البــدايه

 

 

 

 

 

الكلمه أقوى من الرصاصه

 

(أو التجمع المدني السلمي

 للإصلاح السياسي

من أعظم الجهاد )

 

 

 

د. أبو بلال عبد الله الحامد
الأستاذ السابق في جامعة الإمام/الرياض

الطبعة الأولى
1425 هـ - 2004 م

مع تعديلات عليها لطبعة ثانية

23/3/1427هـ(21/4/2006م)


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

[ 1 ]

آية كريمة:

"ولتـــــكن منـــكم أمــــة

يدعـــــون إلى الخـــــير

ويأمــرون بالمـــــــعروف

وينــــهون عن المنـــــكر،

وأولئــــك هم المفلــــحون"

وحديث شريف:

"خيــر الجهـــــــاد

كـلمـة عــــــــدل

عنـد سلطــان جــائـر"

 

[2]

شكر

أشكر الزملاء من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فى مجال حقوق الإنسان، والمجاهدين بقول كلمة العدل أمام السلطان ، الذين زودوني بملاحظاتهم على هذا الكتيب وأخص بالذكر منهم الدكتور سلمان العودة الذي همش ما لديه من ملاحظات ، على مسودة الكتيب الأولى سنة 1414هـ ( 1993م ).

 

 

 

 

 

 [3]

المقالة الأولى
الرهبانية الجديدة

أ – السبب الأكبر في ضعف الأمة:

الحمد لله الذي خلق الإنسان، وجعله خليفة في الأرض، وأنزل الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، الذين أقاموا حضارة الإيمان، التي حلقت بجناحي الحرية السامية والعدالة، وبهما نشروا الإسلام رحمة للعالمين، في مشارق الأرض ومغاربها.

وبعد فما ضعف المسلمون، إلا عندما وقعوا في محظورين:

الأول: أنهم جزأوا الدين فآمنوا ببعضه وهو العبادات (المحضة) الروحية، وتركوا بعضه الآخر وهو العبادات (غير المحضة) المدنية فحرفوا الدين فوقعوا فى داء الأمم من" المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضدين " ( الحجر : 90-91 ) .

الثاني: ثم ضعفت في نفوسهم معاني العبادات الروحية المنشطة، فلم تعد الصلاة تنهى عن فحشاء مدنية، ولا منكر اجتماعي أو سياسي، وتحولت إلى عادات مثبطة منومة، وكان الدين مضموناً روحياً ومدنياً حضارياً حركياً شاملاً، فأمسى طقوس مناسك روحية فردية جزئية سلبية، وتلك هي الرهبانية الجديدة.

وعندما جاء الإسلام تمثله المسلمون الأولون، وأدركوا أن الإيمان شطران: مناسك روحية ومسالك مدنية، فكانوا نموذجاً حضارياً فريداً، كان الدين منبع سيادتهم في الدنيا، ودليل سعادتهم في الأخرى، وأضحى حافزاً للتفوق الحضاري الذي به عمارة الدارين، دار الدنيا ودار الآخرة معاً.

بيد أن جوهر الدين انطمر عبر الأمكنة والأزمنة، وأفل كثير من مضامينه الحضارية، فباتت أشكالاً معزولة، لا تحقق عزة في الدنيا، ولا نجاة من الهلاك في الآخرة، وتلاشت قوة الأمة ومنعتها، وصارت نهباً للطغيان الداخلي والعدوان الخارجي.

وعبر تأويل نصوص الشريعة المحكمة، برروا الظلم والجهل والتأخر، والفقر والذل والمرض، واستغلهم الخادعون من طلاب الحطام الدنيوي، والمخدوعون من أهل الزهد الرهباني السلبي، لتبرير كل واقع فاسد، وكل حادث مهين، فبرروا كل عدوان وطغيان. وصدق الرسول الكريم: «أخوف ما أخاف على أمتي: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، والأئمة المضلين».

[4]

ب – البحث عن المخرج:

ولن تتحقق للأمة عزة ولا قوة، إلا بعرى الدين المتينة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتحريك ما ركد من مياهه، وإشعال ما خبا من مصابيحه، ليعود الدين توحيداً صحيحاً، نقياً من ظلمات الشرك الخفي والجلي، وفقهاً ملهماً للنهوض والرقي، وينبوعاً يغسل أدران أمراض العقول والنفوس والأجساد، وروحاً يولد طاقات الأمة.

ولا يتم ذلك إلا بأمرين:

الأول: فقه الدين شاملاً، بالإيمان به كله سواء أكان شعائر مناسك أم شرائط معائش.

الثاني: ولا يتم ذلك إلا بتفعيل مفاهيم الدين الراكدة، والتي بقيت مصطلحاتها وحرفت مفاهمها لكي تستخدم في نشر قيم الخمول.

والخطوة الأولى أن يبادر الفقهاء المثقفون من علماء الشريعة خاصة، والعلماء والمثقفون من أهل الإصلاح عامة، الذين يدركون دورهم الريادي الطليعي إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتحريك المياه الراكدة، ونصب القدوة الحسنة، وواجب على كل مثقف أن يدلي بعمله وقوله، وواجب على من يجد في قوله أو عمله نقصاً أو خطأً أن يقوم ويسدد. وبهذا وذاك نشق الطريق المسدود ونصل إلى الهدف المنشود.

[5]

ج – الصالحات المدنية مؤهل وراثة الأرض

إن القيام بشطر الشريعة المدني، هو أساس بقاء الأمم والحضارات والدول، وذلك جاء في القرآن الكريم ربط وراثة الأرض بعمل الصالحات في الأرض، أي بإقامة شرطي البيعة في الإسلام : العدل والشورى الملزمة، من أجل بناء المدينة العادلة الشورية.

وكلما جاء الصلاح أو الفساد مرتبطاً بالأرض أو بوراثتها فإنما المقصود الصلاح المدني، قال تعالى: )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض( وقال: )ولقد كتبنا في الزَّبور من بعد الذِّكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون(. ومن يشكل عليه فهم كتاب الله المقروء، فليقرأ كتابه الكوني، فيدرك أن أساس بقاء الحضارات هو القيم المدنية.

إن من يتأمل تاريخ المسلمين، يدرك أن أهم سبب في انهيار الأمة، هو غياب أعراف المجتمع المدني. ومن هذا وذاك تعرف مقاصد الإسلام الكبرى ووسائل تنفيذها، في حفظ أمة الله أفراداً ومجتمعاً ودولة.

ومن يتأمل تاريخ نهوض الإفرنج، يدرك أن أهم سبب في تفوقهم، هو قوة ثلاثية المجتمع المدني، بأضلاعها الثلاثة:

الضلع الأول الأساس : منظومة القيم، كالحرية السامية والعدالة والشورى، والكرامة والمساواة، والتعددية والجدية والروح العملية إلخ. و

الضلع الثاني : التجمعات الأهلية المستقلة عن الدولة، من نقابات وجمعيات وروابط، بصفتها تجسيدا لسلطة الأمة باعتبار الأمة هي (الحاكم الفعلي)، وهو الأدرى بمصالحها، وهي ولية أمر نفسها. ( انظر لتفصيل ذلك كتيب ( ثلاثية المجتمع المدني ).

الضلع الثالث: توزيع عبء الدولة على ثلاثة أعمدة بدلا من عمود واحد، من خلال الفصل بين السلطات وقيام مجلس النواب بمحاسبة ومراقبة الحكومة، وتعزيز استقلال القضاء بذلك تتجسد سلطة الأمة على الحاكم، التي قررها الله فى القرآن، وعبر عنها الإمام إبن تيمية بعبارته الشهيرة " الامة هي المخولة بحفظ الشرع، وليس الحاكم، (انظر تفصيل ذلك فى كتيب (البرهان فى قوامة الأمة وسيادتها على السلطان) .

 

[6]

د - أولوية نشر ثقافة المجتمع المدني:

إن الأمة الإسلامية ولاسيما الشعب العربي لا تعاني اليوم من مجرد حكم جبري كسروي صحراوي جائر، يقدمه الفقهاء الغافلون على أنه الإسلام، أو أن الإسلام يتآلف معه .بل إن الأمر أعظم وأخطر، فهي تعاني من أزمة حضارية، في كافة أقطارها ومن التبسيط والتشويه، أن تحدد الأزمة بالحكم الجائر وإن كان الحكم الصحراوي الجائر أبرز مضاعفات المرض ، فالأمة تعاني من أزمة حضارية، أدت إلى الانهيار الداخلي وإلى هيمنة الأجانب على شؤونها، وهذه الأزمة تمتد جذورها إلى خلل حدث منذ بضعة عشر قرناً، في التربية الاجتماعية، ومنهاج التعليم وأهدافه ووسائله، وفي جانب التربية السياسية، والحكم الجائر أحد مظاهر هذه الأزمة.

إن الأزمة التي أسقطت الأقنعة الزائفة، وعرت التماثيل الفارغة منذ عام 1411هـ ( 1990م ) إنما هي إعلان عن إخفاق منهج التربية الاجتماعية، وعندما ركدت مناهج التعليم عامة والديني خاصة، فانحصر العلم في كثرة المؤلفات وتحصيل المعلومات وانفصل عن العمل.

 ومن أجل الخروج من هذه الأزمة لا بدّ من تجديد مفاهيم التعليم عامة والديني خاصة، من أجل ذلك ينبغي ربط كشف ما طمست الصياغة العباسية للثقافة الإسلامية من قيم المدنية. إن الأمة لا تعاني من نقص كمي في برامج التربية والتعليم، وإنما تعاني من فقر في الأفكار والمفاهيم.

وأول هذه المفاهيم ثلاثية المجتمع المدني من أجل ذلك لا بدّ للمهتمين بالدعوة والإصلاح، من نشر ثقافة المجتمع المدني.

وأسأل الله أن يوفق الجميع إلى الصواب، وأن يجنبنا الزبد والخطل، في الفكر والقول والعمل، وأن ينفع بهذا الكتيب وأن يجعله هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن يقبله بفضله وإحسانه.

 


 

[7]

المقالة الثانية
لماذا اعتبر الإسلام الإصلاح السياسي السلمي

 جهادا ؟

أ – غفلة المنتسبين للشريعة عن جانبها المدني:

من يتأمل النصوص الشرعية، يدرك أن الشريعة الإسلامية، لا يمكن أن توصل الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة معاً، آفراداً وجماعات ومجتمعاتبها إلا على محورين:

المحور الروحي: شعائر المناسك كإقامة الصلاة والصوم والحج. والمحور المدني: إقامة الدولة الشورية العادلة، وما فيها من معائش ومساكن ومراكب، ونحوها من ما يحقق (الرقي المدني).

إن فريضة الأمر بالمعروف ليس مقصورة على شعائر المناسك، كإشادة القباب على القبور، وترك الصلاة والصوم. ليس من السنة أن يحصر المحتسب جهده في إنكار المنكرات في التوحيد والمناسك، ويتشدد في ذلك حتى يغلو ويتنطع ـ لا سيما ـ وهي حقوق لله مبناها على الظاهر، وعلى الستر ودرء العقوبة بالشبهة، وعلى العفو من الله والمغفرة، والله لا يعاقب عليها إلا بعد إقامة الحجة، كما صرح القرآن فى قوله تعالى: )وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً(، وهي من ما لا تترتب عليه عقوبة دنيوية، وهي من ما لا تختل به حياة الأمة والدولة.

وفي مقابل هذا التشدد تساهل شنيع فظيع، في إقامة شطر الشريعة الدين المدني، الذي به تحرس العدالة الاجتماعية، ولا قوام للأمة دون عدل ومساواة وحرية سامية وكرامة، وأخلاق قوة اجتماعية ومعرفية وعملية. ولا عدالة من دون شورى، ولا شورى من دون تجمعات أهلية، ولا تجمعات من دون حريات مدنية.

إن من ضعف الفقه أن تجد عامة المتدينين والمتخصصين بعلوم الشريعة، يقومون بفصل فظيع بين ركني الشريعة الروحي الخاص والمدني العام، فقد يقيمون الدنيا ويقعدونها، من أجل موضوع غيبي اجتهادي، ليست المعركة فيه بين حق وباطل، إنما هي بين راجح ومرجوح، كصراعهم في مسألة القرآن مخلوق أم غير مخلوق، ويتركون شطر الشريعة المدني، وكأنه خارج إطار الشريعة، وهم بذلك يمارسون علمانية مقنعة، بل إنهم علمانيون أكثر من العلمانيين أنفسهم.

فتلاعب السلطان بأموال الأمة، وإنفاقها على الشهوات والمحاسيب، أمر يؤدي إلى انهيار الاقتصاد، وتحول الأمة من أمة غنية، إلى فقيرة مستجدية، تفرض عليها الدول ما تفرض، وذلك أمر يؤدي إلى الفقر، وكاد الفقر يكون كفراً، وحفظ مال الأمة أحد فروض الدين العامة.

والاستبداد بالإدارة والقيادة، وما فيه من رشوة ومحسوبية، وتولية غير الأكفياء، أمر يؤدي إلى الفساد الإداري يؤدي إلى انهيار الدولة بالفوضى والشقاق، وصلاح الإدارة أحد فروض الدين العامة، ولا صلاح للقضاء إلا باستقلاله التام عن السلطة التنفيذية، وبإعداد ثقافة قضائية، تمكن القضاة من حلول المشكلات. فصلاح القضاء أحد فروض الدين العامة.

وشيوع منهاج التربية الرخوة المتخلفة أو العلمانية، في مجال التعليم والإعلام، ليس أقل ضرراً من ما قبله، وفيه ضياع العقول والأعراض، فصلاح التربية والتعليم خاصة والتربية الإجتماعية عامة، أحد فروض الدين العامة.

 

 

[8]

ب – لماذا ركز الرسول الجهاد على الشق المدني السياسي؟

ومن أجل ذلك جاءت كلمة الجهاد مركزة على شطر الشريعة المدني. وواضح من الأحاديث الشريفة هذا التركيز، ومن الأدلة على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث الجهاد المدني " خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " ( رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة والنسائي وأحمد وصححه الألباني ) وصف النبي الإمام بالجور الذي يجب جهاده، والجائر يقابل العادل، وهما صفتان مدنيتان.

ولا جرم أن لكل عامل صفة بارزة، فالصفة البارزة في إمام المسجد هي فقه الصلاة والورع، والصفة البارزة في سائق السيارة، هي مهارة القيادة وحدة البصر.

والصفة البارزة في الحاكم هي العدالة أو الجور، فلم يصفه النبي بالفسق ولا بالفجور ولا بترك الصلاة أو الصيام ونحوها من شعائر الدين الروحية بل وصفه بالجور، وهذا يشير إلى أن الحاكم مهما صام وصلَّى، وبنى المساجد، وطبع المصاحف، لا ينبغي أن تشفع له هذه الأمور إن تهاون في وظيفته الأساسية: وهي إقامة فريضتي العدالة والشورى.

ولذلك جاء وصف الكلمة في بعض الروايات (بالعدل)، والعدل في هذه الرواية، يخصص ما ورد في الروايات الأخرى (بكلمة حق) أو (كلمة خير)، لأن الحاكم في غالب الأمور لن يقتل من أمره بالصلاة أو بالعفة ونحوها، لأن غالب الحكام يتظاهرون أمام الناس بكافة محاسن الأخلاق، ويستطيعون أن يخفوا كل الموبقات المدنية من زنا وشرب خمور والروحية من ترك صيام وسلام، إلا مسألتي العدالة والشورى، ولأنهما ليستا مسألة شخصية، يغلق عليها الإنسان داره، بل هي في كل شارع وحي ومدينة.

[9]

ج – الغفلة عن مقاصد الشريعة أفظع البدع:

وما أصيبت الأمة في كيانها، إلا عندما أوّلت النصوص الدينية الصريحة، واعتمدت على غير الصريحة، ونشرت الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي تنامى نباتها فى ظلال كهوف الحكم الصحراوي الكسروي وتركت النصوص القطعية، فعم الجهل بشطر العقيدة المدني: إقامة الدولة العادلة الشورية.

فسكت الناس عن الأمر بالعدالة والنهي عن الظلم والاستبداد، وأخذوا من الدين ما يوافق أهواءهم ويجنبهم مشقة الصبر، وظنوا أن الأمر بالعدالة والشورى من فروع الملة، بل أسقطوا مسألة الإمامة كلها من العقيدة واعتبروها من فروع الدين، ونسوا أنه عمود شق الشريعة الثاني، فمن تركه فقد أخلَّ بالركن الأول: تحقيق التوحيد والقيام بالصلاة ونحوه، وشجرة الشريعة أصلها التوحيد وهي ذات فرعين روحي ومدني، فمن أخلَّ بشطر، فقد أخلَّ بالآخر.

والإسلام عقد منظوم، لا يؤخذ منه جانب دون جانب، إلا في حالة الدعوة المتدرجة إليه، أما الاستمرار على ذلك فهو جهل بالشريعة، يؤدي إلى شيوع الفساد وخراب البلاد، كما قال الإمام الشاطبي، مؤكداً على أن ترك ضم أطراف الشريعة إلى بعض، هو أسباب الوقوع في الزيغ والغلط "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض".

"فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما تثبت به كلياتها وأجزاؤها المترتبة عليها، وعامها المترتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بمبينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها".

"وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي، فكما أن الإنسان لا يكون إنساناً؛ باليد وحدها، ولا بالرجل وحدها، ولا بالرأس وحده، ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي بها إنساناً، وكذلك الشريعة لا يطلب منها الحاكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، من أي دليل كان، وإن ظهر لبادئ الرأي نطق ذلك الدليل، فإنما هو توهمي لا حقيقي".

فشأن الراسخين في العلم، تصور الشريعة صورة واحدة، يخدم بعضها بعضاً، كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة متحدة. وشأن متتبعي المتشابهات أخذ دليل ما، أي دليل كان عفواً أو أخذا أوليا، وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي فكان العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكماً قطعياً، فمتتبعه متبعُ متشابه، ولا يتبعه إلا من قلبه زيغ، كما شهد به الله، )ومن أصدق من الله حديثاًً( (النساء: 87) (الاعتصام: 312/1).

جاهل بالدين بل مبتدع بدعة كبرى؛ من قصر جهده على العناية بقيم الإسلام الروحية الخاصة: المناسك، وترك قيم الإسلام العامة المدنية: شرائط المعاش الإدارة التي أساسها أمران: العدالة الاجتماعية، والشورى فى البيت والمدرسة والديوان.

    لقد أخذ بجانب من الدين وترك الآخر. فليحذر المؤمن من أن يقع في الضلال وهو لا يدري، فيكون من الذين يضلون الناس بغير علم، وإن كانوا من الزهد والإخلاص بمكان مكين، وإن كانوا من العلم والحفظ من المكثرين فالله قد حذرنا بأن الأمم السابقة، لم تهلك بسبب الجهل فحسب، بل إن علم الشقشقة والثرثرة والرهبنة، من أسباب الضلال " فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ". وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الضلال نوعين وحذر منهما معا: ضلال روحي وضلال مدني.

 وحذر من الأول:الروحي في ما رواه أبو هريرة " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعأ بذراع " فساله الصحابة : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال : فمن " ( رواه مسلم ) .

 وحذر من الثاني المدني : فى ما رواه أبو سعيد الخدري " لتتبعن سنن من كان قبلكم ، شبرا بشبر وذراعا بذراع " فساله الصحابة : فارس والروم ؟ قال : فمن ؟ " ( رواه البخاري ) ، قال ابن حجر " حيث قال " فارس والروم " كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس وسياسة الرعية ، وحيث قال اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات ؛ أصولها وفروعها "

وهذا الحديث من الأسس التي بنيت عليها ثنائية الروحي والمدني (فى بحث  نحو صياغة للعقيدة تصد عنا تحديات العلمنة والفرنجة والعولمة والهيمنة الأجنبية من كتاب:جناحان حلق بهما الإسلام).  

لأن للإسلام قدمين لن يمشي على الأرض فضلاً عن أن يسعى أو يحلق في الآفاق إذا شل أحدهما، ويعرج إذا مرض أحدهما، فلنتذكّر وعيد الله الذين حصروا الدين في جانب، وتركوا ما عداه )أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون( [البقرة: 85].

أجل إنه خزي في الحياة الدنيا قبل الآخرة، أصاب أمتنا الإسلامية عامة والعربية خاصة: جبر وخوف جور ومرض وجهل وفقر وتفرق وذل. وذلك جزاء من أخلَّ بشطر الشريعة المدني جانب العدالة والشورى، فمن همشه في فتاواه ومؤلفاته فقد أخلَّ بثاني اثنين من أصول الدين، إنه الخزي الفظيع.


 

[10]

المقالة الثالثة

 جهاد السلام ضد الطغيان الداخلي

 وجهاد الحسام ضد العدوان الخارجي

أ – الجهاد العسكري في الإسلام  إنما هو تجاه  الطغيان والعدوان لا تجاه الكفران؟

استقر مفهوم الجهاد في أذهاننا نحن المسلمين مرتبطا بأمرين: الحرب والكفار، وظل هذا المفهوم – وحده – راسخاً في ذاكرة الأمة، عبر الأزمنة والأجيال، حتى كاد ينحصر مفهوم الجهاد بحرب الكفار وهذا المفهوم فيه نظر من جهتين:

الأول: القرآن الكريم، لم يأمر بحرب الكفار ابتداءًا، إنما أمر بحربهم دفاعاً، فالجهاد في الإسلام دفاع عدوان، كما قرر الأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد، ووافقهم الشافعي أيضاً في أحد قوليه.

الثاني: أن جهاد الابتداء خاص بالدول القامعة التي تلزم مواطنيها الكفر، ولا تسمح لدعاة الإسلام بالدعوة إلى الله، فهو إذن ليس لمحاربة الكفران، بل لمحاربة دول دكتاتورية قامعة ظالمة.

ونسي المسلمون الجهاد المدني الداخلي، وصرف كثير من الناس معنى الجهاد لمحاربة العدوان الخارجي، فألفوا أن يقاوموا عدوان النصارى الصليبي تحت راية الجهاد، ولكن المسلمين إذ نجحوا أحياناً في صد العدوان الخارجي، أخفقوا في أغلب الأحيان في لجم الاختلال الداخلي، وفشلوا في علاج الانهيار والفوضى، لحصر قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالأمور الروحية وتركيزهم على الجانب الأخلاقي الذي لا يزعج السلطان الجائر. وتركهم مسألة شرطي البيعة الشرعية : العدل والشورى.

ولذلك ينبغي أن نتوقف