البدايه

     

 

 

 سؤال النهضة؟

 

    محاولة للإجابة

 

                        مقالات

 

                   أبو بلال عبد الله الحامد

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

    المقالة الأولى:

 أدوات النهضة قد تعار

 ولكن عقيدتها روحها

 لا تستعار

نشرت في الحياةاللندنيةيوم الجمعة20/7/1420هـ 29أكتوبر/1999م

 

1-1-محاولة الاقتراب من أسئلة النهوض الكبرى:

لكي نتقدم هل نحتاجأولاإلى أدوات النهضة ،كالروح النقدية والعقلانية والحرية والتعليم؟ أم أن النهوض يحتاج أولا إلى قوة“-بالمعنى الفيزيائي”-، أي مكينة... عقيدة ...روح تفجر طاقة النهوض؟.

 

لكي نؤصل الحداثة، على مفاهيم النصوص الدينية، هل نحتاج إلىتأويل الدين؟،  أم أن أسلمتها، يمكن أن تتم عبرتفسير مفاهيم الدين ؛ إذا عدنا للاغتراف من منبع النهر ،بدلا من مصبه،الذي امتص مئات الملونات، خلال ألف ونحو أربع مئة من الأكيال، التي غيرت لون النهر وطعمه، وقتلت كثيرا من عناصره الحية؟.

 

1-2- النهضة روح أولا أم أدوات مجردة:

تساءل غستاف لوبون في كتابهحضارة الهند، كيف استطاع البريطانيون، ببضعة آلاف من الجنود، أن يستعمروا الهند، ذات الملايين العديدة؟ وأجاب: عند تشريح جمجمة الهندي، لن نجدها مختلفة عن جمجمة الإنجليزي، ولكن الفرق هو الإرادة ،الثبات والعزم في قوم، والضعف والاستكانة في آخرين.

قوة الإرادة -إذن- هي سر النهوض،لأنها الروح التي تنبض بالجسد، إذا لم تمتلك الأمة روح الإرادة والطموح،جاوبت التحدي بمزيد من التردي،وإذا كانت الأمة حية الروح؛ نفخ فيها التحدي روح التصدي.

لا زلنا منذ مئة عام، نتساءل في العالم العربي ،كيف تقدم  العالم المتفوق؟ هل تقدم بالعقلانية؟، هل تقدم بالحرية؟،هل تقدم بالتعليم؟، أي هل نمحور إشكال النهضة في هذه القيم المهمة؟ أم أن هذه أدوات للنهضة، والنهضة قبل أن تكون أدوات ،إنما هي قوةبالمعنى الفيزيائي،تستثمر هذه الأدوات؟.

عند استقراء تاريخ الغرب،  يمكن أن نجد أن قوة الإرادة هي روح النهضة، هذه الإرادة، تبدو منذ الحروب الصليبية، ثم قد نراها تجسد ثقافة قوة الإرادة ،في أعمالكورنيالأدبية، قبل عقلانية ديكارت ومفكري التنوير.

 كيف تبدو العلاقة بين الإرادة وفكر التنوير الأوربي؟، الذي خلص الثقافة من فلسفة أرسطو التجريدية الجافة، وأخرجها من الفكر الكلاسيكي، إلى آفاق أرحب وأوسع، فكانت حداثة الفكر والأدب، حقلا لإنتاج المفاهيم العملية، التي أفضت إلى فعالية الثقافةأي التكوين الفكري، فأفضت حيوية الثقافة; إلى حيويةالقيم”الاجتماعية،أي معايير التصرف الاجتماعي،التي أفرزت سلوكيات النجاح الحضاري. فاستطاعوا أن يكونوا سادة العالم.

هل التنوير الأوربي هو الذي أنتج قوة الإرادة؟ أم أن قوة الإرادة هي التي أفرزت فكر التنوير؟أم أن الأوربيين كونوا خلطة من الأفكار جسدت عقيدة أسست للنهوض، أليست العلاقة تراتبية، أي أن روح أوعقيدة النهوض، تفرز وتشحذ أدواتها، العقلانية كيف تكون عملية؟ وكيف تكون مقتحمة بدون عزيمة؟ أليست العلاقة بين شجاعة القلب وشجاعة العقل; هي التي حمت العقل الأوربي الحديث ;من الانحراف إلى العقلانية التجريدية اليونانية، بل هل يمكن أن نتصور عقلا بدون شجاعة، والعقول كالعيون لا تنمو، بل تنطمس في حشرات الكهوف.

 

1-3- العقلانية والحرية :

العقلانية بدون روح عملية، قد تبني بناءا هندسياً براقاً، يخلب الألباب بالقدرة على التحليل والتأويل، والاستشهاد والاقتباس، ولكنه في النهاية كالأحلام والسراب، فما معيار العقلانية العملية إذن. هل من العقلانية العملية أن نركز على الحداثة الأدبية والفنية، فنهمش المعرفة التطبيقية والتقنية، للإجابة عن هذا السؤال ،نقارن بين نوعية ما ترجمنا وما ترجم الصينيون.

ما المشروع الذي يوجه عقلانيتنا، كي لا تكون تجريدية خيالية، عندما تبحث في الاجتماع، كفكر ابن رشد والفارابي؟

وما الذي يبوصل عقلانيتنا، كي تكون عقلانية إسلامية؟، تفحص المسلمات الدينية الصحيحة الصريحة، التي وردت في الكتاب والسنة وإجماع الجيل الراشدي فحص إيمان واستلهام للبناء عليها، لا فحص شك يهدمها عبر التأويل ،أو عبر الإنكار، وكي تفحص المسلمات العباسية التراثية فحص تصفية وفرز واشتيار، فنبعد الخلايا الموات، ونستدني الخلايا الحية.

والعقلانية بدون حرية ،مثل نباتات الغيران والكهوف. وكنبات البيوت المحمية، ليس نباتاً طبيعيا، لأنه محروم من أشعة الشمس والهواء، فهل الحرية منحة فتوهب أو تستوهب ،أم حق يطالب به فيعطى أو ينتزع؟،وشرط الابتكار هو الحرية، وشرط الحرية هو الشجاعة، ولذلك قال تورنس: »لكي تكون مبتكراً; ينبغي أن تكون شجاعاً«.ومن هنا تبدو العلاقة بين الحرية والنهوض.

  ولكن أليس للحرية علاقة بالروح والأيديولوجية؟ هل الحرية-بدونهما -هي سر انتصار أجدادنا العرب المسلمين على فارس والروم بالأ مس؟ وهل الحرية -بدونها- هي سر انتصار الصهانية علينا اليوم؟.

 وكيف نجمع بين الحرية والأخلاق؟، وكيف نجمع بين الحرية واحترام القانون والنظام؟، وكيف يمكن الجمع بين حرية الأفراد وقيم المجتمع؟، فالحرية إذن تحتاج إلى ميزان. فهل يكون ميزانها-لنا-هو الأيديولوجية الأطلسية؟، هل حريتنا الإسلامية الملتزمة بالأخلاق الفاضلة التزاماً مطلقاً، كالحرية العلمانية التي تلتزم بها التزاماً نسبيا؟ً.

 

1-4-  بين العلم والإرادة:

 وما يقال عن العقلانية والحرية، يمكن أن يقال عن الذكاء والعلم، فهما إذا كانا بدون إرادة وثابة، أنتجا المبالغة في الحذر العاطفي، المنطلق من الأنانية، والخوف من مخالفة الاتجاه السائد، فأفضي ذلك إلى الخوف من الجديد، ومن فحص عناصر الخمول والتكاسل،التي تحولت إلى مسلمات من الأعراف والقيم، في الثقافة السائدة، تدفع المثقف بل والمفكر، إلى سجايا الشخصية المقهورة.

من سمات الشخصيات المقهورة أن تقدم الاحتراس على المخاطرة، وتفر من الغريب إلى المألوف، وتؤثر الإمعية على الاستقلال، فلا تخطو خطوة إلى الأمام، خوفاً من أن تخطئ في الكلام و العمل وخوفها من الخطأ حرمها من التجريب، وخوفها من التجريب أركسها في مستنقع التقليد.فآلت إلى مجاراة الذوق السائد، فصارت إسفنجية التفكير والتدبير.

ومن سمات التفكير الإسفنجي أن تكون الشخصية زئبقية إمعية، لاتشعر بخصوصيتها، لعل هذا هوميزة الشخصية العربية المعاصرة-إذا قورنت بالشخصية الأمريكية أو الألمانية- التي حملت رواسب التخلف، فذابت خصوصيتها في عمومية عقلية القطيع السائدة.

 هذا النموذج لا يحافظ على قيم ناهضة، فضلا عن أن ينشئها، ولذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم((لاتكن إمعة إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت))، هذه النماذج تقنع بالإبداع الشكلي، أو تتمرد تمردا سلبيا، أو تلجأ إلى الغموض، وهذه الأنماط من الإبداع  أشر من الجهل البسيط.

لأن ذا الأمية الحرفية جاهل بسيطنسبيا،يعترف بجهله، ويسأل ما السبيل؟ أما الأمية المعنوية ،فصاحبها جاهل مركب ،لأنه قد يوظف علمه لتبرير التخلف،فيصبح أشد فتكا بالأمة من المتخلف البسيط،وقد يوظف أرقى مبتكرات العلم ،لتخدم أبشع الممارسات المتخلفة،  وقد يطأ الحقيقة برجليه، ويسعفه العلم السوفسطائي بالحجج، فيصبح قادراً على التلون الحربائي، والتشكل الإسفنجي، ويصبح العلم تبريراً للتخلف وخدمة له، بل استثماراً مربحا له، ويصبح العلم تكديساً رملياً، لا بناءاً هرمياً.

ما علاقة الإبداع بقوة شخصية الأمة؟ أليست قوة الشخصية شرطاً للنجاح في الحياة، لأن المؤهلات العلمية لا تكفي وحدها للنجاح(انظر الشخصية: الأبراشي:8).

التعليم بدون رؤية حضارية ثاقبة واعية بالخصوصية ، محاولة فاشلة،لإعادة إنتاج نموذج ،نجح في ظل شروط حضارية أخرى كالأطلسية ،والإنجاز الحضاري لا يعاد إنتاجه بدون روحه.. عقيدته، ولا يمكن استعارة روحه.

فالتعليم بدون هدف حضاري، وتخطيط مستقبلي لبلوغ هذا الهدف، قد ينتج مهارات تقنية، ولكن هذه المهارات، قد تستخدم استخداماً محدوداً، في مظاهر وهموم محلية قاصرة، وقد تندمج في عقلية التخلف السائدة، أو تهاجر إلى الغرب فتسافر الأدمغة الحية، وتبقي الأدمغة الموات أو المهمشة، كي تدور في عجلة الروتين اليومي، فيتوهم الناس أنهم تقدموا، عبر ترسيخ ثقافة الاستهلاك. وهذا التعليم في النهاية، يزيد التبعية الحضارية.

 

1-5- العبقرية عقيدة و روح لا تستعار:

 كيف اكتشف الهنود سر الذات، واستلوا مشروع النهوض من تراثهم الساكن، وعقيدة الاستسلام الهندوكية الخاملة، لولا نفحة العزيمة فيالنحن، التي أذكاها الانتهاك البريطاني، فتجسدت بـأيديولوجية للتقدم، هل يمكن اعتبار التقدم منفصلاً عن الأيديولوجية؟، أم أنه »مفهوم مشبع بالأيديولوجية«؟(قاموس المصطلحات : سامي ذبيان وآخرون).السؤال تجيب عنه النهضة الهندية.

أي أن التقدم يؤسس علىتركيبة أي عقيدة من المفاهيمالذهنية الفعالة، تدفع  القيم الاجتماعية إلى الانسجام والحراك والروح العملية ، هذه المفاهيم خلطة أو طبخة، تتوازن فيها عناصر واضحة ،وأخرى غامضة، من روح الأمة، ولكن في نجاحها إنماهو في تركيبها لا في مفرداتها، والتركيب يعتمد على التناسب بين العناصر لا التماثل، لأن تركيب الطبخة أو الخلطة، تختلف خصائص مجموعه، عن خصائص مفرداته. أي أنه ليس عملية حسابية رياضية، فيساوي حاصلها العشري مجموع آحادها، بل هو تركيب عضوي معقد.

إذن لا يمكن أن تؤخذ أدوات تقدم أمةكالأمة الأمريكية،  كالعقلانية والحرية والتعليم، وينتج منها أمة متفوقة، في أفريقيا أو آسيا. فتكون هذه الأدوات كيمياء النهوض،فيتم بها تحويل المعدن الخسيس أو الرخيص إلى معدن شريف أونفيس.

هل يمكن استعارة ما أنتج الغرب،من معارف وآلات وتقنيات،بدون نفحة من العبقرية الجمعية تلك العقيدة التي أنجزت هذا الإبداع؟، وهي خليط من عبقرية المفاهيم وعبقرية الإنسان، وعبقرية الزمان والمكان، أم أن»العبقرية لا تعار(كما قال ج.و.دف).إذن الأمة العربية بحاجة إلى البحث عن عبقريتها،ومتى اكتشفتها ،استطاعت امتلاك ما تستعير،فـ " للعبقرية القدرة على أن تستعير،وأن تجعل من العارية ملكا لها" (تاريخ الأدب الروماني: ج.و.دفّ: 1/121).

 أمتنا-إذن- لا يمكن أن تطاول التحدي الحضاري ،إلا بنفحة من العبقرية. فهل عبقريتنا وعقيدتنا الحضارية هي القومية العربية أم الإسلام؟

 الروس  تقدموا ثم اكتشفوا بعد سبعين عاماً من التطور العلمي الهائل، والإبداع التقني الجبار، أن الخلل في أساس النهوض، يذرو كل الإنجازات العلمية والتقنية، في مهب الريح. لأن الشيوعية أيديولوجية تحتقر الإنسان.

لم يجدهم إصرارهم على تنفيذ خطة للتقدم شعارها قول ستالين:»إننا متأخرون ما بين خمسين ومئة سنة،ويجب أن نقطع هذا الشوط خلال عشر سنين، وإن لم نفعل -وإننا سنفعل - قضي علينا«.

في بلد ككوريا أمكن أن يحصل تقدمعمراني، خلال ثلاثين عاماًمنذ1960م -حتى1990م لم تجد كوريا صعوبة، فيتكوير نموذج الحضارة الأطلسية العمراني، في ثقافتها وقيمها، ولكن هل كوريا نموذج يمكن أن يحتذيه العرب؟ أم أنها نجحت، لأنها دولة أو أمة، بدون تاريخ حضاري، أي أنها لقيطة على المستوى الحضاري.

أم أن الحكم على نجاح النموذج الكوري لازال مبكراً، لأن الحكم على التقدم الكوري؛ لا يمكن أن يكون موضوعيا حتى تمر فترة زمنية كافية، فقد يكون التقدم الكوري شكليا فوقيا أواصطناعيا . فقد نكتشف يوماً أن تقدم كوريا، كتقدم تركياكمال، وإيرانالشاه، محاولة تلفيقية فوقية، لإحياء رمم الأجداد، تمثل قفزاً على الهوية الحقيقية للأمة، ولذلك تحطم بالأمس صولجان الشاه، وبدأ اهتزاز تمثال كمال اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                          المقالة الثانية:

مشروع النهضة عربي أم إسلامي ؟

نشرت في الحياة اللندنية يوم الجمعة20/7/ 1420هـ29أكتوبر/1999م

 

   2-1- العروبة عقيدة أم وعاء ثقافي؟

هل الإسلام -حين نتنادى إليه مولدا للنهوض-قادر اليوم، كما كان بالأمس،على مقاومة التحدي الحضاري المقتحم؟

أم أن المناداة بمشروع إسلامي للنهضة العربية، مرفوضة شكلا ومضمونا،وإنما هي طوباوية وغفلة عن الواقع،تجرر إلى اجترار الماضي، فتؤول بنا إلى مزيد من التخلف؟،ولا بد-إذن- من أن نبحث عن مولد آخر للطاقة.

 القومية العربية حاولت أن تستنبط أيديولوجية  للنهضة من اللغة، وهذه تجربة طبيعية في السياق الاجتماعي العربي، بعد أن أولتالعثمانية   الدين، وجيرته في حساب الجور والتخلف، حتى فقد الشيك مصداقيته ، العدلية والتقدمية والأخلاقية ،من كثرة التجيير والتأويل.وما إفراطالكمالية،إلا رد فعل على ذلك التفريط؟.

لكن القومية رد فعل آني، وإن شحنت الناس طيلة عقود، بالروح الحماسية، وأتيح لها ميدان التجريب، في أكثر من قطر عربي والنتيجة معروفة. لأن العروبة ليست أيديولوجية، وليست ثقافة عامة ولا مطلقة. العروبة لغة، واللغة العربية ليست هوية، إنما هي لغة واللغة وعاء ولسان وثقافة نسبية، وليست عقيدة، ذات ثقافة شاملة، فاللغة العربية وعاء للثقافة الإسلامية ، والوعاء  اللغوي يختلف عن  المحتوى  الثقافي.

فما القيم التي يمكن أن يصكها المشروع القومي أيديولوجية للنهوض؟. كيف يمكن تركيب أيديولوجية"  للنهوض منالثقافة العربية”. حتى ولو كان انتقاءاً غير منهجي.

ابن خلدون استقرأ تاريخ العرب القديم،فرأى  ارتباط نهوض العرب بالإسلام،فقال»العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية« (باب1/فصل 27من المقدمة) ولكن تعليله يحتاج إلى مراجعة، فهو يرى »أنهم أكثر الأمم بداوة«، وأن» هذه  الطبيعة [ويعبر عنها تارة بالجبلة]منافية للعمران«.

فهل بداوة العرب في الجينات العضوية،ولا يمكن أن تعالج فيتحضروا إلا باختفاء الجينات المتخلفة، عبر مرور الأجيال؟هذا لايصح إفتراضا ولا احتمالاً، لأن الجينات العربية  ، ولاسيما في الجزيرة العربية ـ كما أثبت التحليل ـ من أنقى الجنيات أم أن إرادة العرب-ولعله مقصد ابن خلدون -  لا تتبلور إلا بمشروع حضاري، يلهب الهمم ، ويرتفع بالنفوس عن الأثرة ، والمطامح الصغيرة؟، فالإسلام-إذن- مولد قاد العرب إلى النجاح.

 لأن العرب مادة خام بشجاعتهم وسماحتهم وكرمهم،ولكن الإسلام ،صهرها في بوتقته،فأعاد تركيب القيم ، وحذف وزاد وعدل، فوهبهم عبقرية الإنجاز، وحول العرب من ظاهرة صوتية تفتخر بفصاحتها، وقيمها البدوية، إلى ظاهرة حضارية تفتخر بجلائل الأعمال.

 فليس هنا ولا هناك حضارة عربيةخالصة بعد الإسلام،بل هنا وهناك الحضارة الإسلامية العربية، لأن  الحضارة العربية اللسان إنجاز إسلامي، و الإسلام صاحب الإنجاز ،هوالذي سوَّد العرب ،على الفرس والقبط، والروم والهنود، و الامتياز العربي ما كان عرقيا سلاليا ،بل كان حضاريا رساليا،ولذلك جاء التنبيه للذين خلطوا بين الأمرين »وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم «.

 

2-2- الإسلام لا يغمط إنجاز الحضارات

  وليس في ذلك تقليل من قدر الإنجاز العربي  القديم؟ فالأسلمة ليست طمسا لما للعرب الأقدمين  أو لغيرهم من إنجاز;في مصر وسورية والعراق،والمغرب،وغيرها،سواء اعتبرت تلك المدنيات عربيةعلى رأي »بير يوسي«أى الآشورية والكنعانية والعمورية، والآرامية والفينيقية والقرطاجية، أو اعتبرت ساميةعلى رأي شولتزر”.على كل حال، فالأسلمة ليست طمسا ولا إلغاء، لتاريخ أي أمة،فضلا عن أن تكون غمطا للإبداع الحضاري ،وهو تراكم إنساني ،لا مكان له ولا زمان ولا دين ولا قومية ولا لغة.

 الإسلام قوي بما يصنع  ويبني،لا بما يهد ويلغي،وهولا يهاب الاعتراف بفضل الآخرين ،ولا الاستفادة منهم ، وحيث إنه قوي أمامها،فإنه يصهر ولا ينصهر، ويستعير ما يوافق روحه،ولا يطمس الخصوصيات والفروق ، إقليمية وعرقية ولغوية، يعترف بالأديان السماوية التي لا تعترف به، ما دامت تؤمن بأن المثل العليا  والأخلاق حقائق مطلقة،(خلافا للقرمطية والشيوعية والعلمانية).

ولذلك استطاع استيعاب الفسيفساء الدينية أينما حل،فصار هوية حضارية عامة للمسلمين وغير المسلمين،لأن رسوله أرسل» رحمة للعالمين« أي ليس رحمة خاصة بالمسلمين،وهو فوق ذلك عقيدة روحية وأخلاقية للمسلمين،وبذلك أقام حضارة ذات نزعة إنسانية عالمية.

 إذن  الإسلام يستطيع أن يستوعب العروبة ويحتويها،ولا تستطيع العروبة احتواءه أو استيعابه،لأنه لا يمكن أن يتهمش دوره، فيصبح رافدا محدودا في نهر العروبة، كما كانت النصرانية رافدا محدودا في الحضارة الأطلسية.

 

2-3-و يجُبُّ ويذيب ما يناقضه  :

 إذن تتخذ العلاقة بين الإسلام والأمم ،التي استضاءت بنوره، طابعا أبعد من ما شاهده ابن خلدون، عن علاقة العرب بالإسلام، هذه العلاقة هي أن الإسلام »يجب ما قبله«،إذا تغلغل في ثقافة  الأمة وقيمها، أعاد تشكيل عناصرها، فما استجاب منها لحقله المغناطيسي اصطفاه، وما حايد استثمره،تاركا مساحة كبيرة للخصوصيات،معتمدا على الأسلوب الإصلاحي الإقناعي في التغيير، وبهذا الأسلوب توسع وانتشر ورسخ.

 لم يدرك قوميو إيران، أن الحضارة الفارسية، التي كانت إحدى الحضارات الكبرى، في التاريخ الأقدم،  لن تعود من جديد، إلا تحت عنوان »الحضارة الإسلامية...الإيرانية«. كما لم يدرك ذلك الطورانيون من أتباع مصطفى كمال، الذين اتخذوه أبا من دون الإسلام.

 فهل ندرك نحن العرب، أننا سنستمر في رحلة تمزيق الذات، مهما ملكنا من أدوات، من حرية وعقلانية وتعليم، ومن مال ومن سلاح، بل أننا بهذه الأدوات سنكرس روح الشقاق؟، أم ندرك علاقة الوحدة بالتوحيد،وندرك معنى » لو أنفقت ما في الأرض ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله« (بالإسلام) »ألف بينهم«.

الإسلام إذن روح حين تسكن أي مجتمع، لا يمكن تهميشها. والذين لا يؤمنون بالإسلام على أنه عقيدة صحيحة، ألا ينبغي لهم أن يؤمنوا به على أنه أيديولوجية صالحة أساساً للنهوض، مهما كانت عقائدهم،إذا كانوا ذوي فكر عملي إصلاحي. 

فإن لم يقتنعوا بهذا ولا بذاك، ألا يلمسون تجذر الإسلام، في المجتمعات العربية، فيومنوا به على أنه سلطان اجتماعي.لا يمكن القفز فوقه.

كيف تخفى الحقائق ،على نخب