البدايه

 

 

 

                      -5-

عن الخطاب الديني القابع

في المساجد والجوامع

 

 

         1/3/1423هـ

          

                     مقالات

 

 

                أبو بلال عبد الله الحامد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أزمة المثقف الديني  الأولى

مع ثقافته أم مع مجتمعه?

 

1-فيه قولان:

 

كثير من علماء وفقهاء ومثقفي الدين , قدموا الإسلام على أنه بيان ضد الحياة المدنية، كحقوق الإنسان والمجتمع المدني، نموذج ذلك قانون قمع أهل البدع عند الفقهاء القدامى بالأمس،وموقفهم اليوم من كثير من القضايا، فقد رفض علماء الدين -في البدء- تعليم المرأة, ورفضوا عملها جملة وتفصيلا. وقدموا الإسلام أيضا ضد الإبداع المادي التقني، فاعتبروا التصوير الفتقرافي والتعليمي كاليدوي الوثني, ورفضوا المذياع والتلفاز, ورفضوا الفديو وآلات التسجيل والأفلام. وقدموه أيضا ضد المعرفة العملية والعقلانية الاجتماعية، فرفضوا الصحف والمجلات, ورفضوا تدريس العلوم التطبيقية والبحتة.

 أما الحداثة السياسية فحدث عن محيط واق الواق ولاحرج، فقد ظلوا يكرسون لولي الأمر سلطة مطلقة حتى في تعيين إمام مسجد صغير في قرية نائية، وظل مفهوم ولي الأمر؛ كمفهوم الوصي على السفيه واليتيم، ولم يدركوا أن الإسلام قرر أن الأمة هي ولية أمر نفسها، وأن الحاكم إنما هو وكيل عنها، وعلى الحاكم أن يراعي مصلحة موكله، فالحاكم في الحقيقة ولي لها لاعليها.

ويمضي الناس في حركتهم، داخلين في مهرجان الحضارة الغربية أفواجاً,ثم يأتي الخطاب الديني  في آخر القافلة, لا ينتبه إلى إيجابيات التقنية والتحديث, إلا بعد أن يقتنع العامة بجدواها,ولا يدرك خطرها إلا بعد أن يتجاوز الألم الجلد إلى العظم, وهذه الصورة تظهر في أغلب البلدان الإسلامية, والتميز المحلي إنما هو في تفاصيلها وأعراضها,لا في جوهرها.

    يبدأ الفقهاء في الغالب برفض الجديد ولو كان ماديا صرفا، ولعل الانترنيت هو الوحيد الذي لم تكثر فتاوى تحريمه، ثم يبدأ الفقهاء يقدمون مبررات قبول هذه الأشياء للناس آحادا, ويقبلون اليوم ما كانوا بالأمس يرفضون, فهل وجدوا الفائدة والنفع اليوم, في ما كانوا يعتبرونه ضرراً وفساداً بالأمس, فتصبح القضية مسألة علم بالواقع بعد جهل?

أم أن سبب ذلك أن الصدمة الحضارية, جبهت المثقف بتحديات لم يدر كيف يدافعها، وبمعطيات لم يحسن استثمارها،لأنه لم يجد في الصياغة العباسية للفكر الديني أجوبة جاهزة، لأسئلتها اللاهبة، فآثر الاختباء والانكفاء, ثم انكسر الباب,ودخل الناس إلى مهرجان الحداثة أفواجا، فلجأ إلى فقه الضرورة? أم أن القضية هي هذا وذاك معا?.

لعل الأحرى أن أكثر المواقف؛ إنماهي نتاج بلبلة ثقافية، أي أنها من نتاج الذهن الاسفنجي الذي قال فيه الشاعر:

  لو قيل كم خمس وخمس لا غتدى×

                                 يوما وليلته يعد ويحسب

فيها خلاف ظاهر ومذاهب×

                                 لكن مذهبنا أصح وأصوب

 خمس وخمس ستة أو سبعة× قولان قالهما الخليل وثعلب

 

وهذا يدل أن أزمة  فهم الدين أزمة منهجية, أدت إلى غبش في تطبيق الحكم الشرعي, على النوازل والوقائع.

 

2-أجل تراثنا الديني ضد التقدم

والقضية تثيرسؤالا مفتوحا :

هل الدين ضد التقدم?, الجواب بالإيجاب،إذا كنا سنحدد مفهوم الدين، بالصياغة العباسية للفكر الديني، أي بتلك الشروح والمختصرات، التي شاعت في مدارسنا الدينية، أي ثقافة ما بعد الراشدين, الفرعية الكديرة التي اختلط فيها الحابل بالنابل, والنشيط بالخامل?، وحبست الإسلام في مربع الصحراوية والكسروية، والصوفية والأرسطية، فغابت ملامحه الأصيلة، في كثيب رملي من التراكمات والشروح، التي تكدست خلال أكثرمن ألف عام، فظهرت صورته مهلهلة مترهلة صبيحة غزوة نابليون.

 

 

3- أزمة في (الأسلوب) التربوي أم في (المضمون)؟

الأزمة كامنة في الفكر الديني نفسه, منذ نهاية عهد الأسوة النموذجية, عهد النبي صلى الله عليه وسلم والراشدين, منذ زمن بعيد,عندما صيغ الفكر الإسلامي في أجواء الاختلال والاختلاف، ولكن لم يظهر أثرها في القديم, ولا سيما في العهد الأموي, وصدر العهد العباسي, لأن الثقافة القرآنية أشعلت المولد، بفكر صعود ونهوض فدارت آلاته من قوة ذلك الشحن، قرونا عديدة، فالعصر الذهبي العباسي إنماهو ثمرة ذلك الإشعال، وليس هو المشعل.

 ولذلك بدأ فكر الاسترخاء المترف في القمة, عندما كانت الدولة الاسلامية أقوى الدول, حيث غفل العلماء عن الفكر العملي، ثم بان الخلل واتسع حين شاخت الحضارة.

 ولم تكن أمام المسلمين حضارات تتحداهم, فكانوا سادة العالم, طيلة العصور, حتى قبيل سقوط الدولة العثمانية،ولكنهم ظلوا بعد عهد الراشدين؛ يبتعدون شيئا فشيئاعن نموذج خير أمة أخرجت للناس, حتى نهاية القرون الثلاثة المفضلة(العصر الذهبي) , عندما أكملت الدولة ابتلاع المجتمع المدني، وتلاشى التواصي بالمعروف والتناهي عن المنكرات، ولاسيما في الحقل  المدني الاجتماعي معاً, ولم يدركوا فظاعة تهميش القيم المدنية ولا سيما قيم المجتمع المدني، على متن أركان الدين .

 وقد أدت هذه إلى ماعاناه المسلمون من ضعف البناء الاجتماعي, وكثرة الخلافات والشقاق, وقلة التعاون والتلاحم, والركود والخمول, فآل بهم ذلك إلى السقوط الحضاري.ولكن الأزمة ازدادت حدة, عندما جاءت الحضارة الغربية, بجبروتها العلمي والتقني,وهو أشد أثرا من العسكري, فأصابت الفكر الديني الإسلامي بصدمة كبرى.

 

 4-شروط تجديد الفكر:

         ولا سبيل إلى إنشاء فكر البناء والتصدي؛ إلا باستعادة التوازن النفسي والفكري, المنبثق من فهم (الصريح) من الشريعة و(الصحيح) من نظريات علوم الإنسان والطبيعة, من أجل بناء تأسيس معرفي يبدأ بإنضاج أصول فقه الدين, لأن أصول الفقه القديم, لم يبن على إدراك كاف لعلاقة القيم المدنية والحضارة بالدين. فالمسألة أبعد وأعمق من صك خطاب تربوي أو اجتماعي وعظي ترويجي  جديد.

في الصياغة العباسية للفكر الديني خرجت القيم المدنية من الدين، وإذا لم تعد القيم المدنية إلى حضن الإسلام، فلن يكون الإسلام مشروعا للتقدم في الدنيا والآخرة معا.

 فمن لم يدرك فروض القيم المدنية والعدالة الاجتماعية في الدين  فلا فقه له ولو حفظ المتون كلها, لأنه لن يدرك الثابت والمتغير, ولا الخافي والمتبين, ولن يدرك التشريعة إلا من كان عارفا بالأمور الجوهرية, في السياسة والاقتصاد, وفي النفس والتربية والاجتماع, وفي الكون والحياة, هذه الخلفية المعرفية والمنهجية صارت ضرورية, لكل من أراد أن يفسر القرآن أو الحديث, أو يستنبط أحكاماً أو أفكاراً, مجال الاجتماع والسياسة أو العمران والتقنية.

كم مكسب للأمة لو أن المثقف الديني بذل من الجهد فكرا وعملا، في فرائض المجتمع المدني، قدر مابذل في نوافل قيام الليل والوتر والرواتب والسواك وآداب الأكل؟.

 كم مكسب للأمة لو أن المثقف الديني، بذل في الدفاع عن العدالة الاجتماعية، بمقدار ما بذل للأمر بإعفاء اللحى وتقصير الثياب وقص الأظافر.

كم مكسب للأمة لو أن المثقف المذهبي بذل في عالم الشهادة القطعي الأساسي، قدرما بذل من اجتهادات ظنية وثانوية في عالم الغيب، جعلها مسطرة لصحة العقيدة، وكفر على أساسها الناس.

 

ومالم يع المثقف الديني المذهبي أن السلفية القدوة هي سلفية الصحابة السابقين، قبل عهود الاختلال والقمع والاختلاف، ولم يدرك حجم المشكلة الحضارية; فلن يبتكر وسائل الدفاع المتطورة, وسيزيد الناس -إذن- تأخراً وانكماشا, عبر منظومة فقه الإحجام والوقوف عند الباب، وإن أعلن أنه يحكم الكتاب والسنة، فالمشكلة في التفصيلات، والأعمال أصدق من الأقوال:

وكل يدعي وصلا لليلى

                         وليلى هل تقر لهم بذاكا؟

وليلى لن تسمح بوصلها إلا لمن يدفع مهرها، ويذود عن كرامتها المستباحة.

 

 

 

 

 

 

 

المقالة الثانية: الصحوة الدينية لن تفلح  حتى تكون  حضارية?

 

1-كيف استبدت نزعة الرهبنة بمفهوم الدين؟

 إذا أردنا أن نصحو صحوة دينية,ألا ينبغي أن تكون صحوة تجمع بين حرارة العقيدة وإستنارتها? وهذا يعني أمورا غفلت عن أهميتها الثقافة الدينية منذ أمد بعيد، أهمها قيم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ومنها العقلانية والتقنية والحداثة الإدارية والمادية،أي أن ندرك التحدي الذي يقتحم حصوننا, وهذا يعني أن تكون صحوتنا الدينية صحوة حضارية, أي أن ندرك أن الدين مشروع للتقدم في الدنيا والآخرة, لكي ندرك أن التحدي الذي يقتحم حصوننا تحد حضاري, وهذا يعنى أن نعيد النظر في المفاهيم السائدة بعد عصر الراشدين, التي حصرت الدين وجزأته, واستقرت في الذهن والسلوك الجمعي, فأصبحت مسلمات, وأفرزت نظاما تربويا دينيا مترهلا مضطربا هزيلا.

فإذا أردنا أن نفهم الثقافة الإسلامية الصحيحة, حق فهمها, فلابد أن نستوعب مفهوم الدين.

عندما نصف مدرسة, ونقول: إنها دينية ينبغي أن تكون دينية موضوعاً, ودينية مفهوماً وروحاً, بأن تستوعب هذه المدرسة الخطاب الديني الشامل,فلا تهمش قيم المجتمع المدني والعقلانية العملية والتقنية.

التعليم الديني الشائع, يكرس القطيعة المعرفية, بين التقدم الروحي والأخلاقي, والتقدم الاجتماعي والعمراني, وهذه القطيعة المعرفية الثقافية, تفرز قطيعة تربوية اجتماعية, أي أن ثقافة القطيعة بين الدنيا والآخرة, تفضي إلى ترسيخ قيم القطيعة, بين (الإيمان) و(العمران). ولابد من إعادة ربط الحبل المقطوع, بين العبادتين العبادة الروحية, والعبادة العمرانية.

وبذلك يسقط الحاجز المتوهم بين الديني والدنيوي, وينتهي الانفصام بين الشق الروحي, والشق المادي من العبادة, فالجانبان يتكاملان, فالطائر لا يطير إلا بجناحين, وطريق الفلاح في الدنيا والآخرة; لا يُمْشىَ بقدم واحدة, بل بقدمين, ولذلك ينبغي أن يتآلف المفهومان, كما يتآلف الجسد والروح في الإنسان.

 ألم يأن لنا أن ندرك أنه ينبغي أن تستمد الأمة من إيمانها, طاقة تدفعها إلى التفوق في عمرانها? ليتكرس الاهتمام بثقافة العمران, في الخطاب الديني. فلا يحتقر المتدين العلوم الطبيعة والكونية, ولا يخرج المثقف الديني مسائلها من ميدان وعظه وحثه واهتمامه, بذلك يمكن بناء ثقافة دينية, تدرك ما يضطرب في بحر الحياة, من علوم وأشياء, وفنون وآراء, ومذاهب وأناس, كي لا تنعزل الثقافة الدينية بالناس وتنكمش بهم, وتفرز الجهل بروح العصر, وتغفل عن التوازن, وتقتل حيوية التفكير, وتفاعل الأذهان, وتفاعل الجماعات.

 

2-أليس التمدين جزءاً أساسيا من التدين؟

 أي لا يكتمل فقه الدين إلا به?. أوليس ذلك هو مفهوم الفقه, الذي تكرر في القرآن الكريم. قبل أن تحصره المتون بالشعائر, ثم تحصر فقه الشعائر بالتلقين الجاف.

وهذا الفقه هو الذي يحمى الأمة من الانبهار, بما في العالم المتقدم, من أفكار وأشياء واختراع, ويتيح لكل مقتدر أن يجتهد في تخصصه, ويوظف علمه لخدمة أمته.

ولكن لم يدرك هذه الحقيقة, عدد كبير من من رسموا الاتجاه العام ;في الثقافة الدينية,ولاسيما في القرون المتأخرة, فترسب احتقار العمران والحضارة ,في الذهن والسلوك.

فنال قيم العمران والحضارة, في الخطاب الديني استبعاد تارة, وتضييق وتسفيه تارة ثانية, وحصرت في نطاق الضرورة القصوى, في أغلب الأحيان, فضعف الابتكار والإبداع, وكان ضعفها إيذانا بسقوط الحضارة, لأن الناس اتجهوا إلى منطقة الأمن والسلامة, لاسيما وفيها مايجذب من يبتغي هباء الدنيا; إلى حقلها المغناطيسي; من الرزق والوجاهة, فانشغلوا بالجانب الروحي والشعائري من الدين, والجانب اللغوي والأدبي, وأكثروا من الشرح والاختصار, والتكرار والاجترار, وقللوا من قدر الجانب العمراني ورموزه حينا , وأحاطوه وأحاطوهم; بالاتهام حينا آخر.

هذه المفاهيم التي صكتها الصياغة العباسية للفكر الإسلامي في المجتمع العباسي, لم تكن تجسيدا صافيا للإسلام، بقدر ما كانت صياغة مناسبة لمشكلات وتحديات ومعطيات في المناخ الاجتماعي.

 

3- عندما يغيم الجو يتقنع التقليد قناع التجديد والتأصيل

إذا أردنا أن نصحو صحوة دينية، فلا بد من أن تكون الصحوة حضارية، أي أن ندرك أنها لن تكون دينية، حتى تكون حضارية.

إن الصحوة الحضارية على كل حال صعبة، لأننا في عصر اضطراب معرفي ونفسي واجتماعي، ونأخذ لذلك نموذجا مفهوم الأصالة والحداثة، فكثيرا  ما لبست روح التقليد قميص الحداثة أو الأصالة:

فمن الغريب أن تقدم نزعات، جبرية وعدمية وتشاؤمية، على أنها هي الحداثة الأدبية والفكرية والتجديد عند قوم، من المعنيين بأدب العدمية والعبثية واللاأدرية، ومن المعنيين بالأدب الرومنسي والسريالي، من الذين يستسهلون اقتراض الحضارة،من من يتشدقون باسم الحداثة وما بعد الحداثة، وهم يجرون الناس إلى القدامة وما قبل القدامة، ويسوقون الناس إلى كهوف التخلف والغموض، والجبن والخور والجمود، هذا ما انتبه إليه الشاعر عبد المعطى حجازي:"نفر من تقليد قديم، إلى تقليد جديد".

لماذا تكون أكثر الذهنيات الحداثية أيضا تقليدية، في ما تقترض أو تترجم؟، لأنه ذهنيتها تكونت في ظل تراث عربي كثيف متراكم غير منسجم، فتشبعت بالنزعة التقليدية الإسفنجية.

 والأغرب من ذلك أن تقدم القيم الخاملة في عباءة الأصالة العربية والإسلامية عند آخرين، وكأنها هي مقتضى الإيمان بقضاء الله وقدره، فيبرر الاستسلام والخمول، على أنه شعيرة من شعائر الإيمان، وكأن مقتضى الإيمان بالقدر، إنما هو الركود والهبوط، وترك التدبير والتفكير، والغفلة عن الحساب والتخطيط.

وسرت القيم الخاملة واندست، حتى دخلت في الاتجاهات المنتسبة إلى السلفية(في صياغتها العباسية)، عندما حولت سلفياتنا المعاصرة، (التي تتناسل من السلفية العباسية)الدين الذي يولد النجاح في الدنيا والآخرة، إلى مولد لخراب الدنيا، تحت شعارات عمارة الآخرة،فقدمت أفكارا وقيما سلبية راكدة ساكنة، من منجم الضرورة وسد الذرائع، وقدمت قيما هشة مترهلة جامدة،على أنها صفات الفرقة الناجية،وقدمت قيما تربوية قمعية تلقينية على أنها منهج السلف الصالح.

 دون أن يفطن أهلها إلي أن النجاة في الآخرة،لا تنفصل عن النجاة في الدنيا، وإلى أن السلف الصالح الذي يجب الاقتداء به هم الصحابة، الذين أسسوا عهد القوة والنهوض والصفاء،(أي سلفية ماقبل الخلاف) فلم تضطرهم عهود الاختلال، والصراع إلى إنتاج فكر إصلاحي نسبي آني، يناسب بيئات كانت وفرق بادت وتحديات زالت، وليس من الضروري أن يناسبنا فضلا عن أن يصلحنا اليوم، ولذلك فإن كثيرا من دعوات الأصالة اليوم، إنما تدعو إلى أصالة وتأصيل التخلف والانكماش.

 وبمثل هذا الفكر أو ذاك لن ننجز صحوة إسلامية حضارية

 

 

 

المقالة الثالثة:فقه الاقتحام وفقه الإحجام

1-مامدى الضغط على معاييرنا الاجتماعية؟

استطاعت الحضارة الغربية الغالبة, أن تتغلغل في أوردة المجتمعات الإسلامية وشرايينها, فنشرت ثقافتها المادية والتقنية, عشراتٍ من القيم الفكرية والسلوكية, الخفية والجلية.

 ولو تأملنا السيارة مثلا, لوجدنا قيما مادية مرتبطة بها, كقانون السير, وجهة مقود السيارة, وجهة السير على الجانب الأيسر أو الأيمن, ورخصة القيادة والاستمارة, والورش وقطع الغيار, والطرق والحوادث, وتقريب المسافات, وسهولة الاتصالات .

هذا في الجانب المادي, فضلاً عن ما أحدثته من  عادات وأعراف, حلت بديلاً عن أعراف وعادات قديمة, كانت مرتبطة بأدوات النقل والركوب, كالجمال والبغال والحمير.

فكيف نتعامل مع هذه الظواهر? هل نستقبل كل جديد بالترحيب والانشداه? فيعرضنا ذلك للذوبان, أم نرفع لافتات الحظر والرفض? فنزداد عزلة, وتأخراً ونكوصا.

 وما موقف الخطاب الديني من هذه المستجدات? هل يكون دور الموقعين عن رب العالمين;رفع لافتات التحريم والتجريم,والتترس بجدار سد الذرائع, دون أن يدركوا أن الضغط ينتج الانفجار الاجتماعي.? أم يكون دورهم التبرير والتحبيذ, وشق طرق التسامح والتساهل; تحت لافتات فقه الضرورة حتى تفتقد المجتمعات قيمها الدينية.?

من المؤسف أن نجد الخطاب الديني الغالب, لا يكاد يبرح الحالة الأولى, إلا إلى الحالة الثانية.

فلايكاد يتقدم هذا الخطاب بمبادرات;تدل على وعي مستقبلي, ولا يكاد يدرك كيف يتعامل مع المستجدات, وظل يتعامل معها بأسلوب تقليدي راكد, يقوم على الوقوف أمامها في البداية, وقوف خوف وتهيب منها, أو جهل بجدواها, أو ضعف إدراك لخطرها (وهو على كل حال ينطوي عن عجز معرفي), ثم يستجيب لها ويوافق عليها ضرورة دون اختيار, أو جهلا بعد علم,  في نهاية المطاف.

 

2-فقه الإحجام:

 وإذا أفتى المثقف الديني بتحريم مشاهدة القنوات الفضائية, أولا ينبغي له أن يتذكر أن هذه فتوى سلبية سهلة?, كفتوى تحريم التعامل مع البنوك الربوية, وهي تخدير موضعي مؤقت, يزيد الملتزمين جهلا بما يجري حولهم, وأن كثيرا من الناس لن يستجيبوا له, كما لم يستجيبوا له عندما حذر من رباالبنوك.

 أفلا يدرك أن الحل العملي, يتطلب منه أن يطالب الآباء والأمهات, بانتهاج أسلوب التربية,المعتمدة على التحصين الذاتي,الذي ينمي المناعة الذاتية?, وأن يحض الأفراد الجماعات والحكومات, على امتلاك نواصى الإعلام, وعلى الإبداع في فنون التمثيل, من مسرحيات وأفلام, وأن يحث أهل الصدقات والوصايا والأوقاف, بالانتباه إلى جدوى الصدقة الجارية, في هذه البوابة العظيمة, من أبواب الدعوة إلى الله, لكي تُحارَبَ الوسيلة الهابطة, بوسيلة راقية.

أفلا ينبغي له أن ينبه الناس إلى أن هذه الفريضة نوع من أنواع الجهاد?, ما دام التحدى الحضاري قد جاءت كتائبه تترى, على صهوات وقنوات الدشوش والأنترنيت .

هذا الإعلام الذي كان سلطة (دولتية)  رابعة, أصبح اليوم سلطة(دولية) كبرى, تؤثر في قرارات السياسة والاقتصاد والثقافة, فتشكل عقلية الجماهير، وتخلخل المعايير الاجتماعية السائدة.

هذا الإعلام صار هو المصدر الجديد لتشكيل العقل والوجدان, والقيم الاجتماعية, حين قدم منظومة من القيم, تشجع نزعات الاستهلاك والأنانية والمادية, وتهدف إلى نزع الأمم المغلوبة من سياقها الحضاري, وجعلها مقطورة في قطار العولمة الأطلسي, عبر اختراق منظومة القيم الإسلامية, والترويج للقيم الاجتماعية والثقافية الغربية, بحيث تستمر الرياح الشمالية في هبوبها, تنطلق من المركز الأوربي والأمريكي, لتهب على الأطراف الجنوبية, مرسخة ثقافة التبعية والاستحواذ.

 

3- مفهوم تطبيق الشريعة

وفي مجال تطبيق الشريعة, ينبغي التأسي بالنبي وعهد الراشدين, لإدراك كيف يكون التدرج في التطبيق, وأن تطبيق الشريعة ليس قفزاً فوق أسوار المجتمع, وإنما هو مغالبة سلمية, تعتمد على إثارة الفاعلية في الرأي العام, وأن كل تطبيق فوقي, مهمها ملك من سطوة, لن يكون مصيره النجاح.

 فالقمع والجبر, لا يمكن أن يكون وسيلة ناجحة, إلا عندما يكون علاجاً للشاذين عن النسق الاجتماعي العام, وهنا فحسب »يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن«.

أما عندما يكون النسق العام, في تيه وضلال, فيبغي أن نتذكر »أن الله لايزع بالقرآن ولا يزع بالسلطان« بل بالقوة التنفيذية, للفكر التربوي المستنير, هي التي تبني القيم الاجتماعية, وتغرس المناعة الذاتية.

 وهذا يشير إلى معنى تطبيق الشريعة, الذي يحصره بعض الناس في الزجر والجبر, وإنما هو-قبل ذلك- غرس لقيم المناعة والاستقامة,التي تسري في نفوس المجتمع, حتى تصبح أعرافا تحظى بالاحترام الاجتماعي العام, عند ذلك يصبح المخالفون قلة شاذة, منبوذة من المجتمع,فيأتي دور الحدود والقوانين، حين يصبح تقليم أظافرها, أمرا ناجحا, لأن المجتمع يوافق على التقليم.

 وهذا يشير إلى أن المشكلة;ليست في تطبيق التربية, بل في فلسفتها, ومن هنا تأتي ضرورة تجديد الدين.