البــــدايه

                                                                                                                                                              

 

حقوق الإنسان

بين نور الإسلام وغبش الفقهاء والحكام

أبو بلال عبد الله الحامد

طبع الكتاب في لندن 1415هـ(1996م)

نسخة معدة للطبعة الثانية

23/3/1427هـ(21/4/2006م)

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

[1]

المقالة الفاتحة

لكي يتوقف الخطاب الديني المحرف

 عن حراسة الاستبداد والتخلف

أ- حقوق الإنسان هبة من الرحمان لا من أب ولا سلطان:

عندما ترد كلمة (حقوق الإنسان) يظن عدد غير قليل من الناس، أنها مفهوم  دخيل على الإسلام، وأنها مرتبطة بالعلمانية، وأن الأديان لم تهتم بحقوق الإنسان، وهذا الوهم قد انجر إليه كثير من الناس، متهمين الإسلام بأنه يؤيد الحكم الدكتاتوري المستبد، ويسمح بالظلم والبطش، وكأن حقوق الإنسان مفهوم علماني، لا دخل للدين الإسلامي به، إنما  أعلنت ميثاقه الأمم المتحدة، بعد ان رسخ مفهومه المفكرون والساسة الغربيون، وواقع الحال أن حقوق الإنسان ليست مفهوماً علمانياً ، بل إن الأديان السماوية ولا سيما الإسلام قررتها وأكدتها .

ولذلك صار على دعاة الإصلاح السياسي  والحريصين على بعث الحضارية  الإسلامية  من جديد، إن يسعوا جاهدين لتجريد الإسلام من ما علق به من آثار الزمان والمكان، خلال ليل الطغيان الطويل.

يجب عليهم إن يجهروا بموقف الإسلام الصحيح من الفرائض السياسية والاجتماعية التي عطلها الطغاة، من عدالة ومساواة وحرية، ويجب عليهم التعاون المخلص مع الذين ألهبت ظهورهم سياط الجلادين، وأهدرت حقوقهم مخالب  الغاصبين، فتحركوا من خلال المدارات الإقليمية والقارية والدولية، للمطالبة بحقوق الإنسان والعمل على الدعوة إليها والتعريف بها .

يجب على فكر الإسلاميين اليوم كشف قناع الاستبداد والطغيان الذي أذل الإنسان, باسم الإسلام وإعلان موقف الإسلام المشرف، وبيان براءة الدين من كل ممارسة لوأد كرامة الإنسان.

إن البحث في موضوع حقوق الإنسان كفيل ببيان شرعيتها والتأكيد على أن الأمم والأديان اتفقت على تكريم الإنسان، وعلى أن صريح الوحي وصحيح العقل متوافقان.

 

والمستبدون يسعون إلى توظيف الدين ليكون أداة لهم ينتهكون من خلاله حقوق الإنسان, أو ليجعلوه محايداً بعيداً عن قضايا كرامة الإنسان , ليواصلوا إذلال الأمة واضطهادها، وواجب المصلحين بيان تكريم الله للإنسان، والإعلان بكل لسان وميدان: إن حقوق الإنسان هبة من البارئ الحكيم، لا يستطيع احد أن يسلبها، كما قال بيان المجلس الإسلامي الأوربي،الذي اقره نخبة من علماء الأمة الإسلامية ومفكريها في اجتماع باريس 21/11/1401هـ ( إن حقوق الإنسان في الإسلام ليست منحة ملك أو حاكم، أو اقراراً صادراً من سلطة محلية أو منظمة دولية ، انما هي حقوق ملزمة ، بحكم مصدرها إلا لا هي ، لا تقبل الحذف ولا النسخ ، ولا التعطيل ، ولا يسمح بالاعتداء عليها ، ولا يجوز التنازل عنها )

وهذا البحث مشاركة في دعوة خيرة لقادة الأمة المسلمةعامة، وإلى أولي الأمر (عرفائها) فى المجتمع الأهلي خاصة، عسى أن يتواصوا بالحقوق التي نزل بها كتاب الله، مراجعين مناهج حياتهم، وطرائق حكمهم، والعلاقات بين المجتمع وقيادته، مراجعة تفضي إلى احترام هذه الحقوق التي شرعها الله، التي لا يجوز لمسلم إن يتجاهلها أو أن يخرج عليها.

[2]

ب – مقتضى عبودية العباد لله حريتهم عن من سواه:

لقد منح الله ابن ادم الحياة ، وسخر له المخلوقات التي من حوله ليقوم بعبادته ، كما في الحديث القدسي ( يا ابن آدم خلقتك من أجلي وخلقت كل شيء من أجلك )، ومقتضى عبودية العبد لله ، حريته وغناه عن من سواه ، أن لا يخضع إلا لله ، وأن لا يرجو إلا الله ، وان لا يخاف إلا الله ، بل إن الإسلام اعتبر كل شيء يضيق على الإنسان حريته شركاً ، فإذا رجا الإنسان بشراً أو خافه فقد أشرك ، وقد أفاض العلماء في بيان مفهوم الشرك الأكبر والأصغر ، والظاهر والباطن ، وحاصل ذلك إن الانحناء للطغاة مخل بالتوحيد ، كالطواف حول الاضرحة والأموات .

وذلك إن الإنسان الذي يعبد الله صار بعبوديته لله حراً من سواه ، فأوجب الله على عبيده إن يكونوا أحراراً في تصرفاتهم وأقوالهم حرية كاملة ، مشروطة بلزوم الشريعة، التي هى مقتضى الطبيعة التي تهدي اليها الفطرة السليمة، وكل فطرة فى العقول الناضجة سليمة، فإنما هي فى قانون الشريعة مستقيمة، كما قال تعالى " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ، ... فطرة الله التي فطر الناس عليها ".

 وعندما نتسمى عبدالله وعبدالعزيز وعبدالرحمن ، فنحن نعلن إننا مماليك الله فحسب، وأنه لا يملكنا أحد سواه ، وأن من سواه اناس عبيد مثلنا ، وأن الناس لا ينقسمون إلى أحرار وعبيد، بل الناس كلهم عبيد لله، وهم إذن أحرار أنداد لإخوانهم البشر الاحرار، لا يجوز إن يخرجوا عن هذا التصنيف فإذا خرجوا فقد أخللنا بالعبادة ، ولذلك ور في الحديث الصحيح عن ابي هريرة ( لا يقل أحدكم عبدي وأمتي) وليقل فتاي وفتاتي ، أي إن البشر لا يمكن إن يستعبد ولا أن يعبد قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب إن المراد من النهي عن ذلك تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ ( فتح المجيد : 456 ).

ولذلك حرر الإسلام الناس من عبادة الأصنام والأوثان، بل وحذر الناس من طاعة الأمراء والعلماء الذين يحلون ما حرم الله ، ويحرمون ما احل واعتبر تلك الطاعة عبادة لهم قال تعالى " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله " ، كما وضح المفسرون كالقرطبي ولذلك اعتبرت الاستعاذة والاستعانة بغير الله شركاً.

واعتبر الإسلام كل من أرضى الناس بسخط الله مشركاً ، واعتبر القرآن  اليأس من روح الله كفراً ، واعتبر المرائي مشركاً ، كما في الحديث القدسي ( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)

لقد حرر الإسلام الإنسان من القيود التي تحد من عبوديته لله ، وحريته عن من سواه فحرره من القيود التي أرهقت عقله وجسمه ونفسه ، من قيود الطواغيت، من السلاطين والأحبار والمشعوذين والشياطين والعادات البدائية فقال تعالى " ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم " (الأعراف: 157).

وإقرار  الإسلام للحريات إقرار منه لإنسانية الإنسان ، فأقر لغير المسلمين بالتمتع بحرياتهم ، ( الشياشاني : حقوق : 308 ) بينما لم يعترف اليهود بالنصرانية والإسلام ، ولم يعترف النصارى باليهودية والإسلام  .

وبينت نصوص التشريع الإسلام ، أن المقصد من وضع الشريعة كما نص الشاطبي هو " إخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبدالله اختياراً كما هو عبدالله اضطراراً" ونص العلماء على ضرورة حفظ حقوق الإنسان الخمسة : دينه وماله وعرضه ونسله وحياته، التي لو لم تحفظ لاختل نظام الحياة الإنسانية، وانقلبت أحوال الناس من الصحة إلى الفساد ، وضاعت مصالح الدين ، وآب الناس بالخسران العظيم في الدنيا والآخرة ، وأهمها حرية الدين : إذا إن من حق الإنسان إن يتبع أحكام دينه ، وأن يدعو الناس إليه ، وأن تؤمن الدعوة والدعاة من الاعتداء ، وإزاحة كل ما يقف في سبيل الدعوة ، ولحفظ الدعوة شرع الحوار والجدال والنقاش ، لأنه بحفظ  هذه الأمور صلاح الناس، وبصلاحهم يصلح العمران وتسود الطمأنينة بين الناس ، وإهمالها يؤدي إلى خراب العمران .


 

[3]

  المقالة الثانية

 

 الحقوق الشخصية(حقوق بقاء حياة الإنسان)

 أ – حق الأمن على الحياة:

لقد كفل الإسلام للإنسان (الحقوق الشخصية)، وهي حماية شخصه من الاعتداء، وحماية ماله، وعدم جواز القبض عليه أو معاقبته إلا بالقانون.

ولذلك حرم الله قتل النفس ، وازهاق الروح ، وكل ما يضر بالحياة ، وعد الله قتل النفس قتلا للبشر جميعا " من قتل نفسا أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " (المائدة : 32) ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم " ( رواه مسلم )

ولما وقف صلى الله عليه وسلم أمام البيت الحرام قال : ( ما أطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما عظم حرمتك ، والذي نفسي بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك ، مال ودمه ) رواه ابن ماجه. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ويقف الرسول الكريم في خطبة الوداع، ليذكر الناس بأهم ما يجب عليهم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " (رواه البخاري).

وحرم الإسلام الانتحار ولم يجعل للإنسان حقا في أن يقتل نفسه، لأن الحياة تكريم وامتحان، فلا يجوز إن يفر منه الإنسان، فقال تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم انه كان بكم رحيماً " (النساء:29).

وقرر الإسلام إن المسلم وغير المسلم سواء في حق الحياة ، ولذلك اعتبر الاعتداء على الكفار المسالمين، كالاعتداء على المسلمين كما في الحديث الذي رواه عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل معاهداً ، لم يرح رائحة الجنة " (رواه البخاري).

وأوجب الله القصاص في القتل ، ولم يفرق الإسلام بين إن يكون القتيل رجلا أو امرأة ، بالغا أو صبياً، عاقلاً أو مجنوناً، عالماً أو جاهلاً، شريفاً أو وضيعاً، مسلماً أو ذمياً، فيقتل الرجل بالمرأة والبالغ بالصبي والعاقل بالمجنون، والعالم بالجاهل والشريف بالوضيع والمسلم بالذمي، لعموم قوله تعالى " وكتبنا فيها إن النفس بالنفس " ولما روى عن محمد بن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقاد مؤمناً بكافر ، وقال إنا أحق من وفي بذمته ، ويعلل الفقهاء ذلك (بان تحقيق الحياة التي أشار الله تعالى إليها في قوله (ولكم في القصاص حياة ، يا أولي الألباب ) في قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم ، لأن العداوة الدينية قد تحمل على القتل ، فكانت الحاجة إلى الزجر أمس ، (انظر بدائع الصنائع 7/237).

بل إن الإسلام احترم الإنسان حيا و احترمه ميتاً أيضا فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تشويه الجثة بعد الموت فقال : ( إياكم والمثلة ) وعن جابر رضي الله عنه قال : مرت بنا جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا ، فقلنا: يا رسول الله انها جنازة يهودي قال : إذا رأيتم الجنازة فقوموا.

[4]

ب- حق الأمن على المال:

وأمن ا لإسلام الإنسان على ماله ، فحرم السرقة الصغرى ، وهي التي يغتصب فيها الإنسان مال أخيه سراً ، عاقب عليها بقطع اليد وحرم السرقة الكبرى وهي (الحرابة) وعاقب عليها بالقتل .

وأجاز للإنسان أن يدافع عن ماله بكل وسائل الدفاع ، حتى لو ألجأه ذلك إلى قتل المعتدي وفي هذه الحالة لا قود عليه إذا قتل ، وهو يموت شهيداً إن قتل، لقوله عليه السلام "من قتل دون ماله فهو شهيد" (رواه البخاري).

[5]

ج- حماية الأعراض والنسل:

ولقد شمل الإسلام الأعراض بأقوى حماية ، ووضع عقوبات شديدة على جريمة الزنا وهتك العرض والقذف ، قال تعالى " والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم يهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم والأخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (النور:2).

وحرم الإسلام قذف المحصنات والمحصنين من المسلمين وعاقب عليه بالجلد قال تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ، فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ، وألئك هم الفاسقون " (النور : 44) فعوقب هاتك العرض بالجلد، وبإسقاط شهادته ويستوي في ذلك القاذف الشريف والوضيع .

 

لقد صان الإسلام جسد الإنسان وعقله ووجدانه، فحرم تعذيب الجسد والاعتداء على البدن من جرح أو ضرب أو سجن ، أو جلد  ، وحرم تعذيب النفس بسجن أو سب أو شتم أو تخويف أو سوء ظن أو قذف، قال صلى الله عليه وسلم : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (متفق عليه) وقرر جملة من الأحكام والعقوبات التي تكفل حماية الإنسان من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه ، ليتسنى له إن يمارس حقه الشخصي وحرية التصرف في شئونه دون إعاقة أو ضرر ، قال تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" (المائدة : 45) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم الضرب والجلد " من جلد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان " ( رواه الطبراني في الأوسط ) وقال " ظهر المسلم حِمى إلا بحقه " ( رواه البخاري) .

ولا يقتصر ذلك على المسلمين ، بل يشمل غير المسلمين فقد مر الصحابي هشام ن حيكم على أناس من الأنباط أقيموا بالشمس وصب على رؤسهم الزيت ، فقال : ما هذا؟ فقيل : يعذبون في الخراج فقال : أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضرب الذين يعذبون الناس في الدنيا " ثم دخل على الأمير فحدثه ، فأمر بهم فحلوا.

حرم الإسلام القدح في عرض المسلم ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر " ونهى عن الغيبة والنميمة ، وشرح القصاص في الأعراض كما قال ابن تيمية ( السياسة 80) " القصاص في الأعراض مشروع أيضا ، وهو أن الرجل إذا لعن رجلاً ، أو دعي عليه ، فله أن يفعل به كذلك ، وشرع القصاص في القذف وما دونه".

لقد أقر القانون الإسلامي هذه الحقوق قبل أربعة عشر قرنا، من ميثاق حقوق الإنسان فقال " لا يجوز ان يعرض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو بحملات على شرفه وسمعته ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات" (المادة : 12).

[6]

د- حرمة المسكن:

أكدت الشريعة الإسلامية حرمة مسكن كل فرد أو أسرة ، فلا يجوز الاعتداء عليها، بل ولا دخولها بدون أهلها قال تعالى ( يا أيها الذين امنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ، فان لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ، فان قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ، والله بما تعلمون عليم ) (النور: 27-28)

ولحفظ حرية المساكن حرم الله التجسس والتلصص على بيوت الآخرين فقال " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعض " (الحجرات :12) فحرم ذلك لأن من يفعل ذلك ينتهك الحقوق الأساسية للمسلم ، وهي حرمة مسكنه ، وحرية شخصه ، وعدم جواز الاطلاع على سره، ويكون المتجسس قد استباح وسيلة محرمة ، ولو كانت غايته حلالاً، لأن ذلك محظور فلا يصح أن يسعى إليها بوسيلة محرمة ، لأن الغاية الحلال لا تبرر الوسيلة الحرام.

وحرم الإسلام التلصص من خلال ثقب في باب ، أو نافذة في جدار، أو خلال مكان مرتفع قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " من نظر إلى دار جاره ، فإنما نظر إلى كوة من النار "

ولذلك أسقط الإسلام أرش من أصابه أذى وهو يتلصص بعيونه من وراء ثقب فى باب أو جدار أو ستار أو يقتحم بيتا دون أذن أهله، قال صلى الله عليه وسلم : " من طلع في بيت بدون إذنهم، ففقأوا علينه فلا دية له" ( رواه البخاري ).

[7]

المقالة الثالثة:

أهم الحقوق التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان هي الكرامة:

أ‌-                ما مقتضى: ولقد كرمنا بني آدم:

لقد كرم الله تبارك وتعالى الإنسان فقال " ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا " (الإسراء : 70 ) وفضل الله الإنسان على كثير من مخلوقاته ، واستخلفه في الأرض ، وأمر الملائكة بالسجود له، قال تعالى " وإذا قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " ( سورة ص:71).

وذلك لأن الباريء الكريم خلق الإنسان لعبادته فقال تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ومعنى كون الإنسان  عبدا لله ، حريته عن من سواه فلا يخضع إلا لله ، ولا يطيع إلا الله ، وهذا المعنى أشار إليه عمر بن الخطاب عندما قال " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " .

[8]

ب- نصوص  الكرامة قطعية كلية:

لا يجوز ترويع المسلم وغير المسلم أيضا(مالم يكن محاربا)بأي حال من الأحوال كما في الحديث الشريف "لا يحل لمسلم إن يروع مسلما " ( رواه ابوداود والترمذي ) وأحمد في رواية عند الطبراني " لا تروعوا المسلم فان روعة المسلم ظلم عظيم" وقال تعالى : " إن الذين يوذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتان واثما مبيناً " ويستوى فى هذه الحقوق غير المسلمين مع المسلمين لأنها حقوق تكتسب بالمواطنة والذمة، ولذلك لا تجيز الشريعة الإسلامية لأمير أو رئيس إن يؤذي فرداً أو جماعة أو أن يضربهم ، كما لا يجوز أن يعتقلهم أو يقتحم بيوتهم إلا بحكم القضاء، فضلا عن أن يروع أطفالهم ومحارمهم،.

 حرم الإسلام التجسس وتتبع العورات قال تعالى : "يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا"

وأكدت السنة تحريم تجسس السلطة على المجتمع، وقد ذكر ابن خلدون خطورة تجسس الدولة على الشعب ، وما يؤدي ذلك من المفاسد .

وحرم الإسلام كل قول أو عمل يمس كرامة الإنسان فحرم الغيبة والنميمة والتجسس والهمز واللمز والتنابز بالألقاب قال تعالى " يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى إن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى إن يكن خيرا منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابذوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ،يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ، إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم إن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه " (الحجرات: 11-13) وقال تعالى: " ويل لكل همزة لمزة " وقال : " ولا تطع كل حلاف مهين هما مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم ".

[9]

ج- حرية التنقل والسفر:

أباح الإسلام للإنسان التنقل داخل الوطن والسفر خارجه، بحرية تامة ، لأن الحركة شأن الحياة والأحياء ، ولا حياة دون تنقل ، فالإنسان يغدو ويروح، للبحث عن العمل والكسب والمعاش ، وأباح الله التنقل للتجارة والاكتساب، وعده من نعمه على عباده فقال تعالى : " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور " (الملك:15) ومن وصايا عمر بن عبدالعزيز : " افتحوا للمسلمين باب الهجرة " وقوله " دعوا الناس تتجر بأموالها في البر والبحر، ولا تحولوا بين عباد الله ومعايشهم "، وكان المسلمون ينتقلون داخل بلاد الإسلام، وخارجها للتجارة والسياحة وطلب العلم، وبناء عليه لا يجوز المنع من التنقل من السفر؛لا يكون تمضية لعقوبة أوتحقيقاً لمصلحة راجحة أو دفعاً لمفسدة وأن تقرر ذلك جهة محايدة عن الحكومة ، هي سلطة القضاء. وقد شرع الإسلام ذلك قبل إن يقول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (لكل فرد حرية النقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة ، ويحق لكل فرد إن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده ، كما يحق له العودة إليه ) (المادة :13).

ومن أنواع السفر الهجرة من دار الكفر أو الاضطهاد إلى دار الإيمان أو الحرية، وهو حق للمسلم لا يجوز منعه من المجئ إلى دار الهجرة ، ولا يجوز منعه من السفر قال تعالى " والذين امنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ، والذين آووا ونصروا ، أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم " (الأنفال: 74).

ولذلك فان من حق الإنسان إن يتنقل في بلاد الإسلام، من دون قيود، قال تعالى: " يا عبادي الذين امنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون " (العنكبوت:56).

[10]

د– الكرامة وعلاقتها بتسخير كل شيء للإنسان:

ولا تتضح أهمية الكرامة في الشريعة، إلا بالوعي بعلاقتها بالحرية والاختيار، وعلاقة الحرية والاختيار، بقاعدة (التسخير) الذي ورد في النصوص الشرعية " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً " (الجاثية 13) و " وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار " (إبراهيم : 32-33) فكل ما حول الإنسان مسخر لنفعه، فقد عدد الله نعمه الظاهرة والباطنة ، إذ أخرج من الأرض ماءها ومرعاها ، والجبال أرساها متاعا للبشر ( كما في سورة النازعات )، وشق الأرض، وأنبت فيها الحب، والزيتون والنخل، والحدائق الغلب، متاعاً للبشر ( كما في سورة عبس ).

[11]

هـ-الحكومة التي تغتال الكرامة كالتي تغتال الحياة:

لقد حمى الإسلام كرامة الإنسان من الاهانة والإذلال فقال تعالى " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " فلا خير في الذليل المهين ، لأنه لن يصلح لحمل رسالة الإسلام إلا الأحرار الأعزة الكرام ، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لا تضربوا المسلمين فتذلوهم" إن العقيدة الإسلامية توجب على المسلم إن يكون عزيزاً كريماً ، وتوصي الإنسان بالتمرد على كل ذل واستعباد ، لأن عبوديته لله ، تشده إلى الله فلا يرى عظيما غير الله ، ولا يرى مخوفاً غير الله، ولا يرى مرجواً غير الله ، وأي دولة تذل الإنسان المسلم ، وتعوده على الخضوع والركوع والطاعة العمياء، فقد حرمته شيئاً أغلي من المال والطعام والشراب، إنه الكرامة والعزة " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين (من الحكام) لا يفقهون"(زيدان: الود) ؟.

الناس في الشريعة أحرار مكرمون، وكرامتهم ثابتة بأصل الخلقة الإنسانية، مؤمنهم وكافرهم،فالله هو الذي وهبهم الكرامة، وما وهبه الله لا يجوز للدولة انتقاصه، فضلا عم إلغائه، لأن الدولة إنما غايتها حفظ الحقوق، لا العدوان عليها، وهذا المبدأ مهم جدا، لكي لايقول بعض الفقهاء الخادعين والمخدوعين والغافلين: ينبغي الصبر على الحاكم الظالم، تضجية بالعدل من أجل الأمن، فكل أمن يقوم على انتهاك الكرامة، فإنما هو ظلم مبين، وهو من صفات الطاغوت، كما قرر القرآن الكريم، في قصة موسى وفرعون، في مطلع سورة طه"إن فرعون على في الأرض..

ولكي يتبين أن الكرامة صنو الحياة، ينبغي أن نتذكر أن جهاد المعتدين بالسيوف، وجهاد الطغاة بالكلام ومواقف السلام، كلاهما فرض عين، بيد أن الطغاة والغزاة لا يقتلون كل الناس، ولكنهم يفقدونهم العزة، كما قالت بلقيس"وجعلوا أعزة أهلها أذلة"، وهذا دليل على أن الكرامة صنو الحياة.

 

 

[12]

المقالة الرابعة

المساواة بين الناس

( تقوم على تكافؤ  بين الحقوق والواجبات)

أ – الناس سواسية في الحقوق المدنية:

قرر الإسلام المساواة بين الناس، وجعلها من المبادئ الأساسية، فبين إن الناس سواسية بحسب خلقهم الأول، وأنهم لا يتفاضلون بلغاتهم أو أنسابهم وقبائلهم أو مقاماتهم الاجتماعية أو مناطقهم، بل على أساس عملهم الصالح وكفايتهم، وتقواهم. فلا فضل لأحد على احد بحسب عنصره وطبيعته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب في حجة الوداع (أيها الناس إن ربكم واحد ، وان أباكم واحد ، كلكم لآدم ، وآدم من تراب ، أكرمكم عند الله اتقاكم ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على ابيض ، ولا لأبيض على احمر فضل إلا بالتقوى ، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب).

ولما تجادل أبو ذر الغفاري مع أحد الصحابة السمر واشتط بأبي ذر الغضب ، قال للصحابي الأسمر : يا ابن السوداء وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم الكلمة النابية ، فأنكرها وقال : ( أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية. وقال : ( طف الصاع ، طف الصاع "أي امتلأ" ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح) وندم الصحابي الجليل أبو ذر