البدايه

 

 سقوطنا الحضاري

 

ما أسبابه؟

 

           مقاربة الإجابة

 

 

            مقالات

 

 

 

 

أبو بلال عبد الله الحامد

 

 

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                          المقالة الأولى

 متى بدأت مؤشرات مرض الحضارة العربية الإسلامية؟

     “محاولة فرز جرثومة الداء عن مضاعفاته

نشرت في جريدة الحياة/الأحد21/4/1420هـ الموافق 4/تموز (يونيو) 1999م

 

          1-1-أزمة تربوية خاصة أم حضارية شاملة ؟

  تمر الأمة الإسلامية منذ قرون عديدة، بأزمة حضارية حادة، أدت إلى السقوط الحضاري الشنيع، الذي حول أبراج الحضارة، إلى أطلال وخرائب.

وهي أزمة حادة فظيعة، لا يجوز التهوين من قدرها، ولا يصح التقليل من خطرها، على الأجيال الحاضرة والقادمة.

وإذا سعى الخيرون للإصلاح، فإن العلاج الشافي هو ما ناسب الداء ولا يكون العلاج شافيا، حتى يكون تشخيص الداء صحيحاً، وإِنْ لا ظَلَّ الدواء متعثرا، عبر التجاريب والمحاولات، التي لا توازن فيها بين الجهد والجدوى.

ولذلك ينبغي قبل السعي إلى الإصلاح،: أن تشخص الأوبئة، تشخيصا صحيحا دقيقا، فذلك شرط ضروري لاكتشاف الدواء الناجع، لكي يكون الدواء متناسباٍ متدرجاً، فذلك شرط ضروري لانتفاع المريض بالدواء، لأن كثيراً من الناس يشعرون بأعراض الداء، ولكن تحديده يحتاج إلى أجهزة تحليل. ولا يتم ذلك دون بصيرة الأطباء، الذين يشخصون الداء قبل وصف الدواء.

    كثير من المثقفين ولاسيما الإسلاميين بسطوا المسألة، فظنوها مشكلة تربية أو تعليم أو تنمية أو تصنيع، أو إدارة وسياسة، وهذه مشكلات ملموسة، ولكنها ليست المعضلة إنما هُنَ أعراض للمعضلة الكبرى.

    وخلال أكثر من قرن، وفقهاء النهضة و الإصلاح الثاقبو الأبصار يشخصون المعضلة الكبرى، بأنها أزمة حضارية. نجد هذا عند جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ورشيد رضا وحسن البنا، وأبي الحسن الندوي وأبي الأعلى المودودي   وغيرهم كثير.

ويذكرون من مظاهر هذه الأزمة، شيوع الأمراض الاجتماعية التي طمست معالم الحضارة، وتدهور فيها الإنسان والعمران، ويذكرون من أسباب ذلك تأويل الخطاب الديني، ليكون مظلة للتقاليد والأعراف، وليبرر السلبية والخمول.

 

1-2-فائدة التمييز بين  أصل الداء  ومضاعفاته

ثم جاء رعيل آخر من فقهاء النهضة حاول أن يكون تشخيصه أكثر تحديداً  كمحمد الغزالي وطه العلواني، وعبد الحميد أبو سليمان، ومحمود سفر، والدسوقي وحسين مؤنس وجمال البناء، وهو يرى أن هذه كثيراً من الأوبئة التى تظهر لنا، ليست هي الأسباب الكوامن لأمراض الأمة، بل هي أحد أمرين: إما أعراض ومظاهر للداء، وإما مضاعفات له، وهناك إذن خلط شائع بين “الأسباب الأساسية للتدهور، وبين مضاعفات التدهور" كما يقول عبد الحميد أبو سليمان (أزمة العقل المسلم: 28).

       ولكي نفرز أسباب السقوط من مظاهره، لابد من إعادة قراءة التاريخ الإسلامي من الباطن، لكي نحاول تتبع الخلل الذي اتسع شيئاً فشيئاً، حتى أدى إلى ما نحن فيه، استقراء التاريخ يؤكد أن الخلل جاء بسبب كارثتين :

الأولى الفصام (وبعبارة أخف:رخاوة الرباط) بين الفروع المدنية والأصل الديني، الذي تبلور في الطلاق بين أولي الأمر السياسي وأولي الأمر الفكري والديني، الذي حدث منذ صدر الإسلام (انظر العلواني: إصلاح الفكر الإسلامي: 27) ولكن آثاره لم تظهر إلا بعد حين، وهو أمر أدى إلى تداعيات تتابعت، كما تتساقط حبات العقد إذا انفرط سلكه، فالتدهور في حياة المسلمين إذن قديم، منذ أن اضطر المسلمون الأولون إلى تسليم زمام الأمور إلى الفئات  “التي كانت حديثة عهد بالإسلام (أزمة: 28).

 

1-3- عندما  انهرت فيم المجتمع المدني:

   لقد واجه المسلمون الأولون تحديات ضخمة، فانطلقوا يصدون الاعتداء الفعلي والمحتمل، من الفرس والروم، وجاهدوا في ذلك جهاداً كبيراً، لقد تدافَعَ حُدثاءُ الإسلامِ من العرب إلى الجهاد أفواجاً، ليعوضوا أنفسهم عن ما فاتهم; من صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم الشريفة، وعن ما فاتهم من شهود ميادين الجهاد والاستشهاد، وأرادوا أن يدركوا من فضل النضال، على تخوم الروم والفرس، ما لم يدركوه في عصر النبوة، فانطلقوا من أنحاء الجزيرة الأربع، من الحواضر والبوادي العربية، فحققوا لأنفسهم دوراً كبيراً، أبرَزَهُمْ قُوىً ضخمةً، من قوى الضغط الاجتماعي.

وتعاملهم مع الخليفتين عثمان وعلي، يدل على أمرين:

 أ/ كثرتهم وفعاليتهم.

ب / كما يدل على ضعف الوعي الديني بأهيمة القيم المدنية ، وقد كان هذا أمرا طبيعيا، فلا يتوقع من من شبوا على قيم الصحراء؛ ان يدركوا القيم المدنية، كما كان طبيعيا أن لا يكونوا في أغلبهم من ذوي الرأي العام المستنير، لأنهم حدثاء عهد بالإسلام أيضا، لم يتعمقوا في الدين، كما تعمق الرعيل السابق الأول، الذي تربى في الحقل النبوي، فأدرك ما بين إقامة الصلاة وإقامة المجتمع المدني من الصلات، ودربه النبي صلى الله عليه وسلم على قيم الشورى والإيثار والتعاون، أما الحدثاء فلم يستطيعوا أن يتخلصوا من خلفياتهم الصحراوية، ولا أن يهضموا القيم المدنية والسياسية في الدين الجديد.

الثانية : وزادت هذه القوى العربية ذوات الخلفية الصحراوية عدداً ودورا، عند ما توافد الناس أفواجاً على الدين الحنيف، من العناصر غير العربية، التي انضوت تحت لواء الدين، من فرس وروم وهند ونحوهم، من الأمم التي تدفقت دفعة واحدة، في طفرة هائلة، من كل أرجاء الأرض، وهي لم تخلص خلوصا تاماً من خلفياتها العقيدية والتربوية والثقافية، ولم يتح لها ما أتيح للسابقين  الأولين من الأنصار والمهاجرين ، من ثقافة دينية سياسية، ولم يتوافر لها جَوّ تربوي، يستوعبها شيئاً فشيئاً، فيؤقلمها على القيم المدنية الجديدة.

 فلم تتمكن الأمة من مواكبة هذا الاندفاع الاجتماعي، ولا من تطوير الوسائل التربوية، لإنضاج هذه الأمم واستيعابها، لأن “الأمة العربية [الإسلامية] كانت.. قليلة العدد، فذابت في جماهير المسلمين الجدد” كما يقول حسين مؤنس (عالم الإسلام: 61) فأصبحت طاقة المدرسة الفكرية المحدودة، غير قادرة على استيعاب الوافدين أفواجاً، من كل حدب وصوب (انظر أزمة: 28و 46و 47 وإصلاح الفكر: 27)

 هذا الأمر معروف على مستوى التعليم والتربية، لأن طاقة المدرسة إذا كانت لا تستوعب إلا مئة دارس، فاستقبلت ألف دارس، فلابد أن يكون الكم على حساب الكيف.

 

 

1-4- الأموية تمثيل للأكثرية غير المستنيرة

  لا غرابة إذن إذا تقلص دور الصحابة الواعين ، الذين كانوا هم كوادر الإدارة والقيادة، في عهد الراشدين، ولا سيما في عهد أبي بكر وعمر وهم صفوة المجتمع، من أهل الرأي الديني المستنير، وأن ينفتح الباب على مصراعيه، لهذه القوى الكاثرة الضاغطة، فخلخلت العنجهيةالقيم العنجمية القيم والمعايير المدنية، ولذلك كان طبيعيا أن يستقر الأمر لبني أمية ويستمر، لأن الغلبة صارت للكوادر غير المنصهرة بالسلوك الديني العميق، الذي أنتج القيم المدنبة الراشدية.وهذه الكوادر كانت تمثيلا للأغلبية من حدثاء الإسلام العرب والعجم، الذين رسخت في سلوكهم قيم العنجهية الصحراوية أو قيم الاستبداد الكسروية والقيصرية  .

 إن حكم بني أمية كان تمثيلا مقاربا، لقوى الضغط الفاعلة، وللرأي العام غير المستنير، فالحكم الأموي يتجاوب مع سمات الاتجاه العام غير الفعال وغير المستنير، وإن كان لا يمثل طموح القلة من الصفوة المستنيرة، التي تعلقت قلوبها بمنهج الخلفاء الراشدين.

عندما صار الرأي العام غير مستنير، وصارت قاعدة المجتمع أو الأغلبية، من هؤلاء الذين قلت استنارتهم الدينية عامة، وثقافتهم السياسية خاصة. صارمن الطبيعي إذن أن يكون فهمهم الاجتماعي والسياسي للدين، دون مستوى فهم الجيل الأول، ومن الطبيعي أن تفرز هذه القواعدُ;عددا من الكوادر الإدارية، والقياداتِ المدنية، التي لم تكن على مستوى نضج الصحابة المدني في صدر الإسلام، ولا في مستوى التزامهم ووعيهم السياسي، ومن هنا بدأت مضاعفات الداء (انظر أزمة: 28و100)

وذلك أدى إلى أن يصبح منهج الصحابة السابقين، الذي حاولت أن تلتزم به طائفة السلف الصالح الأموي، ضئيلاً قليلا معزولاً، لأنها أصبحت كالشعرة البيضاء، في جسد الجمل الأسحم. ومن الطبيعي أن يضعف الارتبا ط، بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية، وأن تبدأ ثنائية الدين والدنيا، وأن يضعف ارتباط المدني بالدين.

ونجد صورة هذا في التاريخ الأموي، السياسي والاجتماعي والأدبي، وما فيه من كوارث وفواجع، وما فيه من انحراف عن الدستورية الإسلامية، وما فيه من عودة للروح الفردية والأنانية، وما فيه من أخلاق وقيم ونظم، بدوية جاهلية، و أخرى قيصرية وكسروية، تتضح من خلال موازنته بالتاريخ الراشدي، السياسي والاجتماعي والأدبي.

إذن نحن أمام تغير اجتماعي، وظواهر اجتماعية وسياسية، لها أسباب وعلل، لا تتعالى على القانون الاجتماعي، بين السبب والنتيجة، ولسنا أمام حتمية غيبية، خارج منطق علم الاجتماع.

 

 

1-5-نتائج الانفصام بين ألي الأمر الفكري وألي الأمر السياسي :

 وقد كان للانفصام بين الفكر الديني والممارسة السياسية نتائج كارثية، فقد حرمت الدولة بعدعهد الراشدين  من الكوادر الأصلح الأنظف.

وحُرِمت من القيم الإدارية المتينة، ومن المبادئ القضائية العملية، التي تتمسك بالثوابت، وتدير المتغيرات حول محور الثوابت، كما فعل عمر  بن الخطاب والراشدون. وحرمت الدولة من قانون قضائي مكتوب، في المجال المدني والجنائي،- كما اقترح ابن المقفع على المنصور -يلزم القاضي بلائحة مكتوبة، كي لا يجتهد القاضي مرتين، مرة في تحديد القانون، وأخرى في تطبيقه، وكي لا يصبح الاجتهاد الفردي والضمير الفردي، عرضة للهوى والغلط، وكي يعرف الناس القانون; قبل أن يصلوا إلى القاضي، فيأتون إلى القاضي، وهم يعرفون القانون، الذي سيحكم به.

 وحرمت القيادة الفكرية، من معرفة وقائع الحياة وطبائع النفوس، لأنها عندما ابتعدت عن شئون القضاء والسياسة، نجت بأنفسها، ولكنها حرمت فكرها من التجربة والممارسة، فلم تستطع أن تكتب فقها قانونيا عملياً، لأنها لم تكتسب خبرة واقعية.

 ولذلك امتلأت الثقافة الدينية، بمواقف تضحية وصبر وبطولة،ولكنها غير عملية،أو قليلة الجدوى، وإن أحاطها الناس بالتبجيل.

من ذلك أن التيار الديني الشائع،قدم رفض الإمام مالك تقنين القضاء ونحوه من الفقهاء ، على أنه الموقف النموذجي المناسب، “وهو موقف نموذجي مناسب في مجال الفقه العام، ولكنه لم يكن مناسباً في مجال الفقه القانوني، الذي لابد من توحيده وتحديده في الدولة الواحدة".

 ولا ريب أن لهؤلاء الفقهاء وجهة نظر معتبرة-    كما يرى ويبرر حسين مؤنس ـ وهي رغبتهم في إبعاد القضاء عن سيطرة الحكام، ليستقل الفقهاء بالتشريع، ويكون دور الدولة تنفيذ أحكام القضاة (عالم الإسلام: 54)

ولكن النتائج كانت أسوأ، إذ إن ذلك لم يمنع نظام القضاء من الشيخوخة، ولو أن رجالاً من طراز مالك وأبي حنيفة،كتبوا آلياته وإجراءاته، لكان الأمر أفضل.

انحرمت الثقافة الفقهية القانونية، من الأفكار العملية، وصارت يد السلطة مطلقة دون توجيه، والسلطة لابد أن تضع قضاة وعمالاً، وكوادر إدارية وسياسية.

 ولما انعزلت القيادة الفكرية، عن الخضم الاجتماعي، خمل الفكر الإسلامي الصافي وضمر، حتى انزوى في أروقة المساجد، (أزمة 48و 49) وكأن العلماء قصروا العمل الصالح، على القيام بشعائر العبادات الروحية، وتأليف المجلدات فيها (أنظر مؤنس: عالم الإسلام 38)

 

1-6-وبدأ العد التنازلي لتدهور الحضارة:

  إن الانفصام بين القيادة الفقهية والقيادة الاجتماعية; “سياسية واقتصادية وإدارية”، قد مزق النسيج الحضاري، فانفتح الباب على مصراعيه، لتدهور النظام السياسي والإداري ، فأدى ذلك إلى تدهور في الاقتصاد، ووسائل العمل والإنتاج، انتهى بالأمة  إلى الإفلاس، وهو نتيجة طبيعية للاستبداد والاستغلال، كما ذكر أيضاً حسين مؤنس “إن الأزمة الكبرى، كانت أزمة اقتصادية، وعلى صخرتها تحطمت سفينة العباسيين(عالم الإسلام: 396) لأن ثروة الأمم كما يقول آدم سمث تعتمد على جهد الشعوب، ومقدار ما تستمتع به من عدل وأمن (عالم الإسلام: 417) والشعوب لا تقوم بواجباتها، عندما تنتهك حقوقها، فالعلاقة تراتبية بين الاستبداد والظلم، والإفلاس المالي والعجز العسكري.

وحرمت الدولة أيضاً، من تيار فكري ديني،يواكب المتغيرات، فيمدها بالأفكار المتجددة، والبدائل المتعددة، لمعالجة نوازع الطبائع ونوازل الوقائع (أزمة 49)

 ولم ترسخ آليات القانون الجنائي، ولا القانون المدني، ولم تعط الدولة للقانون(الدستوري) أي اعتبار.عند ذلك ضعف الالتحام بين الحكام والشعوب، الذي كان سبباً في نهوض المجالات العمرانية المدنية في الغرب (مؤنس: عالم الإسلام: 58)

 فكان لدى المسلمين كيانان، كل منها قائم بذاته، الجماعة والدولة، وفي عهود الحكومة الصالحة يبدوان  شيئاً واحداً، وفي عهود الحكومات الفاسدة تكون الجماعة في طريق ، والدولة في طريق آخر (مؤنس: 73)واختلاف الطريقين هو مؤشر التيه،لأن”الأمة... هي شجرة السلطان، وأصل القوة، وجذورها هي التي تغذوه، وأي سلطان يعتمد على جذور أخرى، لابد أن يجف ويموت(مؤنس: 356) وظل دور الفقيه بارزا مستمرا من خلال نماذج جمعت بين الصلاح والعلم ،

على أن القيادة الفكرية قد أبقت لنفسها المصداقية، فصارت محط الثقة، في مجال رواية الحديث وجمعه والفقه والتفسير، لأن رموزها لم يكونوا من رجال الدولة، ولم يقبلوا منها مالا، ولم يسمحوا لها في أن تتدخل في كتبهم(انظر حسين مؤنس: 54) وقد أصابت طائفة الفقهاء  صوابا في مادونت من ماروت،فحفظت دين الأمة من الاختلال، وتصحيح السنة نموذج بارز

  ولكنها في اجتهاداتها وآرائها حاولت أن تصوغ العقيدة والفقه،على الصورة النموذجية للعهد الراشدي، ولكن الاختلال الاجتماعي والخلفية المعرفية؛ لم يمكناها من صياغة نموذجية شاملة.

كما أن الحصار الذي ضرب عليها جعلها تنطلق في المجال المسموح به، فتوسعت وأطنبت وأكثرت في فقه المناسك والشعائر، وهمشت الفقه المدني والاجتماعي والإداري والسياسي.

ولكن يكفي الفقهاء المنعزلين أجرا ودورا، أنهم حاولوا منع قوى الفساد الاجتماعية والسياسية، من استخدام الدين لتأصيل الانحراف (أزمة: 49) فحفظوا أصول الدين، من العدوان والضياع (أزمة 67)

لكن أغلب رموز الفكر الديني أصابها الجفاف، في نهاية المطاف، وتحول أغلب فقهاء الدين  إلى حفاظ يرددون دون إبداع ، (عالم الإسلام: 56)، وقد بدأ ظهور ذلك منذ القرن الرابع الهجري.

 

 

1-7-  لما طالت المدة ;بين الإصابة بالمرض واستفحال الوباء؟

  الأزمة الحضارية إذن قديمة، والعجز عن إنتاج قيم النهوض قديم، وتجزئة الدين أمر قديم، وإنما خف وقع الأزمة، ولم يظهر أثرها بشكل جلي، ولم ينتبه لها المسلمون لثلاثة أسباب :

الأول : قوة الدفع الإسلامي الأول، إذ ظلت العربة منطلقة إلى الأمام، بسبب قوة الدفع المعنوي الثقافي،الذي أسسه جيل النهوض الأول من الصحابة، تلك القوة حملت مشاعل مضيئة في الجانب الفكري، صانت أساس الشريعة، وحفظت علومها للأجيال التالية.

 ولذلك استطاع التتار لما غزوا البلاد الإسلامية; أن يسقطوا بنيان الحضارة المادي، ولكن بنيان الحضارة المعنوي احتواهم، فحين “أخذت طاقة دفع الإسلام ،تخبو تدريجياً وتتضاءل” بقيت منها فتائل ومشاعل، حفظت كيان الأمة، رغم غزوات البرابرة والمغول والروم (أزمة: 48)

الثاني:وقد ساعد على استمرار الشعلة الباهتة، تخلف الأمم التي حول المسلمين، إذ لم تظهر حضارات فاعلة، ذات مشاريع حضارية قابلة للامتداد والمنافسة، والمصارعة الثقافية الحضارية، المادية أو المعنوية (أزمة: 48)

 لكن البناء كان جاهزاً للسقوط،، فاستطاعت الخيل التترية والصليبية، أن تحول الأبراج المادية، إلى خرائب وأطلال، ولم تبذل جهوداً خارقة لاحتلال البلاد.

ورغم ضعف المسلمين المادي لم يستطع الغزاة البقاء، لأن التتار والصليبيين كانوا عضلات ديناصورية، بدون مشروع فكري فعال، ولأن ذبالة شعلة الحضارة الإسلامية، لا تزال تومض ومضا ضعيفا.

بنيان الحضارة الإسلامية، كان إذن جثة واقفة، ولكنها هامدة منذ قرون، رغم ما فيها من نبض ضعيف، وكانت الجثة الهامدة متكئة على العصا، فلم يكتشف الناس موتها، بسبب تخلف الأمم من حولها، وغياب البديل الحضاري عنها.

الثالث:  لم يشعر المسلمون بالخطر، فاستكانوا إلى الدعة، وشعروا بأنهم أقوى الأمم، عندما وجدوا كيانهم، يمتد من “غانة” إلى “فرغانة”، وكانوا يتنقلون للحج والتجارة والسياحة، في هذا الفضاء العريض، دون إحساس بالغربة، ومن يقرأ رحلة ابن بطوطة، يدرك شعور المسلم بالقوة والأمان، في كل مكان.

 

 

1-8- عندما عصفت الرياح سقطت الزيتونة اليابسة:

 وعندما جاء الاستعمار الحديث، انكشف الغبار، وسقطت الأستار، عن التمثال الفارغ،  (انظر أزمة: 48)فالشجرة قد ذبلت وجفت، والرياح لم تفعل شيئا أكثر من الإجهاز على الجريح.

من أجل ذلك لم يبذل الغرب جهوداً جبارة، عندما حارب المسلمين، وأسقط الخلافة الإسلامية العثمانية، لأن المبنى كان آيلاً للسقوط، وعندما هب عليه الإعصار خر على الأذقان.

لأن المسلمين قابلوا التحدي الغربي،بآليات وتقنيات أقل من مستوى التحدي، بأنظمة إدارية ومدنية هشة، وخزائن فارغة، وقدرات عسكرية غير منظمة، ولا متطورة.

التحدي الغربي اليوم، ليس كالتحدي الصليبي والتتري، لأنه تحد أعتى وأقوى، يعتمد على العضلات والأفكار معا، ولذلك انكشفت حومة الميدان، عن تهاوي الأبراج، والنمور الورقية، وأحلام العظمة، أمام حقائق العضلات العسكرية الفولاذية، والمعرفة الصناعية والتقنية، التي أنشأتها مجتمعات رسخت فيها النظم والقيم المدنية  .

لقد كان الانحلال الحضاري، راسخاً منذ القرون الوسطى، ولكنه لم يكن بارزاً ظاهراً للعيون، لعدم وجود البدائل المصارعة المنافسة، التي تتيح للناس المقارنة والموازنة، وذلك ما أوهم الناس ببقاء الحضارة.

      ومع بروز التحدي الحضاري الغربي، أصبحت الأمة أمام الامتحان وجها لوجه، (انظر أزمة: 108) وعند الامتحان تكرم الأمم أو تهان.

وهكذا فإن انعدام التحدي الحضاري، في العصور الإسلامية الوسطى، قد أدى إلى أربع نتائج:

أ /  بقاء الأمة “في الظاهر” أفضل حالاً، وأقدر من سواها.

ب /  تضاؤل الشعلة الحضارية، وتدرجها إلى الذبول (انظر أزمة 107)

 

ج /  عدم انكشاف الضعف أمام العيون، منذ الزمن القديم.

د / الانهزام الفظيع أمام الحضارة الغربية الغازية في العصر الحديث.

 

 

1-9- الخطأ في تشخيص الداء أدى إلى إخفاق العلاج :

المعضلة إذن مركبة من طبقات، فهي سقوط حضاري، ليس ناتجا عن مجرد فساد العقيدة أو الأخلاق(حسب التوصيف العباسي)،أو ضعف مناهج التعليم والعلوم، بالمعنى المجزوء الشائع،في ثقافتنا، بل في سكون العقيدة وخمولها ، وفي اختلال النظرية التربوية، فهي أزمة في ابتكار المفاهيم والأفكار التربوية، المناسبة للخلاص من الهيمنة الأجنبية، نتج عنها تخلخل في الجوانب العقيدية والسلوكية والاجتماعية السائدة، أدى إلى شلل الفعالية والعجز والكسل، وأثمر عجزا عن إنتاج القيم والنظم، التي تصون الحضارة، وتحقق سعادة الدنيا والآخرة.

ومن أجل ذلك فإن الإصلاح الأجدى، هو التركيز على بناء المفاهيم والأفكار الفعالة، التي تؤسس مباشرة على القرآن والسنة، وتطبيقات العهد الراشد. أي “وضع القضية الفكرية في المقام الأول [ على أن  ذلك]لا يعني إلغاء القضية التربوية” (العلواني: مقدمة أزمة العقل : 15)

 

ولكنه يعني أن البداية الأجدى، هي في إنتاج الأفكار والمفاهيم الدينامية، التي تدرك جوهر التحدي، كما يذكر محمود سفر والدسوقي (ثغرة في الطريق المسدود) أو بعبارة الشيخ ناصر الدين الألباني”التصفية قبل التربية”،أي إدراك أن الخلل ليس في التطبيق التربوي،بل في أسس التربية الإسلامية،التي ورثناها من الثقافة العباسية، وظنناها جوهر التربية القرآنية والنبوية.