المعتز .
إذا كان المجتمع صالحاً واعياً ، صار الحكم نموذجياً يتجاوب مع نموذجية المجتمع .
أما إذا كان المجتمع سلبياً غير مبال ، لايدرك فيه عالم دوره ، وراع عمله ، ولا موظف وظيفته ، ضاعت الأمة ، وتصرفَ الحاكمُ بها كيف يشاء حسب مايرى . فإن كان صَالحاً صَلحنا ، وإن كان فاسداً فسدنا . وإن كان الحجاج قتلنا وخرب بيوتنا . وإن كان عمر بن عبد العزيز أصلحنا وعدل بيننا ، وإن كان ذا روح حربية بنى الأفران ، واشترى أدوات السلاح ، وإن لم يُحسن استخدامها ، ولم يقدر ظروف العصر ، كما فعل صدام حسين . وإذا كان ذا روحٍ لاهية ، ضيع الثروة في بناء الملاعب والملاهى ، كما فعل الخديوي إسماعيل في مصر .
والتغيير في الأمم بعد عهود النبوات ، ليس بسبب بطولة الفرد المتميز ، إن بطولة الفرد نابعة من بطولة الأمة . أن البطل يخرج من بطن الأمة ، كما يخرج الطفل من بطن أمه ، الشعوب هى التى تفرز قياداتها ، وهى المسئولة عن مايحدث لها من جور أو عدل ، أو هزيمة أو انتصار ، إن فساد الحاكم هو بسبب فساد الرعيـــة ، كما قال الحكيم الخبـير عـن قـوم فرعون : { فاستخف قومـه فأطاعــوه ، إنهـم كانوا قوماً فاسقين } فحكم بفسقهم ، لأن الطغاة والظلمة ، هم نتاج الأمة الغافلة ، كما قل أبو ريشة :
أمتي كم صنمٍ مجدته ،
لم يكن يحملُ طهرُ الصنم ؟
حبسى الشكوى ، فلولاك
لما كان في الحكم عَبيدُ الدرهم
إذا أصبح الأفراد أنانيين غرقت السفينة . قال أبو حيان التوحيدي : قيل لأعرابي : أتريدُ أن تُصلب في مصلحة الأمة ، قال : لا ولكني أحب أن تصلب الأمة في مصلحتي !! إذا ساد هذا الشعور ، فإن القيادة جزء من هذا المجتمع الأناني ، الذي يقول شاعره :
مُعللـــتي بالوصـــل والمـــوت دونـــه !
إذا مُـــتُ ظمئـانــاً فــلا نــزل القــطر
الأمم القوية إنما تقوى بشعوبها قبل قادتها . وهناك تصنع الأحداث ، وتحفر خطوطاً كالأنهار ، على وجه الزمان والمكان ، وتقود العالم . أما الأُممُ الضعيفة بقادتها وشعوبها ، فتضعها الأحداث خطوطاً باهتة فتكون هى آخر الزمان وفَسادَ الزمان ، ، وتخضع إرادتها لظروف الأحداث ، وتضطرها الأمم القوية إلى العيش في مستنقع الحياة ، وتسخرها كالعربات المقطورة خلف القطار ، وكالأقمار التي تدور في هالات المدار ، مسيَّرةً عَبْدةً متواكلة ، تجري من غير اختيار .
ولاينبغي أن نظن أن تغيير الأمور سيكون بمجرد تغيير الحكام ، ولسنا ندافع عن الحكام العرب ، وهم أكثر من عشرين ، لكلّ واحد منهم أكثر من عشرين مؤسسة ، متخصصة في فن إزالة التجاعيد والمكياج ، يعمل فيها آلاف من المتخصصين ، في الدين والاجتماع ، أو الكمبيوتر والإعلام ، إلى المتخصصين في أشعة الليزر .
ولكن تُذكر بحقيقة أساسية ، وهى معروفة ، ولكن التذكير بها مفيد .
وإذا كنا نقول بأن الإصلاح السلمي ، وأن اصلاح القاعدة قبل القمة ، أجدى من المغامرات غير المحسوبة النتائج ، فكيف يتم إصلاح القاعدة ، ولاسيما إذا كان القادة يصرون على تضليلها ؟ .
هذا سؤال طبيعي ، وجوابه في المقالة التالية : دور العلماء والمثقفين .
3 ـ دور العلماء والمثقفين
{ انما يخشى الله من عباده العلماء }
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
ولو عظموه في النفوس لعظما
( أبو الحسن الجرجاني ) .
ومن هنا يتبين أن التغيير السريع في الأمم بعد عَصر النبوات قد انتهي. وإنما السبيل إذن لتغيير الأمم هو أن تصقلها الأحداث . ويكثر فيها الدعاه
والمخلصون الذين يجمعون بين أمور :
الأمر الأول : الوعي الديني والسياسي : والوعي لا يتم إلا باطلاع شامل على التاريخ ، وعلى الحال الحاضرة ، والإلمام بجوانب كثيرة من الثقافة . لأن الذي يَلزمُ فناً واحداً ولايعرف ماحوله ، لن يستطيع أن يُقدم شيئاً مهماً .
الأمر الثاني : الأخلاص : فبالوعي يستطيع الإنسان أن يَعرف الصواب ، وبالإخلاص يقدر أن يلتزم ، به فإذا لم يتقارن الأخلاص والوعي ، ضاعت المعرفة والخبرة . ولابد أيضاً من التجربة ، لأن الجهد الإنساني غيرُ معصوم ، لابد له يجرَّب ويجتهد ، فيخطىءَ مرة ويُصيبَ آخرى ، ولا ينبغي أن تكون أخطاء الأمس حاجزاً بينه وبين صواب اليوام . ولا أن يعود الإنسان أسير طريق سلكهُ بالأمس ، حين يجد الطريق الأقوم في سواه . إن الواقع لن يصل إلى مستوى عالٍ إلا بنقلة جذرية نوعية . تتوفر لها عناصر بشرية غير عادية ، تُغاير النوع الرتيب المكرر المألوف ، وهذه العناصر مع الأيام تُصبح " معالم يَستشهدُ بها الناس في طريقهم الذي يسلكون " كما قال أحد المصلحين ، وهذه العناصر تتخصص في كل مجال . قال أحد المصلحين : " نحن في حاجة ملحة إلى المتخصصين ، في كل فرع من فروع المعارف الإنسانية ، الذين يتخذون من معاملهم ومكاتبهم صوامع وأديرة ، ويهبون حياتهم للفرع الذي تخصصوا فيه . لابشعور التضحية فحسب . بل بشعور ... العابد الذي يهبُ روحه لله وهو فرحان " .
ولاينبغي لهؤلاء أن يستبدَ بهم الحذر المَرَضي ، الذي هو إلى الوسواس أقربُ منه إلى العقل ، فيجب أن يعملوا . ولو لم يسلموا من العيوب . كما قال المودودي . " الطريق الصحيح للتربية ، أن ينهض الرجل للدعوة إلى دين الله ، فإنه بمجرد أن يقوم بهذا الأمر ، يضع الناس أصابعهم ، على مافيه من نقص وعيوب ، متسائلين : كيف ينصحنا بكذا وكذا من المكارم ، وهو نفسه مصاب بكذا وكذا من العيوب ؟ فيكون مثله كمثل إناءٍ تدلكهُ الأيدي الكثيرة إلى أن تصقله " وهؤلاء الدعاة ينبغي أن يقيسوا عملهم بالواجب لا بالواقع ، وإلا فقدوا كل قدرة ، على التطور والتغيير والإصلاح . كما ينبغي أن لا يقتصر الأمر على اختصاصاتهم ومهنهم الرسمية ، وينبغي أن يتجاوزوا الجزئيات إلى الكليات ، لأن الذي يقتصر على اختصاصه ومهنته الرسمية ، يتحول على مر الزمن ، إلى إنسان آلي ، يفتقد الشخصية والإرادة والهدف ، ويفتقد الحس الإسلامي والإنساني والأخلاقي .
وإذا تكاثر المربون الواعون صلحت الأمة ، لأنهم هم الذين يغرسون الشجر الذي يثمر ولو بعد حين ، كما قال حكيم : إذا أردت أن تزرع شيئاً يثمر بعد سنة فازرع قمحاً ، وإن أردت أن تزرع شجرا يثمر بعد خمس سنين فأغرس نخلاً ، وإذا أردت شجراً يثمر بعد عشر سنين فأغرس زيتوناً ، وإذا أردت شجراً يثمر بعد مئة سنة فأغرس رجالاً .
ليس قادة الأمم هم زعماء السياسة وأبطال الحرب ، إن قادة الأمة هم المربون الذين يصنعون الرجال ، فإذا غَفلوا عن مهمتهم ، وظلوا هامشاً في كتاب قديم ، ضاعت الأمم ، وتاه مركبها بين الأمواج والصخور ، والر