البــدايه

 

Text Box: حقوق المتهم 
بين نورالإسلام وغبش الفقهاء والحكام  
 
 

 

 

 

 

 


 

 

بقلم د.أبو بلال عبد الله الحامد

الأستاذ السابق في جامعة الإمام بالرياض

 

23/3/1427هـ(21/4/2006م)

23/3/1427هـ(21/4/2006م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

[1]

 

فاتحة

 

"إن الله لا يـقـدس أمــــة

لا ينال الضعيف فيها حقه

إلا وهــــــو متــعتـــــــــــع"

 

    حديث نبوي صحيح

 

 

 

[2]

  1-المطالبة بحقوق الإنسان هي بوابة الإصلاح/ الباعث على تأليف الكتاب :

أ-تجربة لجنة حقوق الإنسان في السعودية عام 1413هـ(1992).

       الحمد لله الذي حرم الظلم على نفسه وجعله على عباده محرماً، والصلاة والسلام على أنبيائه المرسلين عامة، ومحمد بن عبد الله خاصة، الذين بعثهم الله ليقيموا القسط والميزان بين العالمين، وعلى التابعين الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.

      أما بعد فقد أتاح الله لي بفضله وكرمه؛فرصة المشاركة في الاحتساب السياسي والحقوقي،مع كوكبة مجاهدة كريمة، من الفقهاء وأساتذة الجامعة والمفكرين والمثقفين، لعل من أبرز إنتاج هذه الكوكبة إنشاء لجنة (حقوق الإنسان الشرعية) سنة 1413هـ(1993م)،التى ضم حوضها أكثر من خمسين محتسبا، وإن كان بيانها مقتصرا على ستة أشخاص،كنت سادسهم.

 وكان مصطلح حقوق الإنسان كلمة غير دارجة في الشارع، وكان عدد من الناس غير قليل، يتصور أنها علمنة، ولم يسبق هذا العمل تعريف ثقافي، يبين للناس أنها من وسائل إحياء سنن العدل، من ما سهل على الدولة سجننا وفصلنا من أعمالنا. وحظرت الدولة اللجنة، وأفتى الفقهاء الرسميون (هيئة كبار العلماء) بأنها غير مشروعة، وسجن أكثر من عشرين داعية من دعاة حقوق الإنسان على إثرها،بعضهم كالدكتور حمد الصليفيح رحمنا الله وإياه، وكالشيخ سليمان الرشودي، مكث في السجن، من دون محاكمة قرابة خمس سنوات.

 وجلست أتأمل بعد الخروج من السجن، فوجدت أن مشروع الإصلاح السياسي والحقوقي لا ينجح من دون تأصيل فقهي، لأن أدبياتنا الشائعة، لم تنشئ ثقافة حقوقية كافية، وأن الفقهاء والقضاة، قبل الحكام والولاة، لا يعرفون ما أقره الإسلام أو قرره من حقوق للإنسان، وأن الإصلاح يبدأ بتأصيل خطاب فكري، من أجل أن يكون الإصلاحيون قادرين على شرح تفاصيل مفردات ما يدعون إليه، وأنه لا بد أن يكون التأصيل بأدوات الفقه وعلومه، لكي لا يصبح الخطاب عاطفيا أو وعظيا، لا متانة له ولا جذور.

وكان باكورة إنتاجي- قبل إعلان اللجنة-- كتاب حقوق الإنسان في ظلال الحكم الشوري ( نشر في لندن 1415هـ ).

  فكتبت (الكلمة أقوى من الرصاصة) 1412هـ، (نشر في بيروت سنة1425هـ(2004م)، مشاركة في تأصيل ونشر القاعدة الشرعية: قيام الأمة بحراسة استقلال القضاء ونواب الأمة؛أهل الحل والعقد(عرفاء الأمة)، ورعاية الإصلاح السلمي، عبر التجمع المدني.

 وكان هذا الكتاب ثالث كتبي في هذا المجال، بعد كتابي (الكلمة أقوى من الرصاصة) و(حقوق الإنسان). اللذين بدأت بهما المشاركة في بناء خطاب فقهي لمنظومة الإصلاح السياسي المؤسسي.كتب الكتاب سنة1414هـ(1994م)،

  ولم يتح القمع والتخوف فرصة لراجعة هذا الكتاب فضلا عن نشره ، حتى أعان الله في التغلب عليهما، عندما دخلت السجن مرة رابعة،مشاركا نخبة من المهتمين بالإصلاح السياسي، من الفقهاء والمفكرين وأساتذة الجامعة والمثقفين، مطالين بالنظام الدستوري ، باعتباره الاطار الذي يجسد المفهوم الشورى للحكم في الإسلام، ولا يمكن-من دونه- في الدولة الحديثة، أن يلتزم الحاكم  بشرط البيعة على كتاب الله وسنة نبيه r في الاسلام:العدل والشورى، فاستعنت به وأنا أكتب مرافعتي أمام القضاء 17/7/1425هـ (1/9/2004م)، وهاهو مرفقا ضمن ملاحق دفاعي تهم المدعي العام.

[3]

ب-معا من أجل ثقب قماقمنا:

        من أجل ذلك كانت فكرة هذا الكتيب، الذي حاولت فيه أن أجلو حقوق المتهم عامة والمتهم السياسي خاصة في الإسلام. باعتبار جلاء  ذلك من الأولويات، التي ينبغي للدعاة إلى الله البدء بها، والتنظير لها، والترويج لأفكارها،  PAGE 4 DATE \@ "M/d/yyyy" 3/13/2008 دون أن  يملوا، حتى تستوي الأفكار، من خلال كثرة الكتابة والمناقشة والمحاورة، والمبادرة والمحاولة، والتجربة النظرية في الكتابة، والممارسة والمدارسة.

       وهذا إذن نصيحة للولاة وللقضاة، نصيحة للرأي العام لكي يعرف الناس حقوقهم فلا يقفوا أُولي التقصير من الفقهاء، وأولي القصور من الأمراء، كما فقد حذرنا الله من ذلك "يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل" ولعله يجد آذانا تسمع، وعقولاً تناقش، فإذا رأت الحق صارت إليه.

    ولكي أسهم مع أغيار أحرار يحاولون جلاء ما علق بالعقيدة والشريعة من غبار الاستبداد والصحراء، عسى أن ينجلي النور للذين يقدمون الإسلام على أنه وأد لحقوق الإنسان وتعذيب للمتهم وإهانة للمرأة، ووأد لحرية الرأي والفكر، وأن للإسلام مفهوما راقيا، إذا رجعنا للأصول الإسلامية المحكمة في القرآن والسنة والتطبيقات النبوية والراشدية، والتحمنا بمقاصد التشريع وروح الشريعة، وتجاوزنا تجارب وآراء الفقهاء العباسيين، التي أنتجتها سلبيات عصور التأخر والضعف والغفلة عن لباب الدين وإن لا فإن لناس في هذا العصر لن يقبلوا أن يتحرروا من رق جور حجاج سنده خصوصية القبيلة، إلى جبر خارجي سنده تأويل الشريعة يقدم القمع والجور أنه دين لا يأتيه الباطل. ولا يمكن معارضة دعاته.

[4]

ج-لكي لانترك فقه الشريعة وقفا على منهج الفقهاء الذين لم يثمنوا العدل:

      وقد يقول قائل لم شغلت نفسك بهذا الموضوع ،ولست من ألصق الناس تخصصا في هذا الموضوع. وعذري أن اهتمام المتخصصين بهذا الجانب، في تيار الإصلاح المدني المملكة العربية السعودية، أقل من ما ينبغي، ولاسيما أهل التخصص في الفقه والدراسات الشرعية.

 وليس من الدين ولا من المروءة، أن يظل المثقف مهما كان تخصصه منكفئا على تخصصه الأدبي أو اللغوي أو الطبي أو الزراعي أو الصناعي أو الإداري، تاركا المشاركة في الشأن العام ، فمجالات النهضة وأسسها، ليست حكراً على التخصص الأكاديمي، فإن للفقيه وللطبيب أن يكتب في الأدب ولأهل الأدب أن يكتبوا في التربية والدين، "فأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"

      سألت نفسي: ما جدوى أن يدخل إنسان السجن في قضية حقوق الإنسان ثلاث مرات، أو خمس سنوات كعديد من أهل الرأي والتعبير إذا لم يؤثروا في الناس؟. وكيف يؤثرون وحقوق الإنسان عامة والمتهم خاصة، لازالت تكراراً لأفكار وآليات في صياغتها العباسية، يعيد إنتاجها الفقهاء العباسيون الجدد اليوم؟

من أجل ذلك ينبغي أن نتذكر أن الفقه الذي كتب في ظلال الحكم الجبري الجائر، لا تعبيراً صافيا، عن الوحي والحكم الشوري، هل ينبغي لي أن أتحرى منطق الفقيه لا أسلوب الأديب؟ وقد أقارب لغة الأديب، أما منطق الفقيه، فيحتاج إلى أن اجلس تلميذا أقرأ في كتب أصول الفقه والمقاصد والفقه عامة والفقه السياسي خاصة وأعرض ما أكتب على الفقهاء الأصوليين والقضاة وعلماء الحديث والمفسرين، وهذا ما عنيت به قدر الاستطاعة وقد وجدت من زملائي دعاة الإصلاح عونا كبيراً.

    أرجو أن يكون في نشرة فائدة إما بتذكير ناسٍ، أو غافلٍ، أو إفادة إنسان علم في جوانب عديدة، ولكنه لم يعلم بعض جوانب هذا المجال أو إيضاح أمر خفي على العابر، أو تفصيل أمور ندت عن الخاطر، أو المشاركة في بناء قواعد هذا الجانب، أو الإجابة عن أسئلة حائرة، فإن لم يكن  ما كتبته صوابا، فحسبه أن يسهم في تكوين أسئلة تثير الأذهان، أو إثارة قضايا تضيف إلى النهر قطرة. وحسبه ذلك إن وصل إليه:

علينا بأن نسعى إلى الخير جهدنا       وليس علينا أن تتم المقاصد

 وبالعلاقة الإيجابية بين المتكلم والمخاطب، والعلاقة الإيجابية بين السائل والمجيب ينحو الناس إلى طريق أفضل.

ومن المناقشة ينبثق نور الحكمة، التي هي ضالة المؤمن أن وجدها، عند متخصص أو طالب علم أو مثقف عادي، أو قاري أو عامي مهتم، فهو أحق بها، وبالله التوفيق .

 

 

ابو بلال عبدالله الحامد

الرياض 29 رمضان 1425هـ

11/ 11 / 2004م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[5]

2- الجهاد المدني في سبيل حرية الأمة
 مفتاح تقدم الإسلام

أ-أزمة حضارية لا تربوية فحسب:

      الأزمة التي تمر بها أمتنا الإسلامية، أزمة لا يصح تهوينها ولا التقليل من خطرها على الأجيال الحاضرة والقادمة. وإذا سعي الخيرون للإصلاح والتطوير، فإن خير الإصلاح ما كان دواء يناسب الداء، وإن لا فإن العلاج يظل في حقل التجاريب والمحاولات التي لا نسبة جدوها مع نسبة تكاليفها.  ولذلك ينبغي للساعين إلى الإصلاح، قبل العمل أن يحددوا نوع الداء، ليحددوا نوع الدواء.

    وأزمة الأمة الإسلامية أزمة حضارية، كما شرحها وحددتها دعاة الإصلاح من أمثال محمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا وأبي الحسن الندوي والمورودي، وقد شرحها شكيب أرسلان في كتاب عن أسباب تأخر الأمة الإسلامية، وقد حاولت أن أجمع هذه الأسباب في كتيب بعنوان ((من قص جناحي الإسلام؟)).

     ومن هذه الأسباب روح التواكل والخمول وفساد منهاج التربية الاجتماعية، وتحريف الدين، وركود مناهج تعليمه.

     ولكن هذا التعميم، يحتاج إلى تخصص وعند التخصيص نقول هي أزمة الحرية السياسية والاستعباد أساس هذه الأسباب كلها، في تقدير عدد من المصلحين أن الإنسان المسلم فقد الحرية، التي يستطيع من خلالها أن يكون عبداً لله مكرماً، ففقد العدل الذي يستطيع من خلاله أن يقيم النهضة في الديار الإسلامية. وعندما فقد هذين الأمرين أنهار كل شيء، فضعف المسلمون من الداخل، حتى ألجأهم الغزو الأجنبي لمزيد من الانحدار.

      ولذلك فإن الإصلاح ينبغي أن يبدأ بقضية (الحرية المسئولة ولاسميا السياسية)، فالإنسان إذا مارس الحرية سلوكا شرعيا إسلاميا، حصل على خيري الدنيا والآخرة، ولم تستعبده شياطين الأنس ولا شياطين الجن.

     ولا يعني ذلك اعتبار التطور المادي، وما فيه من مواصلات وزراعة وصناعة وتجارة هباء منثوراً، ولكن يعني أنه قليل الجدوى، إذا لم يتجدد عقل الإنسان المسلم وسلوكه، فالإنسان هو رأس المال الحقيقي، والعقل لا يتجدد ولا يتفتح إلا في جو الشورى والعدالة الاجتماعية، لينمو كما أراد الله متحرراً من أغلال التقاليد التي تضمر الإبداع وتقتل الابتكار، والتغيير في الأمم لا يتم إلا عبر تغيير النفوس وتحريرها من قيم التخلف، لأن الصعود إلى القمر! نتاج نهضة تقنية مادية، ولكن هذه النهضة لم تحدث إلا بعد نهضة العقل والفكر، وصياغة الحقوق العامة، وتطبيع العلاقة بين السلطة والمجتمع.

[6]

ب-لماذا لم تكن محصول المصلحين الحدثاء موازيا الجهد المبذول؟:  

      القهر والفقر سرطان كل الشعوب، والعدل والكرامة (الحرية) ترياق كل الشعوب، هذه بديهية في علم الاجتماع السياسي، وهي خلاصة تاريخ الحضارات والثورات، ومن أجل أن تكون لقضية الحرية والعدل  أولية ينبغي أن تسبق القضايا الأخرى لأن هذا هو  الأساس، ينبغي أن تنادي بالإصلاح السياسي المؤسسي، الذي هو إطار الحكم الشوري العادل.

      فالإسلام عندما جاء قبل أربعة عشر قرنا، وهدى الناس، وناداهم إلى العقل وترك التقليد وترك هوى الأباء والأجداد. إنما امتد تأسس في الصحراء العربية، والله أعلم حيث يجعل رسالته، لأنه دخل قلوب أحرار طلقاء، هل كان سيمتد لو نادى قوماً سلبتهم التقاليد قيم الحرية والأنفة والعزة والمساواة، التي تنبت قيم التفكير والعقل والتأمل؟ إلا بمعجزة تخرق سنن الله الاجتماعية المطردة

     لقد كان الجاهليون بدون حكومة مركزية، لكنهم كانوا  أحراراً فلما سمعوا الحق آمنوا، وإذا اقتنعوا بشيء فعلوه، ومن هنا كانوا معدين في هذه الصحراء لتلقي الإسلام. ومن أجل ذلك فإن المسلم المعاصر اليوم لن يتبنى الإسلام عن وعي إلا إذا استعاد حريته، و إلا فإنه سيظل خاضعا للإيحاء والضغوط والاستثمار المحلي والأجنبي. وهذا ما أشار إليه الإمام محمد عبده، من أن المسلمين المعاصرين أصعب انقياداً للحق من الجاهليين.

     ومن أجل ذلك ضاعت جهود إصلاح كثيرة وكبيرة، ولم تحقق الجدوى المتناسبة مع كبرها وكثرتها وعظمتها، عبر التاريخ الإسلامي القديم والحديث، رغم جسامة التضحيات، لقد بذر المصلحون البذور ولكن نسبة النجاح لم تواز نسبة الجهود، هل معنى ذلك أن الخلل في التربة، التي كثرت فيها السباخ والقيعان التي لا تنبت، رغم كثرة البذور؟ أم إن الحقل يحتاج إلى بذور أكثر مناسبة. مع أن البيئة الجاهلية، حين بذرت فيها بذور الدين، أنتجت أشجار يسر العيش والكرامة، لأن الجاهليين كانوا أحراراً، إذا عرض عليهم الحق اقتنعوا، وإذا اقتنعوا عملوا، أما المسلمون اليوم فقد سلبتهم التقاليد السائدة قيمة الحرية، ولذلك لا عجب أن يقل اقتناعهم، وأن لا يعملوا إذا اقتنعوا، وأن يقنعوا من الإسلام بالصلاة والزكاة والصوم والحج، وينغمسوا بعد ذلك في تقاليدهم، وأن يستطيع أي ناعق أن يكيفهم كما يكيف الطين والعجين.

       وكل الناس يحتاجون الحرية، ليعيشوا عباداً لله اختيارا، كما أنهم عباد له اضطراراً، كما أشار الشاطبي، وحتى المصلحون إذا نجحوا، دون قيم الحرية، لا يستطيعون البناء، ومأساة المجاهدين الأفغان مثل، شجاعة من دون مشروع سياسي دستوري إذن أين الإسلام؟ الإسلام والدكتاتور (الحجاج) نقيضان لا يجتمعان .

       ولذلك لابد للإسلاميين –قبل غيرهم- من أن يعوا أن بوابة الدعوة إلى الله اليوم هي الدعوة إلى المجتمع المدني قيماً ونظماً وأهم القيم قضية الحرية والعدل والتعايش والتعددية والتسامح والمواطنة، والالتزام بحل أي خلاف عبر الصراع الرمزي السلمي، وأن يصبح هذا الوعي سلوكا فيهم، فإذا مارسوه، استطاعوا أن يحسنوا الدعوة إلى شعائر الإسلام الأخرى، فهذا مدخل له الأولوية.

[7]

ج-الفقهاء والوعاظ الذين لم بقدروا العدل والحرية حرفوا الشريعة:

      ومن الملاحظ أن عديداً من الإسلاميين لم يعطوا قضايا المجتمع المدني كالحرية والحوار والتسامح والعدل حقها في التنظير والتأصيل، واتجه كثير منهم إلى المطالبة بالشريعة الإسلامية، فواجهوا إخفاقا وإعراضاً، رغم جسامة التضحيات، لأنهم نظروا إلى أعراض المرض، على الأشجار والحقل، وظنوا المشكلة في البذور والجذور والأوراق، إنما وجاءوا بالأدوية والمطهرات التي تقتل الحشرات والآفات التي تصيب سوق الأشجار وأوراقها وثمارها، وحاولوا أن يكثروا من هرمونات التجذير.

      ولكن الجذور، لا تنمو في تربة تحتاج إلى استصلاح فلنبدأ إذن بقيم المجتمع المدني، وأولها الحرية المشروعة، ولنجاهد القمع والحكم الجائر العضوض، فذلك هو الأساس الذي ليس قبله أساس.

     ا لأستاذ الذي يريد أن يخرج طلابا نابهين، يبدأ بهم بالتربية الحرة ، حين يناقشون ويفكرون، ويطبقون ما يقنعون به ويتعودون على فضائل المناقشة والمحاورة والتسامح عند الاختلاف هذا هو التفكير والتأمل والإبداع والابتكار، كما أشار الشيخ الندوي (نحو تربية إسلامية حرة) فإذا أحس أنهم حذقوا هذه المهارات، عرض عليهم آراءه في المادة التي يدرسها فناقشهم وناقشوه عند ذلك انتفعوا فنفعوا. ومن دون هذا الأساس، لا ينفع علم ولا تجدي تربية.

       ومن هذا المنطلق ينبغي أن نبدأ بقضية الحرية المشروعة، وهذا بداهة بضوابطها الشرعية، لأن لكل حضارة قيمها المضبوطة بضوابطها، فكما أن قيم الحضارة الغربية مصبوغة بصبغتها كقيم العدل والمساواة والديمقراطية والحرية ، فإن قيم الحضارة الإسلامية مصبوغة بصبغتها كالقيم العدل والمساواة والديمقراطية والحرية فالصبغة إنما هي في أمور ثانوية في الغالب لأن القيم الإنسانية قيم راسخة في كل ملة وأمة , كما بين الشاطبي في الموافقات , لأنها من ما أوحاه الله إلى البشر من خلال الطبائع وأكده على لسان الرسل في ما بينوا للناس في الشرائع .

       وينبغي للكتاب من الفقهاء والعلماء والمفكرين والمثقفين، مواصلة السير على هذا الطريق حتى ينجلي الظلام عن نور الشريعة، للذين يظنون الحضارة الغربية معادلاً للنور والتقدم والحرية، يظنون الإسلام (ولاسيما السلفية) معادلاً للظلام والتأخر والعبودية حتى يروا الحقيقة الناصعة؛ أن الإسلام قرر مبادي العدالة والمساواة والحرية وكرامة الإنسان. إذا عرفوا ذلك تبين لهم أن اعتماد المرجعية الإسلامية، في علاج قضايا العالم المعاصر، لا تستفز أحداً، ولا تعني العودة  إلى الوراء، بل تعيد إلى الشخصية المسلمة توازنها النفسي وتحميها من حمى الانبهار والاستغراب، وحمى الانعزال والتطرف، وتسمح لكل التيارات، التي تجتهد ضمن أصول الدين القطعية، بالتفاعل والتناقش والتعايش.

[8]

3- والمطالبة بحقوق الإنسان والمتهم
 هي بوابة الإصلاح  الإسلامي

أ-علاقة صلاح الحاكم برسوخ أعراف التكتل المدني:

     ثم إن الداعية إلى الإسلام، لابد له من أن يدرك أن أزمة الحاكم هي، هي أزمة المجتمع، لأن الحاكم هو إنتاج  الأمة فإن رشدت رشد، وإن ضاعت ضاع. أقصى ما يقال عنه إنه استثمر ضعف الأمة فقوي، وخنوعها فبطش وضعف دينها فغوى، كما قال تعالى عن فرعون "فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين".

    وعليه فإن مطالبة الحاكم بالإصلاح، قبل صلاح الأمة نفسها نظرة سطحية إلى أعلى البرج، فالبرج بني على أساس، ومن  أراد إصلاح أعلى البرج، فلابد أن يدرك أن الخلل كان من أساسه.

      ولذلك يبدو أن الأزمة هي أزمة في (أفكار) و (مفاهيم) التربية الاجتماعية والتعليم قبل، أن تكون في (البرامج) و (لمناهج) وعدد المدارس والمعاهد. هل يدرك المصلحون من الفقهاء والمفكرين والعلماء والمثقفين الداء ؟ لكي يدركوا الدواء، وهل يقومون بواجبهم، أم يظلون جزءاً من  الأزمة ؟

      ولذلك فإن الأسلوب الأمثل هو أن يقوم أهل التربية الاجتماعية والتعليم  بتبني قضيتي الحرية والعدل،وإدراك أن وسيلة الوصول إليهما هو التكتل المدني السلمي، ورفض الاجتهادات التي دعمت الحكم الجبري الجائر.

      وتوعية من حولهم من حكام ومجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة، وأصل الحكمة والموعظة الحسنة أمران: الأول: القول السديد. الثاني تجمع الناس تجمعا سلميا كالسدود أمام طوفان المياه، ومصاد الرياح أمام العوصف.

دون مغامرات أو مخاطرات فوضوية تسيء إلى الإصلاح، أو تشوه أهدافه ووسائله، وتستعدي الحاكمين الذين قد يظنون أن أهدافهم هي القفز إلى السلطة، وأن أهدافهم شخصية، أو أنهم يقفزون فوق التضاريس الاجتماعية من دون مراعاة للتدريج. أو وتستعدي التيارات التي لا تريد الإسلام ،لأن الفقهاء لم يبينوا للناس ما فيه من قيم راقية في العدل والشورى والحرية والمساواة.

أو تستعدي القطاعات غير الملتزمة بالدين، التي تظن الدعوة إلى الإسلام، تآلفا مع الاستبداد ، وإغلاقاً للبنوك الربوية من دون تدرج ولا بدائل ووأدا النساء، في تقاليد متخلفة، لا أساس لها من الإسلام .

 

[9]

ب-الاستبداد مصدر كل فساد والشورى منبع كل صلاح:

  ولن ينهض السلوك إلا إذا نهض العقل والفكر والعلم، ولا يكون ذلك إلا في جو الحرية المسئولة. ومن أجل ذلك فإن البدء بالأسس هو خيارنا الوحيد، في هذا العالم المضطرب.

    ومن أجل ذلك تكتسب الدعوة إلى تأصيل قيم الحرية السياسية والعدالة في مجتمعاتنا الإسلامية أولوية على جميع مشاريع التحديث والنهضة والدعوة والصحوة.

   لاسيما أن قيم العدل والشورى وحرية التعبير والتجمع المسئولة، هي قيم إنسانية مشتركة، بين جميع الاديان والأوطان والحضارات، وإنما الفروق في التفاصيل والقيود والأطر. وقد أصبحت مجال مزايدة عالمية وغربية، ولذلك لا يجوز أن يقصر دعاة الإسلامية فيها، ولا بد لهم استخراج قواعد أو نظريات في حرية التعبير والتفكير، وقواعد ونظريات في العدل الاجتماعي، منطلقة من مرجعية إسلامية.

    لأن الداعية إلى النهضة، والداعية إلى تطبيق الإسلام، والداعية إلى الحل الإسلامي، لن يكون لكلامه صدقية محلية ولا عربية ولا إسلامية ولا عالمية، إلا إذا قدم نظريات متماسكة، تبين أن الإسلام قدم فكراً عمليا راقيا، لتحرير الإنسان ولإقامة الميزان، لا تتعارض مع الفطرة والطبيعة، ولا مع التقدم والتحديث، وبذلك يقدم الإسلام تقديماً شاملاً، مع التركيز على الأسئلة الملحة.

    ولا يكون ذلك إلا بتأصيل أصولي عقيدي، وآخر فقهي، يلتزم الوحي وظلال الحكم الشوري النبوي الراشدي، ويبني على هذا ما يناسق مع من الاجتهادات التي تمت في ظلال الحكم الجبري، ولا يسع المجال للإضافة، التي قاربتها في كتيبت (العدل والحرية:جناحان حلق بهما الإسلام) .

 ينبغي لنا أن نقدم الإسلام على أنه حضارة وقيم عالمية تقدم للعالم كله، فوق أنه دين عبادة للمسلمين. كيف نقدم الإسلام للعالم ونحن لا نعرف من الإسلام إلا الجانب الروحي من صلاة وصيام ودعاء، ونحن نقتصر على عمود شق العقيدة الروحي الصلاة، ونهمل عمود شقها المدني (الحكم  الشوري) مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرنا بأن فقدان الحكم الشوري العادل، يؤدي إلى فقدان الصلاة كما قال(أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة) من هذا الحديث نستنبط تقسيم العقيدة إلى جانب روحي وجانب مدني، وإلى أن الصلاة عمود العقيدة الروحي ، وأن الحكم الراشد عمود العقيدة المدني، وأنهما مترابطان العمودين يحملان الجسد ، كالساقين في ايقاعهما، وأن إهمال المدني، يؤدي إل