الشورى هي الحل
ألقيت في الجامع الكبير في مدينة بريدة بالقصيم
مساء الثلاثاء 21/6/1413هـ
ثم أعيد بناؤها وتفصيلها في هذا الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أشكر الفضلاء الذين قرءوا مسودة هذه المحاضرة، أو استمعوا إليها، وتكرموا بإبداء الملحوظات، سواء أكانت في المضمون أم في طريقة عرض الأفكار، على أن شكرهم لا يلزم أحداً منهم بالموافقة على اجتهدت في تقديمه من آراء .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوجب على نفسه العدل، وأمر عباده به، وأبان أحكام السياسة والدين لعباده المؤمنين، والصلاة والسلام على نبينا محمد البشير النذير الذي ترك الأمة على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى خلفائه الراشدين وصحابته الطيبين، الذين أقاموا نموذج الحكم الراشد العادل، على كل من اقتدى بسنتهم من المتقدمين والمتأخرين .
المسلمون في كل يوم أحوج ما يكونون إلى التمسك بكتاب الله المبين، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في أمور الدين عامة ولا سيما السياسة التي أكد فضلها الإسلام كما قال عثمان بن عفان إن الله يزع بالسلطان أكثر من ما يزع بالقرآن .
بيد أن تطبيق أحكام الإمامة الكبرى، بعد العصر الراشدي لم يكن بالصورة النموذجية، التي قررها الإسلام، ولذلك تعرضت أحكام الإمامة، لعدد من التطبيقات والمفهومات التي تبتعد عن النمط الذي أقره المسلمون الأولون، ونجد ذلك واضحاً في كتابات المفكرين والأدباء بل الفقهاء في تناول الموضوع، وذلك واضح في كتابات ابن المقفع والجاحظ، بل وابن خلدون بل وأبي يعلى الحنبلي والماوردي .
ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو العودة إلى منبع الإسلام الصافي، كما نزل على البشير النذير وكما طبقه الخلفاء الراشدون .
وقد أكد العلماء فضل الشورى، واعتبروها واجبة على الحاكم والمحكوم، واتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله بمشاورة أصحابه فقال "وشاورهم في الأمر" وقد قرر العلماء أن هذا الأمر للوجوب، إذ لا صارف له إلى غيره وقد طبق ذلك الرسول الكريم في جليل الأمور وصغيرها، فشاور أصحابه في أمور الدولة، بل وشاورهم في أمور أهل بيته على المنبر، وبذلك أسس سنة الشورى، على أنه المسدد بالوحي، المعصوم في التبليغ، فصارت الشورى واجبة على من بعده، بل إن بعض العلماء كابن عطية في ما حكاه القرطبي عنه اعتبر الشورى شرطا في الحكم .
بيد أن الإسلام فصل في الأمور الدينية الروحية كالصلاة والصوم والحج، وفصل في أمور أخرى تتصل بالتعامل الاجتماعي كالزكاة وأحكام المال والأسرة . ولكنه لم يفصل أحكام السياسة . ولم يكن ذلك نقصاً في التشريع، ولا إهمالاً من العليم الخبير بشئون عباده، ولكنه ترك ذلك توسعة عليهم ليستنبطوا حسب الأزمنة والأمكنة، وأحوال المجتمعات .
وهذا ما جعل العلامة الجويني يقول إن أحكام الإمامة عرية من القطع، ولكن الإسلام وضع الأطر العامة التي يمكن للناس أن يلتمسوا نموذج التطبيق المناسب لها، وهذا ما أشار إليه العلامة أبو الوفاء ابن عقيل من أن السياسة الشرعية هي ما كان الناس فيه أقرب إلى الرشاد والصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي (إكليل ا لكرامة : 129) . ومن إشارة أبي الوفاء نلتقط مفتاح المسألة، من علاقة الدين بالحضارة، فالإسلام لم يأت (ليقرر) البديهيات الفطرية، المركوزة في النفوس والعقول . بل (ليقرها)، ويندبها من ما شابهها من الظلم، ولذلك لم يع بالحث على التجارة والصناعة وشموخ الاقتصاد، بقدر عنايته بالزكاة والصدقات، ولم يعن بالحث على جمع المال، بقدر عنايته بالتحذير من مخاطر الترف والإسراف . ولم يعن كذلك بالحديث عن السياسة، وآلياتها، بقدر عنايته بالصلاة والزكاة، فلم ترد الشورى في القرآن إلا مرتين، لأن إقامة الحكم العادل، أمر عرفته الشعوب بالخبر والتجارب، فليس أمراً من خصوصيات الدين كالصلاة والصيام، ولم يكن مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم كبيراً ولا مركبا، كي تظهر التطبيقات والآليات، ولم تكن للعرب قبل الإسلام أعراف مدنية وسياسية راقية، لأنهم كانوا مجتمعاً تغلب عليه البداوة والبساطة، ولذلك فإن الأمور التي تتطلبها الدولة الكبيرة، في جوانب القضاء والإدارة والمال ولم تكن صورتها جاهزة أمام الناس، ومن أجل ذلك فإن نواة الكفر السياسي بدأت، ولكنها لم تكتمل، بسبب السقوط السريع للخلافة الراشدة والسقوط السريع للخلافة الراشدة، لا يعني أن الإسلام أخفق، فالإسلام دين والسياسة جزء منه، ولم يكن سقوط الخلافة يعني اضمحلال الإسلام، بل إن الإسلام ظل قوياً ممتداً في القديم والحديث، وسقوط الخلافة الراشدة، كان بسبب طبيعة المجتمع العربي البسيط، الذي لم تترسخ ليده الأعراف السياسية والقانونية، ولم يستطع السابقون الأولون، وهم نخبة صغيرة، أن يظلوا ممسكين بزام الأمور، وسط خضم هائل من القوى الناشئة والطارئة .
ولم يول الفكر الديني القديم، مسألة الحضارة والثقافة المدنية ما لها من أهمية، ولذلك ظل يتراوح بين المثالية التي لا يمكن تحقيقها والواقعية التي لا يمكن تبريرها لأن التطبيقات السياسية، في العصور، التي جاءت بعد العصر الراشدي، هي التي أضعفت الأمة الإسلامية في القديم والحديث، حتى شك بعض الباحثين في أن يكون للإسلام نظرة تدين السياسة، كما وضح من كتاب الشيخ على عبد الرزاق (الإسلام وأصول الحكم) وكثير من الناس إذا حدثتهم بأن الشورى نظام إسلامي، هي الدمقراطية إذا نككتا ارتباطها بالعلمانية الغربية استغربوا كلامك، وظنوا أنك تحمل إسلام ما لا يحتمل، وظنوا أن الذين ينادون بالتعددية والأغلبية والانتخاب والتمثيل أناس علمانيون يحاولون أن يقتنصوا من الإسلام مرجعية لأفكارهم الإصلاحية، التي لم تأت في الإسلام، بسبب تأخر الثقافة الدينية وعجز كثير من المنتسبين إليها عن فهم الإسلام وعن الربط بين النصوص الشرعية ومسألة الحضارة .
والمتأمل في الآثار والأخبار يدرك صورة مشرقة، أخذت تبلور معالم نظم سياسي متميز . وهذه الأحكام الإسلامية العظيمة، كما بدت من خلال القول والعمل الإسلامي في العهد الراشدي . فماذا يجب علينا اليوم إزاءها ؟ لعل أول ما يجب هو أن لا نلوي أعناق النصوص الشرعية لتواكب وضعاً في زمان أو مكان ما، فهذه أسلوب من كتان العلم . جعل كثيراً من الناس يتصور الإسلام حليفا للجور والفساد والطغيان كما فهم ذلك الرئيس الأمريكي نيسكون في كتابه (انتهزوا الفرصة) مع أن السياسة الشرعية كما قال ابن القيم "مبيناها وأساسها على الحكم والمصالح، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، وجمال كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشرعية وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، (إعلام الموقعين 3/4) . وهكذا يكون التفريق بين عبادة كالصلاة وحدد الإسلام كيفيتها وشروطها ونواقضها وآلياتها، وعبادة كالإدارة والسياسة ربطها الإسلام بالعدل الذي هو مكارم الأخلاق التي عرفتها الأمم المتحضرة، والعدل والحضارة، أمران تقوم بهما الممالك، وقد عرفها أهل الشرق في مصر وفارس والصين،وأهل الغرب في روما وأثينا، قبل الإسلام بدهر طويل، وعرفها المؤمنون والملحدون، والمشركون والموحدون .
ومن هنا فإن الإسلام مع كل وسيلة أنتجتها التجارب البشرية، عبر التراكم البنائي للخبرات، ولو لم ينزل بها نص إلهي، ولم تسبق لها تجربة راشدية . وترك الوسائل التي تحقق العدل والانصاف، بحجة أنها لم ترد في كتاب ولا سنة، غفلة عن منهج فهم الكتاب والسنة، وتأويل خطير للدين . فهناك علاقة ثابتة بين ما هو اجتماعي، وما هو سياسي، أي لا يمكن صلاح السياسة إلا إذا أصلح المجتمع، ولا يمكن صلاح المجتمع إلا إذا سادت الأعراف المدنية الراقية، ولا يمكن أن تسود هذه الأعراف بدين ثقافة واعية خلال جيل واحد فهذه ثلاث درجات تخطى خطوة واحدة .
وقد حذر العلماء المحققون من هذا التأويل كابن تيمية وابن القيم والعز بن عبد السلام فنبه ابن القيم إلى خطر لوي أعناق النصوص فذم الذين "عطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجروا أهل الفجر على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقاً صحيحة يعرف بها المحق من المبطل" .
ولكن في مقابل ذلك، لا ينبغي أن نطالب بالإصلاح دفعة واحدة، بصورة مثالية، لأن أي حكم في أي مكان لن يتحول من استبداد إلى شورى خلال جيل واحد، فالاستعجال خطر كبير، يقابل الإهمال خطوة بعد أخرى ولا بد من التدرج في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تدرجا يفرق بين (الحكمة) الشرعية، والمداهنة التي يسميها كثير من الناس حكمة، والعنف الذي يتصوره بعض الناس (صدعا) بالحق، إن الحكمة هي العمل السلمي، الذي يتسم بالصبر على الأذن .
ومنذ فتنة الخليج، وهذه الرسالة تكتب، وتهذب ضمن أبحاث أخرى مجال السياسة الشرعية، وقد ألقيت أغلب أفكار هذه الرسالة (محاضرة) في الجامع الكبير في مدينة بريدة، مساء الثلاثاء 21/6/1413هـ (15/12/1992م)، لكن حيز الزمان والمكان، وقد دعوا المحاضر إلى ترك بعض عناصرها، واختصار أخرى هناك، وعسى أن يجد فيها الناس ما يسهم في البصر بالسياسة الشرعية النموذجية ومن الطبيعي أن يتناولها التهذيب والمراجعة فالفكر السياسي، هو أساس صلاح الحكم، وله الأولوية على ما عداه، نسأل الله أن يوفقنا جميعاً إلى النية، وسداد القول وصلاح العمل، ونسأله أن يهب المسلمون راشدا في الراي العام، يقودهم إلى صلاح العباد والبلاد .
الرياض 1/11/1413هـ
(10/4/1993م)
الفقه السياسي في الإسلام
أ- مأزق التحدث في السياسة .
ب- ضمور الفقه السياسي .
ت- تجديد الفقه السياسي ضروري اليوم .
ث- أهمية التربية السياسية في الإسلام .
ج- مصادر الفقه السياسي .
أ- مأزق التحدث في السياسة :
عندما يريد أحد أن يتحدث عن السياسة في بيت من بيوت الله يصيح الناس : ما علاقة السياسة بمكان العبادة ؟ ، وكأن المساجد لم تعمر للكلام في شئون المسلمين الدنيوية .
لقد قسمنا الحياة إلى حياة دينية كالصلاة والحج والصيام، وقصرنا الدين على أمور العبادة، وهذا وهم كبير، إن لم نمارسه في التفكير والنظر فقد مارسناه في التطبيق والعمل .
ولقد نسينا أن الإسلام يأبى الفصل بين الدين والسياسة، كما يأبى الفصل بين في الربط بين الدنيا والآخرة كالربط بين الإيمان بالعمل الصالح، ولذلك لا يكاد يذكر أحدهما في القرآن إلا القرآن إلا ذكر الآخر معه (وعبادة الدين والدنيا، لم ترد في الكتاب والسنة، فالوارد هو الدنيا والآخرة) ولذلك وجه الله المؤمنين بأن يكون دعاؤهم جمعاً بين مطالب الدنيا والآخرة، قال تعالى : (فمن الناس من يقول : ربنا آتنا في الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا أتنا في الدنيا، وما له في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا أتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب من ما كسبوا، والله سريع الحساب) (البقرة : 200-202) .
وهذه الممارسة الخاطئة في اعتبار السياسة عملاً غير ديني لا يليق بالمسجد، بعيدة الغور في نفوس المسلمين منذ عصور الانحدار السياسي .
لقد عاش المسلمون عصراً ذهبيا للسياسة والإدارة، هو عصر الخلفاء الراشدين (في النظام : للعوا : 83)، وفي تلك الفترة كان المسجد مكانا لانتخاب الخليفة، ولممارسة الشورى في تعيين الحكام والأمراء، ودراسة قضايا الحرب والسلام ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم، ينادي (الصلاة جامعة) كلما أراد مناقشة أمر من أمور الدولة والمجتمع .
ثم استقر في الأذهان أن المسجد للصلاة فقط، وهذه صورة من انفصام السياسة عن الدين، لأن السياسة لما ابتعدت عن المسجد، ابتعدت عن الدين، فتأخر المسلمون وسقطت الخلافة الراشدة، بسبب هذا ثم سقطت الدول الإسلامية وركعت تحت الأعداء لأن حكامها قالوا (لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين) واستطاع السياسيون غير المتدينين أن يقنعوا المسلمين الغافلين، بأن الحديث في السياسة لا يجوز في أي مكان، لا سيما إذا كان مسجداً . واستعمرنا المستعمرون، وخرجنا من الأندلس، وخرجنا من فلسطين وضغطت علينا الدول الكافرة، ولا زال كثير من الناس يظن أن المسجد مكان للصلاة فقط، لا يجوز أن نناقش فيه السياسة . وهذا وهم خطير ينبغي أن نحرر أنفسنا منه .
وإذا كان الحديث عن السياسة في المسجد مستغربا عند الناس، فإنه أيضا محظور من قبل السلطة، والسلطة في عالمنا البعيد والقريب، قد زرع في أذهانها خوف ورهبة من حديث الناس عن السياسة، ولا سيما إذا كان الحديث في المسجد، وذلك أمر غريب لأن هذه الحكومات تعلن أنها إسلامية وأن دينها الرسمي هو الإسلام، وأنه هو مصدر التشريع، لأن هؤلاء الزعماء يبدءون الحديث : بسم الله والحمد لله، ويختمونه : بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الخطر من الكلام في السياسة .
على أن من الضروري أن يتكلم الناس اليوم بالسياسة، لأن في ذلك ما يساعد على التربية السياسية التي نشكو من خلالها، والمتوقع من أهل الحكم والرياسة أن ينظروا إلى هذه الأمور نظرة المستفيد، فهي لهم وليست عليهم لأنها من النصيحة لولاة الأمور وخاصة الأمة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) قال الصحابة : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم . ولذلك قال الشاعر :
نصح الإمام على الأنام فريضة ولأهـــــله كفــــــــارة وطهـــــــــور
ولذلك فإن على الحكام والشعوب تقوى الله في هذا الجانب، لأن ترك الشورى أعظم المصائب، التي فتكت بالأمة والدول، أما المستقربون المستعمرون، والتربية الشورية هي أساس التربية، فلا قوام لتربية مدرسية أو مجتمعية، بدون روح حوارية شورية، بين الحاكم والمحكوم، والمدير والمدارين، والمعلم والمتعلمين، والأب والأبناء، الشوري ليست لب الفكر السياسي فحسب، بل هي لب صلاح تربية البيت والأسرة، والمدرسة والمكتب، والمصنع والمزرع، والشارع والمسجد ولا جرم أن نشر الثقافة السياسية الرشيدة، مفيدة للحاكم والمحكوم، لأنه يجنب أهل الحكم الاستبداء الذي يؤدي إلى الفساد والخراب، ويعلم الناس كيف يعبرون عن الرأي، بموضوعية وسداد، ويبني الأعراف والآليات، التي تمنع من الفصام بين القيادة والأمة، ذاك الفصام الذي أودى بحضارتنا، ورماها تحت سنابك جنوب التتار والصليبيين بالأمس البعيد، درماها تحت حراب الأطالسة بالأمس البعيد، ورهن مستقبلها المنظور هذه القوى الغلابة والحكام والشعوب اليوم أحوج ما يكونون إلى الفقه لأن الفقه السياسي هو أساس استقرار الأمم، واستمرار الحضارة .
ولم تتقدم أمم الغرب إلا بالفكر السياسي، فهو أمر له ما بعده، فبه يكون القانون، وبه يكون التنظيم والترتيب، وبه تكون فعالية الأذهان في الخاصة والعامة، فينظر الإبداع والابتكار وتنمو الزراعة والصناعة، ويمتن الاقتصاد .
وإذا أردنا ندفع عنا ما في الديمقراطية العلمانية، فلناد بالشورى الإسلامية، أو بالديمقراطية الإسلامية ولنتذكر أن أمتنا الإسلامية، ما تصارعت وسالت فيها الدماء، ولا حملت والقوافل تسير، إلا أضعف الفقه السياسي، وانصرف عن بنائه العلماء والفقهاء والأدباء والمفكرين، ولابد لنا اليوم إن أردنا النجاح، أن ننظر سبب هلاك أمتنا وتجاربها عبر العصور، وللنظر سبب نجاح الدول الأوربية، وما حققت من حضارة، لنعرف أن الحكمة ضالة المؤمن، هذه الحكمة أضاعها كثير من أجدادنا ووجدها الأوربيون، إنها الفقه المدني . والسياسي، وصدق الله العظيم، ((لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها الصالحون)) لعمارتها، فالأمويون أورثهم الله عمارة الأرض، لأنهم من عبادة الصالحين لعمارتها، ونحن سلبنا الله الأرض، وضاعت بالأمس البعيد الأندلس، وبالأمس القريب فلسطين، لأننا من عباد الله العاجزين عن عمارتها .
ب- ضمور الفقه السياسي :
قال الفضيل بن عياض أو الإمام أحمد رحمه الله (لو أن لي دعوة مقبولة لجعلتها للسلطان) لأن صلاح السلطان، صلاح للدنيا والدين، ولكن هل يصلح للسلطان بالدعاء له، وهل يزول الظالم بالدعاء عليه وهل السلطان قلب إذا صلح صلح الناس، وه هذا الكلام صحيحاً أم أن المسألة أكثر تعقيداً، وأن هناك علاقة بين صلاح الحاكم، وصلاح المجتمع، ولا سيما أهل العلم والأعيان أم أن السلطان لا يصلح إلا بتربية سياسية مدنية، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه ووجدنا تربية سياسية، ظهرت نتائجها في عصر الراشدين، ثم ضمر الفقه المدني والسياسي، لما أصبح الصحابة، كالشعرة في جلد البعير الأسحم، فكثر الأعراب والطلقاء والحدثاء عن العرب والمسلمون من العجم، الذين ضعف فيهم الفقه السياسي .
1- منطق اليأس والإحباط، الذي نسج والفكر السياسي، بعد فشل محاولات الإصلاح السياسي، حيث تطلعت صفوات المجتمع إلى نموذج الخلافة الراشدة، الذي لم تكن البيئة العربية القديمة، قادرة على الحفاظ عليه، فضلاً عن أن تقدر على إعادته بعد ذهابه، بسبب سيطرة العصبية العائلية والعنصرية، على الأعراف والتقاليد الاجتماعية وقد أنتج ذلك السيق التي تعامل به الملك العضوض مع العلماء والفقهاء، المطالبين بالعدل السياسة طوال فترات العهد الأموي والعباسي وما بعدهما، وقد أدى ترك الممارسة السياسية والدستورية الشرعية إلى عزوف عن الكتابة في هذا الميدان، وهذا هو سبب الثراء في جانب الفقه العام والفقر في جانب الفقه السياسي والدستوري (أزمة : 11) ومن أجل ذلك لم نجد تفصيلا لكيفية اختيار الحاكم، ولا تحديداً لأهل الحل والعقد الذين يختارونه ولا تفصيلا لكيفية مراقبة الحاكم ومحاسبته أوعز له (حتمية : 153) بل أنك لا تجد المسائل الدستورية في كتب الفقه مجموعة في موضع واحد، تحت أبواب وفصول مستقلة بل تجدها موزعة في أبواب القضاء والإدارة والسير والنكاح والطلاق، والحدود والفيء والفتن، (أنظر نظرية الإسلام : للمودودي : 242) .
لقد عطل مبدأ الشورى الشرعية في الحكم، منذ نهاية عهد الراشدين، وكان ذلك أو العوامل التي ساعدت على ابتعاد الناس عن الالتزام بالشريعة وأدت إلى ضمور أبحاث الفقه السياسي، وهو ضمور تنظير ناتج عن ضمور الممارسة، رغم أن الحضارة الإسلامية قد رادت كل المجالات، من علوم شرعية ولغوية وطبيعية ورياضية، فقد ضعفت الدراسات في الفقه السياسي وذلك قد أدى إلى ضعف في الأمة الإسلامية (انظر الحركة : للنفيسي : 70) أدى في ما بعد إلى سقوطها تحت هجمات التتار تارة، وتحت هجمات الصليبيين القدامى تارة أخرى، وتحت هجمات الاستعمار تارة ثالثة .
2- وقد واكب هذا الضمور خلل آخر صورت به المسالة السياسية على غير ما هي عليه، إذ المستبدين – حرموا الأمة من ممارسة واجبها وجهلها بدينها والمثقفين تخلوا عن دورهم الطليعي، في إنتاج فكر سياسي، يهتم ببلورة آليات العدل، كالشورى وأهل الحل والعقد فصار الناس بين حالتين نموذج عال يتطلعون إليه، ولا يصلون وهم النموذج الراشدي .
ونموذج أن يضيقون بجوره، وهم الاستبداء الأموي والعباسي . ولم يكتف الفقه السياسي، صورة وسطى، بين الملك العضوص والخلافة الراشدة، هذه الصورة يمكن أن تبقى الحكم أموياً أو عباسياً، ولكنها تقديه عن الاستبداء .
وهكذا استسلم الجميع لمنطقة الإحباط فتلاشت الأعراف التي تعين الحاكم على العدل والشورى، فضمت الفعالية الشعبية في الأمة، لأن المصارع القوى، إذا كف عن التدريب والتمرين ارتخت عضلاته، ووهنت قوته، وكذلك هم المسلمون الذين لم يمارسوا التفكير والحرية، وتركوا ممارستها للفرد المستبد، الذي يزعم أن الأمة لم تتهيأ لممارسة الشورى، والمستبد الذي يعامل الأمة وكأنه طفلة، تحرم من ممارسة المشي، خوفاً عليها، (الحركة : 70) ومن أجل ذلك عانى المسلمون من عقدة (الاستبداد) حتى صاروا اتباعا خلف كل قائد بالحق والباطل .
3- أثناء ذلك سادت أمور غريبة في المجتمع الإسلامي، منها تفسير البيعة للحاكم على أنها (سمع وطاعة) بإطلاق، ولك أدى إلى تقديس الزعماء أحياء وأمواتا (الحركة : للنفيسي : 367) . وأدى إلى أن يكون الحاكم ملكا مستبدا أو أحيانا أسرة حاكمة، بل وأسرة مالكة ولا ريب أن لهذا التشكيل السياسي، علاقة بالأعراف السائدة في المجتمع، وقصر فترة الخلافة الراشدة يدل على ضمور الفكر السياسي الشوري في المجتمع العربي، وقد حمل المسلون الجزء من الحدثاء العرب والعجم، القيم الوراثية السياسية، كسروية وقيصرية وجاهلية فهمشوا بذلك الفقه السياسي في الإسلام . لأن الحاكم في الإسلام سمي (إماما)، لأنه يؤم الناس في الصلاة، وفي تدبير شئونهم ورعاية مصالحهم، قال ابن خلدون أما تسميته إماما فتشبيها له بإمامة الصلاة والاقتداء به، ولهذا يقال الإمامة الكبرى تمييزاً عن الإمامة الصغرى كإمامة الصلاة والحج والأعياد والجمع (النظام : لأبو فارس : 176) وصار الحاكم ينظر إلى الناصح والمعارض، على أنه عدو مبين، فشوهت صور المصلحين، وعوملوا كالأعداء الفاسدين وأساء الحاكم وبطانته توجيه النصوص الشرعية فاعتبروا كل ناصح معارضا واعتبروا المعارضة السلمية خروجا على الحكم يعد صاحبها باغيا، يجب قتله، فأساؤا تفسير النصوص الدينية التي تناقش مسألة الخروج على الحاكم، لأن الخروج هو حمل السيف على الحاكم، لا التعبير عن الرأي فالأمر المحظور في حالة وجود خليفة عادل شرعي، هو السعي إلى إسقاط الحكم عن طريق السلاح . كما في البخاري من حديث عبادة بن الصامت (أمرنا أن لا ننازع الأمر أهله)، أي أن لا نقاتل ونحارب السلطان وكما في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (من كره من أميرة شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) .
وقد أخرج الترمذي من حديث الحارث الأشعري (من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ر