علي الدميني

زمن للسجن
... أزمنة للحرية
إ هداء
إلى
الدكتور أبو بلال عبد الله الحامد
والدكتور متروك الفالح
صديقي القضية، وزميلي الموقف
وإلى كوكبة عشاق الوطن الذين مضوا
على الطريق الصعب نحو فضاءات الحرية
الفهرس
القسم الأول : ســــــرديات ............................................... 9
القسم الثاني : مقالات و وثائق:
1 - الكويت...و تداعيات الضفاف الأخرى...................................... 101
2 - المطالب الوطنية للإصلاح السياسي (1) حراك يدوّن خطواته............ 117
3 - المطالب الوطنية للإصلاح السياسي (2) سيرة طويلة... وباب واحد...... 139
4 - الإدعاء العام لائحة دعوى عامة.............................................
145
5 - المجتمع المدني ودوره في الحدّ من العنف والإرهاب مرافعة أولى............ 151
6 - تفنيد التهم الواردة في( لائحة دعوى عامة )مرافعة ثانية ................ 169
القسم الثالث : قصائد من السجن
1 - للأيام الخضراء............................................................
189
2 - محاولة....................................................................
190
3 - سوف تصعد................................................................
191
4 - جاري السلفي..............................................................
192
5 - يا سادن السجن............................................................
194
6 - نهر الغياب.................................................................
196
7 - كلمات للقيد.. وأغنية للحرية...............................................
198
8 - بروق الأسير الفلسطيني....................................................
204
القسم الأول
سرديات
سرديات
لا تعتذر عما فعلت
أقول في سرِّي.
أقول لآخري الشخصيّ :
هاهي
ذكرياتك
كلّها مرئية
محمود درويش
لا تنحصر استفادتي من السجن في امتلاكي الوقت، الزائد عن الحاجة، للاختلاء بالذات،
وإنما لتأمل ما يستحق التسجيل أو النسيان على السواء. و قد وجدتني أمام ذكريات
متشعّبة، تحتاج إلى كثير من إعادة الترتيب، وهو ما يصعب عليّ، و لذا وجدت أن
تحويلها إلى شكل من أشكال السرد سيحرّرني منها، ويفتح الباب أمامي لكتابتها.
من أين أبدأ ؟
من اللحظات الأولى للحادثة، أم من نهايتها التي لم تكتمل بعد!
وبعد محاولات كثيرة للعثور على لحظة التدوين، وجدت أن اختيار هذا اليوم، سيمكّنني
من مراوحة التنقل بين أزمنة وأمكنة عديدة، ولذا اخترته للبدء.
في مساء هذا اليوم،أكون قد أكملت مدة 26 يوما في سجن المباحث (الكائن في سجن الدمام
القديم) وهي مدة كافية لمثلي لتجاوز مرحلة التحقيق والتكيّف مع مناخ المعتقل
الانفرادي.
واليوم هو السبت 12/4/2004م،بداية الأسبوع،وعودة الطلاب والموظفين إلى أعمالهم، وما
يبعث في النفس آمال تحريك قضية اعتقالي من جديد، وكنت أتقلب على فراشي في غرفة
السجن الثانية، التي تم تحويلي إليها منذ أسبوع،بعد أن اتضح للمحققين ـ حينها ـ عدم
قبولي بكتابة تعهد يلزمني بالتوقف عن ممارسة أي نشاط يتعلق بالمطالبة بالإصلاح
السياسي والدستوري في المملكة.
داعبني قلق متشعب طرد احتمالات النوم بعد أن أيقضني الحارس لصلاة الصبح،وحين رأيت
ألا فائدة من الالتفاف بالبطانية،نهضت في السابعة لتناول الفطور الملقى أمام
الباب،وأردفته بتناول أدوية (السكر)،والفيتامين وكوب الشاي،ووضعت الجرائد أمامي
لبدء يوم جديد.
- البس ثيابك، قالها الحارس مستعجلا،ولم أسأله إلى أين ؟
أخذني ومرافقه عبر ممرات لم أتعرف عليها من قبل حتى دخلنا بهواً معبأً بالحياة :
استوديو تصوير، مستودع ملئ بالمعلبات،والكراتين، وكانت مكاتب عديدة تفتح على هذا
الفناء المستدير والأنيق في نفس الوقت.
لم أتمكن من التمتع بهذا الفضاء حتى أدخلني الحارس إلى غرفة التصوير.
وضعوا(العقال) على الرأس،ونزعوه،ثم أزاحوا (الغترة)، أداروني يمينا وشمالاً،مرة
بالنظارة،وأخرى بدونها ،ورحت أتساءل عن نهاية هذه الحفلة من التصوير التي لم أجدها
حتى في الاستوديوهات المتخصصة ،حين كنت أحرص على الحصول على صورة ملائمة أرسلها
للصحف لتنشر مع قصائدي أو كتاباتي!
وبعدما أعشت عيناي فلاشات الكاميرا،أخرجني الحارس ومضى بي إلى قسم البصمات،فأبلغتهم
أنهم قد أخذوا بصماتي خلال اعتقالي الأول في نهاية عام 82م،لكنهم قالو إن تلك
البصمات تخص قضية أخرى.
تولى أحدهم تقليب الأصابع العشر في الحبر الأسود وتثبيتها على كروت صغيرة،بلغت
عشراً،لكن بعضها لم يكن واضحاً ،فأعدناها حتى امتلأت اليدان والثوب بسواد الحبر.
أحسست بالضيق، والمرارة، وقلت لهم بأنني لست إرهابياً، وإنما أنا واحد من دعاة
الإصلاح السياسي، الذين اختطوا الطريق السلمي لمطالبة القيادة بإصلاح أوضاعنا قبل
أن تغرق السفينة ومن عليها.
قال أحدهم : هذه أوامر ولابد من تنفيذها.
فقلت له، أتمنى لو أنكم وفرتم جهودكم هذه لمن يستحقها،أما أنا فلم أحمل السلاح،ولا
أعرف كيف أستخدمه، ولم أطلق في حياتي إلا رصاصة واحدة نحو الفضاء في حفل زواج في
قريتنا،أما الطلقة الثانية فقد علقت في قصبة المسدس الصغير،وسببت لي حرجا أمام
والدي وأمام المحتفلين بتلك المناسبة،ومنذ ذلك اليوم، الذي كان عمري فيه لم يتجاوز
الثانية عشرة ،(غسلت يدي) من السلاح!
ابتسم الحارس،وكدت أقول له،إنني انتميت إلى حزب سياسي،ولكن ذلك الحزب لم يكن يتوسل
في نضاله بالحرب الشعبية، وإنما يراهن على حركة الجماهير، ولو أنه تبنى (الكفاح
المسلح) سبيلا للتغيير لكنت أول من يخرج منه، بل وكنت أول من يقف ضده.
أبقيت كلماتي في صدري وكان الحارس يعيدني إلى غرفتي قائلاً : لا تغضب فهذه
الإجراءات علامات على الإفراج عنك !
ـ بدون تعهد!... ،
أجاب،لا أدري.
ـ هذه ليست علامات أفراج وإنما نقل من هذا السجن إلى آخر،وقبل أن أكمل الجملة،أطل
ضابط التحقيق من آخر الممر وقال بصوت عال : عجل في تجميع أغراضك لأننا سنذهب إلى
الرياض.
يا للأغراض..! كتب قديمة منها الجزء الرابع من (الأغاني) وجزء من العقد
الفريد،والمفضليات،والنقد المنهجي عند العرب، وكنت قد حددتها لزوجتي لكي يسمح
بدخولها للسجن، ولكن الأهم، هو حزمة من الصحف احتفظت بها منذ سمح لي بالجرائد في
اليوم الثالث للاعتقال،وقد بدأتُ بوضع أرشيف وخلاصات مقتضبة، دونتها في كراس صغير
لأهم تلك المواضيع.
تعلمت توطين نفسي ـ منذ انتقالي من الغرفة الأولى إلى هذه ـ ، على السجن الطويل،
وتقبل الأمر الواقع، ومحاولة الاستفادة من الوقت في الرياضة بالمشي في الغرفة أو
بالقراءة وحفظ بعض المقاطع الشعرية.
وقد أعجبتني مقالة احتفائية بشعر (نزار قباني) نشرت في صحيفة الجزيرة،وأوردت بعض
مقتطفات من قصائده لم أكن قد قرأتها من قبل. وفي زمن العزلة والتأمل ازددت إعجاباً
بشاعرية هذا العملاق الذي أتقن امتلاك أسرار أناقة الكلام، والتعامل مع اللغة
كامرأة غمست قامتها في عبق التاريخ وخرجت منه إلى صخب الحاضر،وهي تركض على رمل
الشواطئ، عارية القدمين،وصدرها متشح بجمر الحنين وبهجة الحياة،وحفظت بعض تلك
الأبيات ومنها :
(فرشت فوق ثراك الطاهر الهدُبا
فيا (دمشق) لماذا نبدأ العتبا؟
حبيبتي أنتِ... ميلي مثل أغنية
على ذراعي ولا تستوضحي السببا
شآم أين هما عينا معاويةٍ
وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا
فلا خيول بني حمدان راقصة
زهواً،ولا المتنبي مالئٌ حلبا)
قمت أبحث في ما اخترته ـ خلال ستة وعشرين يوما من جرائد ـ للأرشفة، فاكتشفت أن
العجلة، ومطالبة المحقق بالإسراع، حرمتني من اصطحاب بعض ما وددت الاحتفاظ به،ولا
سيما ما يتعلق بأخبار قضية اعتقالنا، ولم يكن هناك من الوقت ما يكفي
للاختيار،فانتزعت بعضها ووضعته في كيس ملابسي وأدويتي، ومضيت خلفه إلى السيارة
الواقفة أمام باب العنبر.
ركبت في صندوق السيارة ،وبقيت محدقاً في الباب الذي خرجت منه.
أتذكره جيداً،لأنه أول باب رمادي أقابله حين عبرت إلى داخل سور السجن، بصحبة النقيب
سعيد الزهراني واثنين من زملائه في الساعة الثانية عشرة ظهراً من يوم الثلاثاء
16/3/2004م. وحين رأيت السجن الكبير من الخارج دارت عجلة التذكار. إنه سجن الدمام
المركزي الذي بني معزولاً، على رأس تلة تطل على سهوب صحراوية تؤدي من جهة الشمال
إلى أطراف الدمام القديمة،وقد عرفت أن الكثيرين من المعتقلين والمطالبين بالإصلاح
قد قضوا فيه سنوات طويلة من أعمارهم،مثل الشيخ الأديب عبد الكريم الجهيمان الذي
أمضى فيه مدة قاربت أربع سنوات ،وقد شاركه جزءاً منها الأديب الوطني عابد خزندار،
وعدد من المعتقلين السياسيين من قيادات الحركة العمالية الذين أمضوا جزءاً من مدة
سجنهم في سجن العبيد بالأحساء، واستكملوا المدة المتبقية هنا. ومنهم المرحوم سيد
علي العوامي، الذي أمضى في السجنين، وفي سجن جدة مدة تفوق عشر سنوات متواصلة،وكذلك
يوسف الشيخ يعقوب،و عبد الرحمن البهيجان، والمناضل البحريني خليفة الخلفان، وصالح
الزيد، حيث مكثوا في السجنين،مدداً تتراوح بين الثلاث والعشر سنوات، أما المناضل
العمالي محمد ربيع فقد توفي في سجن العبيد بالأحساء عام 53م، حيث تركت جثته مسجاة
لمدة يومين حتى عمت الرائحة المكان.
ولخليفة الخلفان قصة طريفة تذكر أنه كان أحد المناضلين في صفوف الحركة الوطنية
البحرينية، وقد طرد من البحرين، ومنع من العودة إليها، فسافر إلى الشام،وبعد مدة
عاد إلى (الخبر) لكي يكون قريباً من البحرين، منتظراً الوقت الملائم لاستقبال
تباشير إمكانية العودة إلى الوطن. ولكنه تعرف في الخبر على بعض أعضاء الحركة
العمالية ومشاركيهم في نشاطهم السياسي، واندمج في العمل معهم،وتم اعتقاله لمدة عشرة
أعوام متصلة ،إلا أن تراجيديا قوانين (دلمون) آنذاك، منعته من العودة إلى بلاده.
ومذ رأيت هذا الباب الرمادي، قبل دخولي على مدير قسم المباحث، (في مقر السجن القديم)
تأكدت بأن الأمر ليس عادياً، وأن احتمال بقائي عندهم أمر مرجح، وعليً أن أكون
مستعداً لذلك. وفي الحقيقة فإن طريقة اعتقالي من مكتبي في البنك، قد وضعتني منذ
البداية أمام احتمالات السجن، لأنها تمت بأسلوب محترف لا يستخدم عادة مع مثقف،
يخاطب القيادة مع المئات من المواطنين، بكل تقدير واحترام، بل أن ذلك الأسلوب، لا
يتسق مع مجريات اللقاء الذي تم بيني وبين سمو الأمير محمد بن نايف في مكتبه بوزارة
الداخلية بالرياض، قبل أسبوع من يوم الاعتقال.
كان لهذا الصباح طعم مر تلمسته في الطريق إلى العمل،وفي زحام السيارات داخل الدمام
،وكنت قد عدت إلى مكتبي من زيارة عمل في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً. وحينما
جلست وبدأت أتصفح بعض الأوراق الملقاة على طاولتي،دخل عليّ شخص لا أعرفه، فسلم وجلس
على الكرسي بجوار المكتب، وقبل أن أبادله التحية،أخرج بطاقته وقال : أنا النقيب
سعيد الزهراني،من المباحث،وأطلب منك مرافقتنا إلى الإدارة لحديث قصير.
أجبته بالموافقة وقلت له : لماذا تضيعون وقتكم في استدعائي،ولو أنكم اتصلتم بي
هاتفياً لحضرت إلى مقركم بدون تردد.
كانت المكاتب القريبة مني خالية من الزملاء،وكنت أشعر بالرغبة في التبوّل، وأبلغته
بأنني سأذهب إلى الحمام. وافق على ذلك ولكنه تبعني إلى هناك،وحين خرجت من الحمام
هاتفت الصديق نجيب الخنيزي،وسألته : هل اتصلت بمكتب الأمير محمد،فأجابني بأن لا أحد
يرد على الهاتف الذي أعطاه له سمو الأمير حينما قابله في مكتبه قبل أسبوع. وهنا
تدخل النقيب وطلب مني إقفال الجوال، فقلت لنجيب إنني لا أستطيع الكلام لأنني ذاهب
في زيارة مهمة.
فهم نجيب أنني ذاهب لإدارة المباحث،ولكنه لم يستمتع بهذا الفهم، حيث اعتقلته مباحث
القطيف وهو يرتشف الشاي والشيشة (الجراك)، في المقهى بعد عشر دقائق من مكالمتي.
هبطنا الدرج، ولم أصادف أحداً من زملائي لأبلغه بأنني ذاهب إلى المباحث، وهنا
تساءلت: كيف استطاع المقدم تهيئة المكان والزمان للقبض عليّ، في غياب زملائي عن
مكاتبهم؟
وتذكرت أن أعوانهم موجودون في كل مكان،وكنت أسمع عن أن زميلاً في نفس المبني يعمل
معهم، وقد كنت أستبعد ذلك،أما الآن فقد أيقنت أنه هو الذي ساعدهم على إنجاح المهمة
الصامتة،لأنني رأيته بعد خروجي من الحمام وهو يقف في آخر الممر!
حسناً،هذه وظيفة،وعلى الموظف أن يؤديها على أكمل وجه،بيد أنني أتساءل عن سر نجاحهم
في إلقاء القبض على أحد عشر مثقفاً من المهتمين بالشأن العام في نفس اليوم والساعة،
وعن عدم نجاحهم مع الإرهابيين ؟
في الطريق إلى سجن المباحث،طمأن المقدم رؤساءه على نجاح المهمة،وأثنى على تعاملي
معهم (مصائب قوم عند قوم فوائد)، وتذكرت روايتي (الغيمة الرصاصية) حين زار (مسعود
الهمداني) (سهل الجبلي) كاتب النص في نفس المكتب الذي كنت أجلس عليه اليوم، وطلب
منه قرضاً،وصحبه إلى خارج المبني،ثم اقتاده خلفه صوب غرب الدمام، ومنها إلى وادي
العيون، حيث أمضى فيه وفي مغاراته أكثر من عشر سنوات.
يا للرواية المنحوسة!
اتجهنا إلى غرب الدمام أيضاً، وعبرنا تقاطع شارع ابن خلدون،ومضينا في شارع الأمير
نايف الذي تقع على جهته الشرقية كليات البنات،وكانت لوحة صغيرة في آخره، تطل علينا
بسخرية وقد كُتب على سهمها المدبّب (إلى السجن) !
دلفنا إلى مكتب المدير، فاستقبلني بحفاوة، وكان رجلاً بشوش الوجه، ويتمتع بصفات
التهذيب والتفهم والإصغاء، غير أنني لم أتعرف على اسمه. وحين سألت عن ذلك في الأيام
التالية، قيل لي إنه (أبو محمد)، ولم أحرص كثيراً على الاسم لأنني أخشى أن يسكن
الذاكرة كما سكنها في سجني الأول عام 82م (أبو ناصر) و (أبو منصور)، والذين عرفت
فيما بعد أن أسم الأول هو (أحمد ناهر) والثاني هو (سراح الرويلي)،ولعلهما قد تقاعدا
الآن، غير أنهما مازالا يشغلان حيزهما الرمزي العنيف في ذاكرتي.
رحب بي (أبو محمد)، وتحدث عن انشغالهم بمكافحة الإرهابيين وعدم تفرغهم للحديث معنا
حول الخطابات والبيانات التي رفعناها للقيادة، وضرورة التوقف عنها نظراً لما تمر به
البلاد من أزمة أمنية.
وقلت له إننا لم نقم بأكثر من واجبنا في التعبير عن آرائنا حيال الأزمات التي
نعيشها، وقد أوضحت رأيي لسمو الأمير محمد نائب وزير الداخلية للشئون الأمنية،
ولكنني استغرب منكم اعتقالي بهذه الطريقة، ووضع اسمي على قائمة الممنوعين من السفر،
وكأن لا توجد بينكم وبين المسئولين اتصالات واضحة.
- وكيف عرفت بأنك على قائمة الممنوعين، قالها مبتسماً.
- أجبته : سأحدثك عن هذا الأمر بالتفصيل : اتصل بي شخص لا أعرفه وقال لي أنه من طرف
الأخ نجيب الخنيزي ويود أن يقابلني، فحددت معه موعداً في مكتبي الساعة الواحدة بعد
ظهر اليوم التالي.
وقد أحسست أنه من طرف المباحث، لأنني تلقيت مكالمة مشابهة، في الأسبوع الماضي في
حوالي التاسعة مساءً، من شخص إدّعى أنه من طرف الدكتور متروك الفالح،و عبر لي عن
رغبته في مقابلتي، فاعتذرت منه بكل أسف، وأبلغته أنني ذاهب للرياض، وسأرى الدكتور
متروك هناك على كل حال. وحين قابلت الدكتور متروك في الرياض، نفى أن يكون قد طلب من
أي شخص مقابلتي، ولذا ذهبنا بالرأي إلى أنه من المباحث.
وقد استغربت استخدام المباحث لهذا الأسلوب، لأنني اعتدت منهم أن يتصلوا بي مباشرة،
ويطلبوا حضوري إليهم في موعد محدد، كنت حريصاً باستمرار على الوفاء به في الوقت
المطلوب!
وواصلت حديثي : المهم إنني انتظرت صاحبكم الآخر من الواحدة حتى الثانية،وبعدها تركت
مكتبي لإنجاز بعض مهامي العملية،و حين أقلقني هذا الاتصال المريب، قررت الذهاب
للبحرين لاكتشاف إن كان اسمي قد وضع على لائحة الممنوعين من السفر،وحين بلغت نقطة
الجوازات على جسر الملك فهد،طلبوا مني توقيف السيارة خارج مسار السيارات ومقابلة
المسئول. وحينذاك علمت من موظف الجوازات بأنني قد منعت من السفر لمدة خمسة أعوام،
وطلبوا مني توقيع تعهد بعدم محاولة السفر من أي منفذ بري أو جوي، ولكنني رفضت
التوقيع بحجة، ماذا سأفعل إن حدثت كارثة اضطرتني إلى ذلك،وأن عليكم أن تقوموا
بواجبكم في تنفيذ أوامر منعي من السفر. ولذا سحبوا جوازي وطلبوا مني مراجعة الأمارة
في صباح اليوم التالي، الإثنين.
لم أكن أملك الوقت الكافي لمراجعة الأمارة صباح ذلك اليوم،وتكفل النقيب الزهراني
بمهام اعتقالي وإحضاري إليكم، اليوم، كأي إرهابي خطير. وإنني لاستغرب منكم تنفيذ
هذه الإجراءات بعد أن خرجت من مكتب سمو الأمير محمد بن نايف معززاً مكرماً قبل
أسبوع!
علًق على كلامي : لا عليك من المنع من السفر،فهذه إجراءات روتينية احترازية،وقاطعته
: حتماً أنت لم تطلع على حديثي مع سمو الأمير محمد بن نايف، وإلا لما قمت باعتقالي.
قال بشيء من الغضب : ربما لم أطلع على التفاصيل،ولكن حدثني عما جرى في اللقاء.
قلت له كمن يحمل سراً ضخماً: لن أحدثك قبل أن آكل شيئاً،حيث أنني أخذت دوائي ولابد
من الأكل.
ابتسم،وأمر لي بغداء، لم يختلف عن غداء مباحث الثقبة، التي اعتقلتني في عام 1982،
حيث لم يكن سوى (ساندويتش) وكوب شاي.
تجاذبنا أطراف الحديث، وأشرت إلى أن حرية التعبير مكفولة للمواطنين في كل دول
العالم،وما عبرنا عنه في خطاباتنا للقيادة لم يكن إلا صدى لمعاناة المواطنين،وعليكم
أن تشكرونا على ذلك، لا أن تستدعونا بهذه الطريقة إلى المباحث.
حاول تهدئتي لكي أكمل الساندويتش، وذكر أنه كان في دورة في بريطانيا، وأنهم كانوا
يركزون على ضرورة معرفة الحكومة لآراء الناس في الصحف،والمنابر، وحتى من خلال
المظاهرات.
وبعد أن فرغت من غدائي،تهيأت للحديث عن تفاصيل لقائي مع الأمير محمد بن نايف.
استعد للاستماع،فبدأت :
كنت في الرياض، أحضر ندوة في المعهد المصرفي عن التمويل الإسلامي ومشكلاته، وفي يوم
الأربعاء، 26 /2/2004م، جاءتني مكالمة من مكتب سمو الأمير محمد بن نايف،وحدد لي
مدير مكتبه لقاء مع سموه، في الثانية بعد ظهر نفس اليوم..
قطعت الندوة وذهبت في الموعد المحدد إلى وزارة الداخلية، وحين دخلت مكتب الأمير كان
واقفاً لاستقبالي بالعناق والتحايا الودودة، ودعاني للجلوس في صالون المكتب.
كان اللقاء حميماً وتحدث الأمير معي كصديق يثق فيه، وكنت أسمع عن تواضعه وحنكته،
لكنني لم أتوقع أن أجده على تلك السماحة، والود.
وبعد السؤال عن الأحوال والأهل والإخوان، انطلق سموه في الحديث، وألخص لك هنا
المعنى العام،لا النص الحرفي،حيث قال لي سموه:
إن ثقتي وثقة القيادة فيكم كبيرة، وأنت وأبوك وأجدادك معروفون بولائكم،وليس لدينا
شك في ذلك، والقيادة ماضية في طريق الإصلاح،ولعلكم لاحظتم مستوى حرية الصحافة في
الأعوام الأخيرة،والخطوات التي بدأت مثل ملتقى الحوار الوطني،والانتخابات البلدية،
وما سيتبعها من خطوات في الطريق.
كما أود أن أطمئنكم إلى أن أخوانكم رجال الأمن قادرون على مواجهة الأعمال الإرهابية،
التي تتعرض لها بلادنا، وأنهم قد قضوا على جزء كبير منها،ولكننا ندرك أن المعالجة
الأمنية ليست كافية لوحدها، بل لا بد من التعاون من الجميع في ذلك،من البيت،إلى
المدرسة،إلى الصحيفة، إلى الكتًاب والمثقفين. كل له دوره وعليه مسئولية ذلك الدور.
توقف سموه قليلاً وتطلع إليّ،وقال : إن القيادة تتفهم ما تضمنته خطاباتكم، وهي تعمل
وباستمرار على معالجة كافة الأمور،ولكن القيادة تطلب منكم التوقف عن هذه الخطابات
والبيانات، نظراً للظروف التي تمر بها بلادنا والتحديات التي تواجهها.
صمت قليلاً ثم قال: نحن نعرف تاريخك السياسي القديم، وقد تجاوزناه، ولعلنا قد قسونا
عليكم أيضاً لكن ذلك أمر قد طواه الزمن.
وعقبت على كلامه بالقول : إنني أشكر لسموك ما غمرتني به من حسن الاستقبال، وأنني لا
أكّن أية مشاعر عدائية تجاه رجال المباحث، الذين كانوا يؤدون أدوارهم كموظفين، ولم
يكونوا يستخدمون وسائل التعذيب إلا حين تكون القرائن أمامهم، وقد ذكرت ذلك في
روايتي (الغيمة الرصاصية)، كما أنني أتفق مع ما تفضلتم به بشأن معالجة الإرهاب،ولكن
خطابات المطالب التي رفعناها للقيادة هي تعبير سلمي وحضاري عن الرأي، كما أن دورنا
فيها لم يتعد صياغة ما يعبر عنه المواطنون،وما يتداوله الكتًاب في الصحافة. وإن
طلبكم منا بالتوقف عن تقديم تلك الخطابات ومعالجة قضايا الإصلاح،سوف يرسل رسالتين
لهما تأثير سلبي لا يخدم المصلحة العليا لبلادنا. فالرسالة الأولى ستعمل على إغلاق
باب الأمل أمام المواطنين، الذين تفاءلوا خيراً حينما رأوا أن الحوار العلني حول
مطالبهم قد تم إيصاله إلى القيادة. أما إقفال الباب أمام هذه المطالب
الإصلاحية،فإنه سيدفع الناس إلى الإحباط واليأس،وسيجعلهم يقفون كالمتفرجين على
معركة أجهزة الدولة الأمنية مع الإرهابيين، بل أنه سيدفع بعضهم إلى الصمت أو
التشفي،والذهاب إلى موقع اليائس الذي سيرى أن لا فائدة من هذه الخطابات، وأن الدولة
لن تمضي في طريق الإصلاح. ولن أقول لك إنني وغيري من المهتمين بالشأن العام سنذهب
إلى مساندة الإرهاب ، لأننا ندين الإرهاب من حيث المبدأ كتعبير عن المطالبة
بالإصلاح، كما أننا نحب الحياة، ولكننا سنصاب باليأس، ويغدو الأفق أمامنا مسدوداً.
أما الرسالة السلبية الثانية، فإنها ستتجه للخارج، وسيجد فيها الكثيرون شهادة حية
على أن المملكة لا تريد الإصلاح ولا تمضي على طريقه، مهما اتخذت من مبادرات، لأن
حرية التعبير هي المؤشر الحقيقي الأول، على جدية أي نظام يسعى إلى الإصلاح.
كنت أوجز خلاصة هذا الجزء من لقائي مع الأمير محمد،وكان مدير المباحث في سجن الدمام
(أبو محمد) يصغي إليّ بانتباه شديد، حتى دخل شخص متجهم الوجه، أصبح فيما بعد ضابط
التحقيق معي في الدمام، وانحنى على المدير، وأسرّ له ببعض الكلام،فأشار له(أبو محمد)
بالانتظار في المكتب المجاور، وتطلّع إليّ،كمن يتساءل،وماذا بعد؟
عاودت الحديث قائلا: لقد عقب الأمير محمد على كلامي السابق بإبداء موافقته على
الآثار السلبية التي ستترتب على إيقافنا عن متابعة المطالبة بالإصلاح السياسي
الشامل، ولكن سموه أكد على ضرورة الالتزام بما تراه القيادة، وكرّر تساؤله : وضحت
الرسالة. فأجبته : نعم لقد وضحت،فأنتم تريدوننا أن نتوقف عن كتابة الخطابات
المطلبية للقيادة،ولكن هذا الطلب سيفقدكم ثقة المثقفين والمهتمين بالشأن العام
الذين يشكلون سياجاً أمنياً ثقافياً لبلادنا، حيث يعملون على تصليب الوحدة
الوطنية،وإدانة الإرهاب،ورفض التدخلات الأجنبية، ويعملون على تشكيل وتقوية رأي عام
يلتف حول القيادة على ضوء مضيها في طريق الإصلاح.
كما أوضحت لسموه بأنني أنطلق من قناعة صادقة وعميقة حين أؤكد على مبدأ الوحدة
الوطنية، والالتفاف حول القيادة، ولا أصدر في ذلك من حس ثقافي وحسب،ولكن من قناعة
اقتصادية واجتماعية. فالوحدة الوطنية، التي أرسى دعائمها المغفور له الملك عبد
العزيز، صنعت للمواطنين كيان دولة قوية،وتحت خيمتها تم انجاز مكتسبات اقتصادية
واجتماعية لا يمكن التفريط فيها. وأنه حين يتم التعبير عن (الملكية الدستورية) التي
تضمنها خطاب (الدستور أولا)،فإن ذلك يصبح تتويجاً لحديثنا عن الوحدة الوطنية
والالتفاف حول القيادة، وهو ما يعزز شرعية هذه القيادة التاريخية ويؤكد حقها في
قيادة الأمة، ويرسخ الاستمرارية والاستقرار والمشاركة الشعبية،ويقطع على القوى
المتطرفة والإرهابية حبال الوهم بإقامة دولة (طالبان)،أو على أي قوة عسكرية تنازع
العائلة المالكة حقها في زعامة البلاد.
وكان سموه يستمع إليّ بتركيز، غير أنه لم يعلق على كلامي،وانتقل إلى القول : إن
القيادة كانت وما تزال سائرة على خط التطوير والإصلاح،وإن ما صدر ويصدر من تنظيمات
وقوانين خير تعبير عن هذا النهج،ولعلنا لم ننجح في الإعلان عنها بالشكل الكافي.
وهناك الكثير من الإصلاحات قيد الدرس، وسأبذل جهدي للسعي في عقد لقاءات شهرية بين
أحد أعضاء القيادة والمثقفين، لإطلاعهم على خطوات الإصلاح والاستماع إلى آرائهم في
ذلك، وسأعمل على أشراك كافة الشرائح الاجتماعية من كل المناطق في هذه اللقاءات.
فقلت له: هذا مخرج جيد، ولكنني أرى أنه ينبغي كفالة حق التعبير الفردي لكافة
الأفراد ومن مختلف الأطياف الثقافية والدينية، بما فيهم المتطرفين.
قاطعني، ليس لمن يحمل السلاح مجال في الحوار، فقلت له لا أقصد من نسميهم (بالإرهابيين)
ولكنني أقصد أصحاب الفكر والرأي المتشدد الذين يعبرون عن آرائهم بطريقة سلمية.
تململ في قعدته، وكأنه يريد إنهاء المقابلة، فقلت له: لقد كبّلتني يا سمو الأمير
بلطف مقابلتك وبهذا الطلب، ولكنني أرجو أن تبلغ هذه الرسالة عدداً أكبر من المهتمين
بالشأن العام، لأنني وحيداً، لا أستطيع إيصالها للآخرين.
نظر إلي ّ الأمير، للمرة الأخيرة وقال: أرجو أن تكون الرسالة قد وصلت.
ونهض وهو يكمل حديثه... بأنه لا يريد تعطيلي عن عملي، وودعني على باب مكتبه بالعناق
الحار.
وها أنتم يا (أبو محمد) تجهضون كل مشاعر التقدير التي حملتها لسموه طيلة الأسبوعين
الماضيين، بمنعي من السفر، واعتقالي من مكتبي!
نهض (أبو محمد) من كرسيه. وقال : على كل حال نريد منك إيضاح هذه الأمور للمحقق،وأنا
واثق بأن الأمور ستمضي على خير.
ودعته،ودلفت إلى المكتب المجاور،حيث ينتظرني ضابط التحقيق.
أصبحت الآن في عهدة (المحقق)،ولم أسأله عن اسمه،غير أنني أتذكر دائما ملامحه الجهمة
التي تنم عما يخبئه من عنف، لكنني لم أكترث، فليس لدي ما أخافه،وأوراقي معروفة لديه،
بل إنني مصرّ على تعريفه بها،وذهبنا لمكتب آخر يمر الطريق إليه من أمام باب
الزنازين الرمادية الكالحة،وانظمّ إلينا محقق آخر.
تحدثنا طويلاً عن الخطابات المطلبية، والأسباب التي دعتنا لكتابتها وعن أوضاع
البلاد وتفاقم الإرهاب والمشاكل الحياتية التي يعانيها المواطنون،وعن غياب دولة
المؤسسات والقانون وحرية التعبير.
وبعد ذلك، فتح دفتر التحقيق أمامي وطلب مني تعبئة كل البنود المطبوعة في صفحته
الأولى.
اقتربت من طاولته،وامتشقت قلمي،وعبأت الفراغات بدون عناء، فقد اعتدت عليها في سجني
الأول.
وكتب سؤاله الأول، بعد أن قرأ أوراقا حاول إخفاءها تحت الطاولة. قلت وأنا أهمّ
بالإجابة على السؤال : (أتينا إلى البدء)، وسردت إجابتي الطويلة حول مجمل مشاركاتي
في البيانات والخطابات المطلبية،وما يتعلق بمطالب الإصلاح السياسي من حوارات على
الانترنت،وإذاعة مونت كارلو.
(ولكي أفي الموضوع حقه من التفصيل،فإنني سأورد ما كنت قد كتبته قبل الاعتقال عن
سيرة تلك البيانات في القسم الثاني، من هذا الكتاب ضمن المقالة المعنونة بـ (المطالب
الوطنية للإصلاح (1) حراك يدوّن خطواته)
كان المحقق يكتب سؤاله ثم يخرج بسرعة ولا يعود حتى أبلغ الحارس الواقف بجواري،
بانتهائي من الإجابة.
وحينما عاد في إحدى المرات، سألني غاضباً: لماذا تشتم البدو، وتشتمني في بداية
حديثك ؟
حاولت أن أتذكر شيئا من هذا الكلام فلم أجد في حواري الشفهي ولا كتابتي المدونة، ما
يدلّ على ذلك. وقلت له هذا اختلاق منك،فأنا أعتز بأنني قروي وبدوي في نفس الوقت.
وقد عشت في طفولتي في البادية راعياً لأغنام جدي رحمه الله،وكانت بعض القيم
البدوية، مثل الكرم والشجاعة والاعتداد بالذات، مصدر إثراء لذاكرتي الثقافية حيث
حفلت بعض قصائدي، باستعادة تلك القيم النبيلة. وقد قلت في ذلك كمثال فقط.
((يقف الفارس البدوي على بابك (الخشبيّْ) ،
ويسلّمْ
كيف حالك يا أخت
كيف حال الجميلة في زهوة الماء؟
وإذ بالجميلة واجمة لا تكلّمْ.
يهمز الفارس البدوي جواده
والجميلة تسمع صوت القلادة
إن عاشقها مرغم أن يغادر ليلاً بلاده))
قال لي: لقد قلت ذلك عندما بدأت الكتابة في الدفتر.
وهنا تذكرت. لقد أعادني مرأى دفتر التحقيقات إلى الماضي البعيد،إلى ماضي القمع وبطش
المحقق بالمتهم،وإلى أحلام الأحزاب السرية وتبعات الانتماء إليها.
وهنا ضحكت،وأوضحت له تداعيات الذكرى،وأنني قلت:(أتينا إلى البدء)، ولم أذكر البدو
يا صاحبي.
لو أن المحقق كان (أبو منصور) لاقتص