السلفية المتوازنة/المثلى
سلفية العدل عديل الصلاة
لا سلفيات الاستسلام للطغاة ما أقاموا الصلاة
مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العباسية والمملوكية والعثمانية
مقالات
د/أبو بلال عبد الله الحامد
الأستاذ السابق في جامعة الإمام بالرياض
المسودة الأولى 1423هـ2002م
(نسخة حائل)المسودة العاشرة01/08/1428 ( 14/08/2007)
شــــكــــر
أشكر دعاة الدستور الإسلامي،من قضاة وفقهاء وحقوقيين ومحامين، وأساتذة جامعات، ومهتمين بالشأن العام، الذين تكرموا بقراءة مسودة هذه المقالات، فأهدوني ثمارها ملاحظة وتصويبا وتهذيبا، -على أن شكرهم لا يلزم منه تبعتهم عن شيء فيه-وأخص بالذكر منهم:
1=المحامي د/ موسى بن محمد القرني. أستاذعلم أصول الفقه سابقا في الجامعة الإسلامية، في المدينة المنورة. وأحد دعاة الدستور الإسلامي:العدل والشورى وحقوق الإنسان ، الذين يواصلون الدعوة بموقفهم الشجاع خلف القضبان
2-المحامي:سليمان بن إبراهيم الرشودي/ القاضي السابق/ وأحد أعضاء لجنة حقوق الإنسان الشرعية 1413هت(1992م). وأحد دعاة الدستور الإسلامي:العدل والشورى وحقوق الإنسان الذين يواصلون الدعوة بموقفهم الشجاع خلف القضبان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة العالمين،
وعلى آله وأصحابه السابقين،
الذين أقاموا معالم العدل والشورى،
وعلى من تبعهم بإحسان،إلى يوم الدين
أ-السلفية:نص وأصل هما المقياس وصور أشتات
1=قابس مصطلح السلفية:
الإمام عبد الله بن مسعود
أ-المعني اللغوي و الاصطلاحيان للسلفية:
السلفية لها ثلاثة معان:في اللغة:
-المعنى الأول:المعنى اللغوي الأعم: السلفية : وصف وثقافي واجتماعي محايد ، يشير إلى أن التصورات والتصرفات تعيد إنتاج الماضي، سواء أكان هذا الماضي حسناً أم رديئاً، فهي الاقتداء بالسلف من الآباء والأجداد ، آباء الأرواح وآباء الأجساد.
-المعنى الاصطلاحي العام: تقديس تراث اتباع الماضين، التعلق بعادات وأعراف بالآباء والجدود، واعتبارهم حجة على كل جديد، فهي الاتباع دون نظر وعلم، بل عجز عن التجديد ولزوم للتقليد، كما الذي ذمها الذكر الحكيم.
لأن انتضاء أفكار ونظريات ووسائل منه ، لحل مشكلات الحاضر والمستقبل. فهي رغبة في التعلق بالأموات، ودوران حول ضريح الرفات الثقافي أو الاجتماعي، التي لا تستجيب لمتغيرات الحياة. ولما كان إنتاج الماضي؛ لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة الحديثة، صارت السلفية مذهبا اتباعيا، ولذلك ترد ذماً للتصورات والتصرفات الماضوية العاجزة عن حل مشكلات الناس الحاضرة.
فالسلفية –هنا-:(بمعنى الماضوية/ضد المستقبلية) : وكثير من المثقفين يستخدمونها ذماً لاتجاه ثقافي أو اجتماعي أو سياسي، فإذا ذموا هذا الاتجاه أو ذاك قالوا: هو سلفي. ويلاحظون فيها نزعة التقليد، أو الإتباع من دون دليل.
-المعنى الثالث: المعنى الاصطلاحي الخاص وصف عقيدي:
فالسلفية: هي اتجاه يعلن أصحابه أنهم لا يرجعون إلى صيغة الإسلام التاريخي، في أي عصر أموي أو عباسي أو مملوكي أو عثماني، بل يعلنون شوقهم المتجدد للتمسك بالإسلام النصي، ويتطلعون لإضاءة دربهم بضوء سراج القرآن والسنة، من خلال مشكاة تطبيقهما النبوية والراشدية،ويحاولون بناء فكرهم وعملهم، وفق هذا النموذج العالي.
السلفي بهذا المعنى هو الأصولي هو الذي يعلن أنه ينبذ المستحدثات والبدع ويرجع إلى التطبيقات النبوية و الراشدية، كما جاءت في القرآن وأحاديث الرسول، فالسلفية-هنا-هي"الأصولية"، أي العودة إلى الأصول.
فالسلفية إذن تبلورت-نظريا- بمعنى العودة إلى النص، واستنباطه من خلال مسرح تطبيقه الأول.
فالسلفية –نظريا-هي التي تعلن الإتباع بدليل، فهي إذن حركة تجديد وتأصيل معاً، إنها تعني استلهام الجذور الصحيحة: قولا في الكتاب والسنة، وعملا في سير الرسول والراشدين رضي الله عنهم، وليست عودة مطلقة إلى ما ورث الناس عن آبائهم وأجدادهم، وهذا هو الفرق بين الاصطلاح العام والاصطلاح الخاص.
ومفهوم السلفية يماثل الأصولية، وبينهما فرق لفظي.والذي يعنينا في هذا الكتاب، هو السلفية بهذا المعنى الثالث، وهي السلفية حصر المرجعية بمصباح القرآن والسنة، في زجاجة مشكاة التطبيق النبوي والراشدي، وسنن الله في الإنسان والطبيعة
ب-نشأة مصطلح السلفية، والجو الذي ترعرع فيه:
أول من أطلق فكرة الاقتداء بالسلف؛ هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود وكان خازن بيت المال، لعثمان رضي الله عنهما، فأمره عثمان بصرف مبلغ من بيت المال، لأحد الولاة، ولكن ابن مسعود رأى أن صرف هذا المال للوالي، لا يستند إلى مشروعية، فراجع عثمان فلم يقتنع برأيه، فاستقال من وظيفته، وقال "من كان منكم مستنا، فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفا" "أي أنها الاتجاه الذي كان عليه الصحابة السابقون، فهم الذين أشار إليهم ابن مسعود، المتوفي سنة 32هـ والتابعون لهم بإحسان.
وهذا يدل على أن وصف السلفية ليس محصورا بأمور غيبية ولا روحية ؛ لأن مناسبة قول ابن مسعود؛ كانت في مجال العدل وحفظ مال الأمة، وفي مشروعية تصرف الحاكم في بيت مال الأمة.
وهذا يؤكد أن السلفية لاتهون من أركان إقامة عدل الدولة وإسلامها المعتبرة.
ويستنبط من ذلك أنه لا يصح إطلاق السلفية على أي اتجاه أو تيار أو كتاب أو كاتب أو حاكم، يهون من شروط عدل الدولة وإسلامها والمجتمع العشرة، وأن أي تصرف يفرق بين شق العقيدة الروحي والمدني؛ ليس سلفيا.
وبذلك تظهر فائدة تثبيت مسطرة القرآن الكريم والسنة، من خلال مشكاة التطبيق النبوي والراشدي وسنن الله في الإنسان والطبيعة، واعتبارها مقياسا وحيدا للعلم والعمل.
وصارت الكلمة بعد ابن مسعود عبارة جاهزة، عندما أطلت الروح الصحراوية البدوية والكسروية،بقرونها السياسية والفكرية، فظهرت الفرق السياسية والفكرية كالأموية والخوارج والشيعة والجبرية التي ساندت حكم الجبر والجور.
وتحولت العبارة إلى خاتم، يشير إلى اتجاه محدد، إبان الامتزاج بالثقافات الأجنبية، عندما ظهرت الفرق الفكرية كالقدرية والجهمية ، وكانت القدرية رد فعل على الفكر الجبري، فنادت بحرية الإرادة، وظهر فيها معبد الجهني الذي دعا إلى محاسبة الحاكم في المال العام، وقتله الحجاج، سنة 83هـ، كما قتل الخليفة هشام تلميذه غيلانا الدمشقي سنة120هـ.
وفي محضن القدرية نشأ المعتزلة، حينما ظهرت محاولة الإجابة عن السؤال الحرية: هل الإنسان مسير أم مخير، ولاسيما في الفكر الاعتزالي، ليقول رموز السلفية: عليكم بإتباع طريق من سلف من الرعيل الراشدي، فإنه هو الصراط المستقيم، أي أنها نادت بالعودة إلى ما كان عليه الصحابة، أي الأصول الثوابت في الكتاب والسنة، من خلل حقل تطبيقهما فوق المسرح الراشدي.
وحينما وصل المعتزلة إلى بلاط السلطان المأمون، وكان منهم عديد من القضاة والمستشارين؛ فحملوه على الانتصار لمذهبهم، رد فعل على ما نال رموزهم، منذ عهد هشام بن عبد الملك وخالد القسري، واستمرأ الخليفة المأمون هذا الاتجاه، تنكيلا بالتيار الذي آزر أخاه الأمين وعمه إبراهيم بن المهدي .
وأسرف المأمون في امتحان الناس في سؤال هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق، فجاءت السلفية أيضاً وسطاً لتقول :عليكم بمن سلف من خيار الأمة، وسلف الأمة لم يتساءلوا هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق، بل قالوا: القرآن منزل وكفى، وعلى ذلك جاء ما يمكن أن نسميه " السلف العباسي الصالح "
وجاء وصف الإنسان الذي يعلن أنه يقدم القرآن الصريح والحديث الصحيح الصريح ، على الرأي بأنه " سلفي " و" أثري " أي أنه إذا ثبت لديه الأثر أي النص ، لم يخرج عن معناه الصريح، الذي تعرفه العرب من أساليبها، فإذا جاء في القرآن الكريم " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً، فسروا الرسول بأنه النبي ، فلم يحملوا النص على غير ظاهره، مادام ظاهره مقبولا في السياق اللغوي، و لم يفسروه بالعقل، كما فعل المعتزلة.
ولكنهم لم ينكروا المجاز-كما يتصور بعض الناس- عندما قرأوا قول الله تعالى"وسع كرسيه السماوات والأرض"؛ فسروا الكرسي بالعلم والسلطان، لأن ظاهره غير مقبول في السياق اللغوي، ولا بد من أن يكون الكرسي مجازا.
وأكثر النصوص التي ثار حولها النقاش ، كانت في شق الشريعة الروحي الغيبي ، كأسماء الله وصفاته، وصارت الفرق التي تأثرت بالفلسفة الأجنبية التجريدية تحاول أن تتصور البارئ ، من خلال إطار الفلسفة التجريدية ، فتؤول الآيات ، حتى تعطل مدلولاتها ، ولذلك جاءت السلفية أيضاً تعلن الالتزام بفقه الكتاب والسنة ، وفق فهم الصحابة في هذا الجانب (في ما أعلنته و إن لم تلتزم بذلك في كافة فكرها ومواقفها، ولنقول عن آيات الصفات: ""أمروها كما جاءت"" دون تعطيل ولا تأويل.
وجاءت كلمة الإمام مالك رحمه الله ، بلورة للمنهج السلفي –في المجال الغيبي-لمن سأله عن معنى قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" فقال "الاستواء معلوم ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب"، أي ليشغلكم التفكير في مخلوقات الله، عن التقعر في صفاته وذاته، لأنها لا يترتب عليها عمل.
2=المقياس السلفي مسطرة واحدة وصورة مثلى
أنتجتا صورا شتى حركات وصياغات واتجاهات ومذاهب متقاربة
أ- في الغيبي من شق العقيدة الروحي:
في خلق القرآن ثلاثة اتجاهات:
السلفية التي يتصورها بعض الناس؛ مذهبا عباسيا محدداً، ليست كذلك بل هي اتجاه منهجي فكري محدد، يقول بمرجعية سراج الكتاب والسنة من خلال زجاجة التطبيق النبوي والراشدي و مشكاة حقائق العلوم، ومن الطبيعي أن ينتج المنهج عددا من الآراء والمذاهب.
من أجل ذلك نجد فيها اتجاهات متشددة، وأخرى متفتحة، واتجاهات مناضلة وأخرى مسالمة، واتجاهات تنم عن ثقافة واسعة، وأخرى تنم عن ثقافة محدودة، سواء في أصول الفقه، أو في فقه العقيدة الأكبر.
وما بحثوه تحت عنوان العقيدة يضم أمرين:
-الأول: أمور قطعية كالإيمان باليوم الآخر، وتولى الصحابة.
ولكن هذه القطعيات، على صحتها، غابت عنها فكرة أن العقيدة نظام متكامل، كالجسد الواحد،
-الثاني: أمور ظنية.
- لهم أيضا في آيات الصفات مذهبان، الذين يمرونها على ظاهرها، والذين ينفون يقسمونها إلى ما هو حقيقة، وما هو من المجاز، حسب أساليب اللغة العربية.
وفي قضية خلق القرآن لم يحصل علي اتفاق كما يتصور بعض الناس؛ على القول بأن القرآن غير مخلوق، بل لم يتوافقوا على بحث القضية، ولا على الرأي فيها –عند بحثها- فلهم في ثلاثة اتجاهات:
-القول بخلق القرآن الذي قالت به الأقلية كأبي حنيفة،كما ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة
- والقول بأنه غير مخلوق الذي قالت به الأكثرية، كأحمد بن حنبل.
-السكوت وترك الخوض في السؤال جملة وتفصيلا،قال بذلك مالك وابن عبدالبر، وتابعهما الشاطبي والشوكاني.
واتجاه مالك أقرب إلى المنهج السلفي، للأسباب التالية:
-أن السؤال لم يثر في عصر صدر الإسلام.
- ولأنه ليس أساسيا في العقيدة.
-ولأنه ليس عمليا.
-ولأنه ليست له أولوية، على سؤال العدل والشورى.
-ولأن التدليل على الجواب ظني،من قبيل الاجتهاد.
-ولأن تركيز المعتزلة عليه إنما جاء في سياق رد المعتزلة على الملاحدة والنصارى، كيوحنا النصراني.
-ولأن الدخول فيه يثير خلافات وتدابرا، في أمور ظنية غيبية ثانوية، تخل بمابين المسلمين من تآلف وتعاون على الأمور الأساسية.
-ولأن إثارته لعبة من المأمون للنيل من خصومه أهل الحديث، الذين آزروا أخاه الأمين وعمه إبراهيم المهدي، على فسقهما وفضله وعلمه،كما بين فهمي جدعان في كتاب المحنة.
ولهم في تغليب الرواية على القياس والدراية مذهبان: للشافعي وأحمد يتشدان ولأبي حنيفة وأتباعه وجمهور الفقهاء من بعدهم يتوسعون.
- وفي الاحتجاج بأحاديث الآحاد في أصول الدين هم أيضا فريقان.
والسلفيون العباسيون في العقل المدني والسياسي (أو ما سموه التحسين والتقبيح) فريقان:
-فقال المعتزلة ووافقهم الحنابلة، الذين قالوا: إنما عماد التحسين والتقبيح العقل والفطرة.
-أغلب الأشاعرة: الذين قالوا: إنما عماد التحسين والتقبيح الشرع لا الفطرة، و رفضوا قول المعتزلة.
و الرأي الأول هو الوجيه، وقد نصره الشاطبي-رغم أشعريته- كما أكده الفقيه النجدي عبد الله السعد-في مقدمة تحقيق الموافقات- لأن صريح علوم الشريعة، لا يناقض صحيح علوم الإنسان و الطبيعة.
ب-ولهم في السياسة والحضارة اتجاهات الكف عن ما شجر بين الصحابة اتجاهان:
والسلفيون في الكف عن ما شجر بين الصحابة أو الخوض فيه فريقان:
- من ترك الخوض جملة وتفصيلا كالبربهاري والسيوطي.
- من خاض كابن تيمية وابن العربي.
والمحدثون أيضا فريقان: فالباحث في مدونات الحديث كالصحاح الستة ونحوها، لا مفر له من أن يلاحظ أن المحدثين كلهم تأثروا بعوامل شتى وهم يروون الحديث، فالاتجاه السياسي كان حاضراً، وإن كان مضمرا، فما رواه البخاري وأبو داوود، أميل إلى المسالمة.
-وما رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه أقرب إلى المقاومة.
وهم في الميول نحو آل البيت أو الأمويين أيضا فريقان:
فما رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم وابن عبد البر من فضائل علي وآل البيت، أكثر من مارواه البخاري وأبو داوود. ولأحمد بن حنبل كلمات كثار في إنصاف علي بن أبي طالب، وهوالذي يقول لابنه صالح عن يزيد بن معاوية: "يابني وهل يحب يزيدَ بن معاوية من يؤمن بالله واليوم الآخر؟"، والشافعي الذي يقول:
إن كان رفضا حب آل محمد × فليشهد الثقلان أني رافضي
وفريق آخر وضحت نزعته الأموية، كابن العربي في العواصم وابن تيمية في منهاج السنة، ومحب الدين الخطيب، ولا لوم ولا تثريب، فلكل مجتهد من الأجر نصيب.
وهم في التعامل مع الخصوم والمخالفين فريقان:
-متسامحون غير مذهبيين وهم القلة،كأحمد بن حنبل (إذا حذفنا مبالغات التكفير والتبديع التي نقلها بعض تلاميذه و لاسيما ابنه عبد الله؛ لأن في تصحيحها أكثر من إشكال ومقال) وأبي حنيفة الشافعي وعبد الله بن المبارك وابن عبد البر والذهبي، والشاطبي والشوكاني والقاسمي.
-ومتشددون وهم الكثرة: كعبد الله بن حنبل والبريهاري وابن بطة والخلال واللالكائي والدرامي ،والجويني وابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبدالوهاب وتلاميذ مدرسته وأبرزهم ابن سحمان.
ج-العباسيون ليسوا هم المسطرة ولا النموذج الأصلي يل صور
وبناء على مامر ينبغي التفريق، بين السلف المتبوع، وهم الصحابة السابقون الراشديون، والسلف التابع وهم الأموي والعباسي التابع، بإضافة ياء النسب إلى السلف التابع ( الأموي والعباسي) لنفرق بين سلف راشدي صالح وسلفي أموي وعباسي صالح، تمييزا للتابعين عن المتبوعين(الصحابة السابقين)،ليزيل ذالك كثيرا من اللبس، الناتج عن دمج السلفي الأموي والعباسي، في السلف الراشدي.
ولهذا التمييز أثر كبير في دفع الالتباس، عندما نقيم فكر السلفي العباسي الصالح، ينبغي أن نتذكر أن أكثرهم أنتج لنا فكرا سياسيا غير صالح،وهو فكر عاش في مناخ الاستبداد السياسي والاختلال الاجتماعي، فاحتوى أفكار حية معيارية وأخري آنية، وأفكارا ميتة، لكي لا يتماهى مع فكر السلف/ القدوة التي تجسد المرجعية.
ولكن اثبات ياء النسب في قولنا السلفي الأموي والعباسي الصالح،يحدث لبسا آخر، إذ قد يظن بعض الناس أن المقصود هم الحكام، لذلك لعل من الأنسب، ان يكون التمييز بوصف زمني، بأن يوصف السلف الصالح المتبوع بأنه الراشدي والسلفي التابع بأنه سلف العصر الأموي أوالعباسي أو المملوكي أو العثماني أوالإمبريالي الغربي.
سبب ذلك أن دور السلف العباسي الصالح، دورهم الأظهر الأشهر إنما هو في بناء المنهج وتصحيح نصوص الملة وتدوينها، ولذلك اتفق السلفيون العباسيون في المنهج ومادته، ولكنهم في التطبيقات -كما ذكر محمد عمارة- أشتات، فمنهم محافظون جامدون، ومنهم مجددون، ومنهم من يتنكر للعقل جملة وتفصيلا، ومنهم من يعلى شأنه (انظر موسوعة الحضارة:381-382 عن السلفية للزنيدي).
3=السلفية ليست محصورة بالإصلاح الروحي
بل هي إصلاح سياسي أيضا ذو وسائل شتى
أ-الكفر البواح وحمل السلاح:
المنهج السلفي يقرر أن السلفية حفاظ على العقيدة إصلاح في جانبيها الروحي والمدني معا، وإصلاح سياسي وروحي معا، ولم يتكون اتجاه سلفي معتبر بخلاف ذلك، والنصوص قطعية في وجوب مقاومة الاستبداد والظلم. والآثار والأحاديث التي تبرر أو تأمر بالصبر على الجور معارضة بما هو أقوى منها، وللمحدثين والأصوليين، كلام قواعد تبين ذلك في مسألة العلل ونقد المتن أو التعارض و الترجيح، فأدلة الصبر على الجورغير قطعية، لأنها معارضة بما هو أقوى منها وأصرح، غير صريحة أو مرجوحة أو غير صحيحة.
وأغلبها أحاديث صريحة أولها بعض الفقهاء الغافلين –في أزمنة الاضطرار-كحديث "إلا أن تروا كفرا بواحا"، فقد بين الفقهاء أن الكفر البواح، لا يقتصر على الكفر المعنى الحقيقي:الإلحاد، لأن كلمة الكفر تطلق في القرآن والسنة كثيرا، للتعبير عن كبار الفواحش، ولأن الشريعة تصف كل جريمة ذات خطر جسيم بالكفر، ولو لم تكن كفر إلحاد، كما قرر الأصوليون كالشاطبي في الموافقات.
بل إن المقصود الأساس بالكفر البواح-في الحديث- هو الإخلال بأركان إسلام الدولة، وقد صرح على أن المقصود بالكفر البواح الاستبداد والظلم؛ عدد من الفقهاء كالنووي، وقد شهدت على ذلك روايات الحديث الأخرى"إلا أن تروا معصية بواحا".
ومن أجل ذلك فإن الوصف بالكفر منطبق على كل إخلال كبير بأي ركن من أركان إسلام الدولة العشرة. كالاستبداد والظلم المقنن والتفريط بالهوية، وانتشار الزنا واللواط وشرب الخمور، وانتشار الفقر الذي يؤدي إلى اختلال المعايير.
و ليس الكفر خاصا بالأمور الروحية كترك الصلاة و الصوم.
وهم في الفقه السياسي ثلاثة تيارات:
التيار الأول الجهاد الحربي:القائلون بإلزام الحاكم شرطي البيعة:العدل والشورى، حتى لو لم يمكن إلزامه إلا بالسلاح، وهم أغلب السلف الأموي الصالح من شيوخ التابعين، فقد كان أكثرهم يقاومون الفساد السياسي، و لو عن طريق العنف، فشاركوا أو شجعوا في الثورات السبع، كثورة أهل الحرة، وثورة ابن الأشعث عندما ثار على الحجاج، كالحسن البصري وسعيد بن جبير والأعمش وزيد بن علي والنفس الزكية، وإبراهيم النخعي ومنهم الحسين وابن الزبير.
فالفقهاء الأمويين قاوموا الجور و الجبر، وآزروا عمر بن عبدالعزيز و عبدالله بن الزبير، اللذين أقرا الحرية و التعددية و العدالة و الشورية، وقد اتجه هذا الاتجاه قولا وعملا، عديد من رموز السلف الأموي والمخضرم الصالح ، كأبي حنيفة ومالك والشافعي، وصرح بذلك عديد من الفقهاء العباسيين كابن حزم وابن عطية وابن خويز منداد. وعلى تراثهم نشأت الوهابية، وحركات الإصلاح السياسي الإسلامية الحديثة.
ب- الصبر على الجائر ما أقام الصلاة:
هناك آخرون من السلف الأموي الصالح ركبوا مطية الاضطرار، فمهادنوا، كمحمد بن سيرين والأوزاعي وابن عون. هؤلاء ركزوا على جانب المهادنة السياسية، بعد أخفقت حركات الإصلاح السياسي، التي حملت السلاح،ورأوا طاعة الإمام المسلم الجائر، ما أقام الصلاة، الغزو معه براً كان أم فاجراً، وركزوا على الدعاء للسلطان بالصلاح، أو الدعاء على أمثال الحجاج بالهلاك. وحصروا جواز بحالة الكفر البواح، (التي حددوها بكفر الإلحاد )، بترك الصلاة، وقد أخطأوا خطأين:
الأول: أنهم اعتبروا تارك الصلاة تهاونا كافر، وليس لهم دليل قطعي على هذا القول.
الثاني: أنهم فرقوا بين ترك العدل والصلاة، ففرقوا بين ركني فسطاط الإسلام: وهما بمنزلة واحده. وعنونوا هذه التفرقة، من خلال أحاديث دست عليهم منها حديث: ما أقاموا فيكم الصلاة.
وقد استقر على هذا الرأي أغلب الفقهاء، في الدولة العباسية، لما سيطر عليهم الاحباط.
وكانت المطالبة بشرطي البيعة: العدل والشورى، لاتزال ماثلة،أوائل العصر العباسي، ولكن شعلتها تتضائل، فاشترك فيها الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، فانهزم التيار، واضطر من بعدهم إلى الاستسلام.
فظهر ذلك الاتجاه في جيل العصر العباسي الثاني، كالإمام أحمد بن حنبل والفضيل بن عياض وأيوب السختياني، وسفيان بن عيينة ثم شايعه المتأخرون كابن تيمية، و إنما استقر هذا الاتجاه؛ بسبب رسوخ الاستبداد،وغلبة سلطان الجور، واليأس من الخروج من الوقوع في مستنقع الفساد.بسببين:
-ترك الفقهاء تثمين إنكار المنكرات السلطانية سلما، مع أن الإسلام اعتبر ذلك خيرا من الجهاد الحربي وأفضل.
-غفلة الفقهاء عن آليات الجهاد السلمي الفعالة،-التي طورتها الشعوب الغربية وسائر شعوب العالم اليوم_ وتصورهم إن إصلاح الدولة لا يكون إلا بالخروج العسكري، و ترك الجماهير مبدأ التجمع والتعاون
وإلزام الحاكم بشرطي العدل والشورى-بصرف النظر عن الوسيلة-هو القول الصحيح، المتسق مع مقاصد الإسلام الكلية القطعية، والقول بأن ال