البدايه

 

 

 

 

 عندما صار الحافظ إماما

 ضاعت الأمة

(عن الخلايا المميتة في التراث)

 

           مقالات

 

  عبدالله الحامد

 

 

الفهرس

1-هل عباد الله الفطناء

 يطلقون الدنيا?

2- برنامج التربية الاجتماعية

سر نجاح الأمم وسر إخفاقها 

  3-عن هجاء الحضارة الغربية

 4-  التلقين أخطر عاهات التعليم:

5- عندما صار الحافظ إماماً ضاعت الأمة :

  6- عندما يصبح التعليم  تكريساً للجهالة(من تمنطق فقد تزندق)

7-أنت عقلاني ..إذن أنت متهم

8- القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ما الدرس المستفاد من ذاك الصراع؟

9-  العقلانية الاجتماعية  أو التجديد الديني الذي له الأولية

10 – الحرية تنتج الأحرار والقمع ينتج الرعاع:

11-الإصلاح لايكون إلا بالفكر الحواري المستنير :

12- آفة تعليم الدين هي تلك المتون? :

13- الفقه تراكم  معلومات أم مهارة تفكير واستقامة وسلوك :

14- فيه قولان

15- اختلاف الأمة على الثانويات ينسيها الاتفاق على الأساسيات:

 اختلاف الأمة عذاب أم رحمة ? :

  16-كيف تحرفت مفاهيم المصطلحات الدينة المنشطة؛إلى مفاهيم مثبطة 

   17- لماذا عجز خطابنا الديني الشائع عن التصدي للضغط الحضاري الأجنبي

      18-ثقافة النخب المتدفة هل أفسدت الشعوب؟

19- العناية بالتراث بين الوسائل والمقاصد

  20-التحليل الموضوعي هو البوصلة التي تحدد المسار :

21- عندما لايفرق الرادار بين طائرة موالية و معادبة؟

 22-المولودالطبيعي لابد أن يقطع الحبل السري:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

 

1-هل عباد الله الفطناء

 يطلقون الدنيا?

الحمد للَّه والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه .

نحن المسلمين اليوم يتجاوز عددنا ملياري نسمة , فيهم منا من العرب أكثر من مئتي مليون. نملك ثروات طبيعية هائلة , في ظاهر الأرض وباطنها , ونملك مواقع استراتيجية , تتحكم في المواصلات بين الشرق والغرب . ونعتنق دينا قويما , هو خاتم الأديان , ونرث حضارة شامخة .

وعلى الرغم من هذه المزايا والمعطيات , والقدرات والمؤهلات , نعيش على هامش الحضارة , ويتعرض نظامنا الروحي والتعبدي , والأخلاقي والحضاري,للتصدع والتفكك , حين تهب عليه الرياح الشمالية  الغربية , ومافيها من أساليب التربية والإعلام , حين تبث علينا قنواتها وإذاعاتها , من المواد الساحرة الجاذبة , ما يفقدنا المقاومة, وما يكاد يجعلنا أتباعاً أذلاء , نستورد ما يهدم بنياننا,وأصبحنا أسواقا مفتوحة لبضائعها , نستورد أكثر من ما نصدر , ونستهلك أكثر من ما ننتج , فأستحوذت علينا الأمم الجبارة , بسلاح الاقتصاد العلم والتقنية,وهو أفتك من السلاح العسكري .

وليس لنا دور في إدارة شئون هذا العالم , بل إن القوى الطاغية , تتدخل في شئوننا , وتزرع الصهيونية في قلب كياننا ,رمزاًللإذلال والهوان, والغطرسة العدوان ,وليس لنا إلا الاستخذاء والإذعان .

وكلما حاربنا انهزمنا , وكلما حاولنا تحرير بلد من فلسطين , أسلمنا أقاليم أخرى .فلماذا لم ينصرنااللَّه ? وهو الذي وعد عباده المؤمنين , بالنصر والتمكين فقال : »وكان حقا علينا نصر المؤمنين « هل اللَّه يخلف الميعاد? كلا فاللَّه لايخلف الميعاد, ومن أصدق من اللَّه قيلا?.

 فهل الوعد خاص بالمسلمين الأولين ? أيضا لا, فالوعد للمؤمنين  الصالحين في أي مكان وزمان,كما قال تعالى » ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون «.ولكن من هم الصالحون الذين نراهم يرثون الأرض، أهم أهل الصلاة والصوم ونحوهما من شعائر الإيمان؟، ام هم أهل التقنية والحيوية والتعاون على العدل ومكارم الأخلاق المدنية ونحوها من شعائر العمران؟

 إذن هنا تحريف لمفهوم الأيمان , وتحريف آخر لمفهوم الصلاح,في الثقافة التي توارثناها عن العصور القديمة, التي تلت عصر الراشدين.

  إذن ثمت سوء فهم للآيات بل سوء فهم للدين , المسلمون المتأخرون (في الجملة), لاينقصهم الإيمان القلبي, ويقومون بالأركان الخاصة بإقامة  الإسلام ,كالصلاة والصوم  ولكنهم لاينتصرون ,لأن قيامهم بالأركان الخاصة بالإسلام;لم يشحنهم بالشحنة اللازمة لإقامة الأركان العامة,أي الأركان الضرورية لإقامة الحضارة; في أي عصر ومصر,وفي أي شعب وجنس.

معنى ذلك أن تصحيح العقيدة, وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان وحج البيت الحرام, لايكفي لأنه إيمان ناقص , يشبه إسلام الأعراب الذين نبههم القرآن فقال :» قالت الأعراب آمنا , قل لم تؤمنوا , ولكن قولوا أسلمنا , ولما يدخل الإيمان في قلوبكم «.

ماالفرق بين البدو سكان البوادي والحضر سكان المدائن?,الفرق أن البدو يستقبلون الدين بثقافة بدوية,فيكون جهاز الاستقبال مشوشا مضطربا,فيفسرون الدين تفسيرا بدويا,فالثقافة البدوية إذن غير معدة, لاستقبال الإرسال بشكل فعال.ولكن الثقافة الحضرية والمدنية;قابلة لاستقبال الإرسال,إذن هناك علاقة بين الإيمان والثقافة المدنية,وبين العمل الصالح والمجتمع المدني.

 عندما يقيم المسلمون مجتمعات الإيمان والقسط والعمران; فهذا برهان على أنهم من » الذين آمنوا وعملوا الصالحات «, وعندما يخفقون في إقامة الحضارة والعمران ;يكون ذالك الإخفاق علامة واضحة,على مدى ضعف الإيمان و فساد الأعمال.وإنه لأمر غريب أن نعيش في عصر المدنية والتعليم والحضارة , ثم نكون أدنى مرتبة من أهل الأمية والبداوة من الأعراب.

 لماذا?لأن الإيمان لو دخل قلوبنا , لكان كالبطارية التي تشغل المحرك , فينتج النور أو الحركة .

 إيماننا ضعيف خافت , ولذلك لا يدور المحرك , أو يدور ولكن لا يخرج من البئر ماءاً , إنه لا ينتج طاقة , ولا يولد ضوءاً ولا حرارة. إذن ثمت ضعف في الإيمان وسكون , وثمن جهل بمعنى  (العمل الصالح) أيضاً .

الإيمان الخامل والأعمال الصالحة الناقصة, إن قبلها اللَّه في الآخرة , فإنه فلن يحمي بها ضعف المسلمين , من هجوم الأقوياء, لأن اللَّه ينصر من يعرف كيف يغالب التحديات, بأسلوب عملي وثاب,ويثيب في الآخرة من يستحق الثواب.

       الأمة إن ظنت أن عمارة دار الأخرة, تقام على أنقاض دار الدنيا , حصدت الهزيمة في الدنيا , وأوشك أن تحصد الخسارة في الآخرة ,لأن عمارة الدنيا , هي خط الدفاع الأول , عن روح الدين .

ومن عمر الدنيا على أنقاض الدار الآخرة,نصره اللَّه في الدنيا , وعاقبه في الآخرة , كما قال: (وكلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ريك , وما كان عطاء ربك محظوراً).

 فالأمم التي عرفت سر التقدم والنهوض , وأشعلت أذهانها , وحركت جوارحها , نصرها اللَّه , رغم شركها وانحطاط أخلاقها , لأنها جرت على السنن ,التي أودعها اللَّه في هذا الكون , واستثمرت قوانين الصعود , فأقامت مؤسسات العدل والانصاف , وقيم الإدارة والعمل , وشجعت البحث والابداع والابتكار , وأقامت الحضارة المادية , فهزمتنا نحن أصحاب الحضارة الروحية. لأننا أهملنا الجانب الحضاري المادي من الدين .         

 وهذا الإهمال معصية بارزنا اللَّه بها , حين أولنا الخطاب الديني , وأخرجنا الابداع الإداري والاجتماعي,والمادي والتقني من الدين ,وأخرجنا الطموح الدنيوي من ثقافة الصالحين,حتى استشهد النووي -رحمنا الله وإياه¯- في مقدمة (رياض الصالحين)بقول الشاعر:

إن لله عبادا فطنا    طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

ومقدمات الكتب صور مركزة ,كالنظارات المقعرة,لأفكار الكاتبين,وبذلك نستطيع أن نبلور نموذج الصالحين, ونموذج السلف الصالح,الذي يريد وعاظ ودعاة كثيرون ; إعادة نتاجه بين شباب الصحوة.

هل نحن حقا فطناء عندما نطلق الدنيا?لقد طلقنا الدنيا فتزوجها الأطلسيون, وأنجبت لهم أشبال المعرفة التقنية مدنية وعسكرية،وجاءت أشبالها من فوق الأرض والجو والبحر والبر ,تفتننا عن أخلاقنا وإيماننا.

ونحن إذن ندفع فاتورة تحريف الإيمان والعمل الصالح. ولذلك أذلنا اللَّه, حتى نعود إلى الدين كما فهمه الجيل الأول . وبتجسيد ذلك الفهم, على المسرح الاجتماعي; يكتمل الإيمان ,وفق معادلة رهبان الليل وفرسان النهار , لأن الرهبان الذين يريدون أن تبنى لهم الصوامع , لكي يعبدوا اللَّه يجهلون مفهوم العبادة، فضلا عن مفهوم الزهد أيضاً.

فالمتدين الحقيقي من يبني المصانع ,ويغرس المزارع , كما يبني المساجد والجوامع . ومن يكتب في فقه الفلك والطبيعة , كما يكتب في فقه الصلاة والصوم , ومن يرتحل لاكتشاف الآفاق , كما يرتحل لأداء الحج , ومن يقوم بالنهار في الإدارة والإنجاز والإبداع , كما يقوم في الليل في التهجد والدعاء , ومن يحفظ أسرار التقنية , كما يحفظ القرآن, ومن يقرأ ملامح المستقبل ,كما يقرأ عبر التاريخ .

نحن إذن ناقصو الإيمان , إن لم يكن إيماننا شكلانيا? .

هناك إذن أزمة في المفاهيم والأفكار, نتجت عنها أزمات في القيم والعقيدة والأخلاق .كيف حدث ذلك ? ومتى حدث? وما الأسباب ?.

منذ أمد بعيد,بدأ الابتعاد عن المعنى الحضاري للدين,وحيث إن التحريف والتبديل ;كان رويدا رويدا;لا بد من تفكيك التراث أجمع, منذ العصر الأموي حتى العصور الحديثة,و فرزه وتصفيته; في مصفاة مفاهيم( النص)الإلاهي والنبوي,ومن خلال تمثيل النص على المسرح الاجتماعي ,في عهد النبوة والخلافة الراشدة.

ومن خلال العلاقة التبادلية بين السؤال والجواب,والقلق الإصلاحي بين الخطأ والصواب, والعلاقة العضوية بين الاستقبال والإرسال,يوشك أن يصل الناس إلي توثيق العلاقة بين الفكر المستنير الفعال, والفعل الناجح السباق.

                                 أبو بلال عبدالله الحامد

                                 الرياض    1417هـ

 

 

 

 

 

2- برنامج التربية الاجتماعية

سر نجاح الأمم وسر إخفاقها  

 

(نشرت في جريدة الشرق الأوسط/الأحد25/4/1999م)

لماذا لم يستطع العرب والمسلمون , أن يكونوا قوة مادية , تحمي قوتهم الروحية ? رغم تعرفهم على الحضارة الغربية , قبل اليابان وقبل الروس وقبل الصين . ولماذا ظهرت اليابان قوة في الاقتصاد والصناعة ? نافست الغرب وسابقته , فباعت سياراتها وساعاتها , في قلب برلين ولندن, وباريس وواشنطن . مع أنها خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية .

 بل وظهرت دول صغرى مثل كوريا , لم تكن ذات أثر يذكر, في التاريخ القديم أو الحديث , واستطاعت أن تنافس بأجهزتها بلدان الغرب , وأن تكون كياناً قوياً.

    كوريا نموذج ينبغي أن يتحذى, نموذج يمكن أن يقول للذين يستصغرون شعوبهم ودولهم عن أن تقارن باليابان:لاشيء مستحيل.

 دولة دون ترواث طبيعية وافرة , وليست ذات شأن كبير,في السياسة الدولية,وليست ذات موقع استراتيجي مهم,ولم تحقق من السيادة الوطنية قدراًمرضياً. وكانت بالأمس القريب مستعمرة يابانية, وذاقت آلام الحرب والأجانب,وشربت من الفظائع والكوارث,مايشيب لهوله الولدان . ورغم كل هذه المعوقات,يبدو النجاح والإبداع , في عمر قياسي قصير .اقتصاد عملاق, لاتهزه الأزمات العلمية.وشعب نشيط.

لابد أن نتأمل هذه الحالة الشاذة , في البلدان العربية والإسلامية .

 في تركيا الحديثة فشل مصطفى كمال ,حين ظن أن التقدم المادي يحصل باستيراد الحداثة,  فأخفق إخفاقاً في محاولته, لأنه تجاهل أن أبا الترك الحقيقي هو الإسلام , وإن كانت أمهم هي القومية التركية , فاستورد الحداثة بخيرها وشرها , فلا هو احتفظ بروحانية الشرق , ولا أدراك مادية الغرب ,لأن الحداثة  ليست استيراد سيارة أو عباءة، بل ولا مجرد صناعة سيارة أو طيارة ,الحداثة إنتاج حضاري, يستوعب ما لدى الآخرين, ثم يفرز ثم يغرس حسب شروط التربة .

الحداثة لابد أن تؤسس على قيم الأمة وثوابتها , وقيم الأمة موجودة , ولكنها تحتاج إلى تجديد , عبر الأفكار والقيم الفعالة , التي تزكي الدينامية الاجتماعية في الأمة.

وفي مصر فشل مشروع التحديث أيضاً , لأن المجتمع ظل بنظامين للتعليم , دون قدرة على تمييز العناصر المفيدة من الحضارة الغربية , ثم بنائها على ثوابت من الشريعة الإسلامية , لأن التعليم التلقيني الشائع , ليس هو التعليم الإسلامي الفعال , بل هو اجترار للتراث , وهذا التراث بحاجة إلى فرز , لانتقاء عناصره الفعالة , وترك خلاياه الميتة .

من أجل ذلك ألا ينبغي أن نضع أيدينا على أمراضنا ? لنستطيع تحليلها ورؤيتها . فتشخيص المرض خير سبيل للعلاج الناجح . وتشخيص الداء هو بداية التصحيح .

 أما المعرفة العاطفية , القائمة على التبرير والنرجسية , سواءً أ كانت نرجسية وطنية أو قومية أو إسلامية , فهي حلول عاطفية ,تقود إلى الإحباط أو الاستسلام , هي سلوك يدل على أننا لم نشبب عن الطوق,  ولم نتجاوز الصدمة الحضارية , التي قستنا إلى منكمشين معتزلين , أو منبهرين منساقين , أو مستسلمين ينتظرون الحل , عبر الروح الغيبية , التي تكتفي بالرجاء والدعاء .

لقد قال مالك بن نبي ,كلمة بالغة التعبير عن حال الأمة : (إن فينا قابلية للاستعمار والاستعباد) وقابلية الذوبان والاستحواذ هي سبب بلاوينا . لقد رمينا على الشيطان والاستعمار والآخرين جميع عيوبنا , وعلقنا على مشاجبهم جميع مايصيبنا.

كأنه مطلوب من الذئاب, أن تساعد الحملان على النجاة , وكأنه مطلوب من أعدائنا أن يساعدونا في الخلاص من سيطرتهم علينا .

وسبيل الحل الواقعي العملي,أن ننتقد أنفسنا, قبل أن تحل بنا طامة العولمة الأطلسية , أفلا ننقد أخلاقنا وقيمنا;قبل أن نصبح ذيلا في  هذه الحضارة المادية , تغزونا بأسلحة عسكرية , فتقتل أجسامنا قتلاً مادياً .

 ولكن القتل المعنوي هو المؤكد , لأن إعلامها وقيمها الأخلاقية والتربوية , ستسري في مجتمعاتنا , سريان الخمر في الجسم , وأشياخنا وعلماؤنا ومثقفونا , قاعدون يرددون المتون , مشغولون بالمسائل التراثية , أو منهمكون في الجدل البيزنطي و السوفسطائي, أو غارقون في الفكر المجرد , غير المرتبط بالواقع, أو منصرفون إلى المسائل الصغرى , من غير أن يراعوا الأولويات , ويقيموا نتائج عملهم وجهودهم , من خلال أثرها المنشط أو المثبط ,على أحوال الناس .

و الناشئون فينا منصرفون إلى استهلاك المغريات , التي تخلب ألبابهم , من صناعات واختراعات,  ووسائل اتصال وقنوات, وهذه الوسائل الغربية ,هي التي  ستشكل عقائد الأجيال القادمة , وأفكارها وأخلاقها وعاداتها.

 إذا لم يتدارك الأمر ولاة الأمر من ذوى السلطة المادية, من الرؤساء والعلماء، وألو الأمر من الخبراء والمثقفين ,وذوي الفعالية الاجتماعية . فسنهلك جميعاً , سيهلك صاحب العقيدة الصحيحة , مع صاحب العقيدة الفاسدة , وصاحب السنة مع صاحب البدعة , وجماعة السلف مع جماعة الخلف, وستصبح الحكومات  ذيولاً لا أهمية لها ولا سلطة .

ونحن بحاجة إلى أن نحيل إلى رفوف المتاحف والآثار , أمثال كتاب (دلائل الخيرات), وهي كتب كثيرة. وبحاجة إلى أن نتأمل في وسائل التعليم وكتبه , وطرق التربية الاجتماعية .

إن  نتيجة أنظمتنا التربوية هي هذه الأجيال التي أفرزت الهزائم أو هادنتها,أو عجزت عن التقدم على مستوى الفعل والفكر, إنتاج هذه التربية;  إدانة لهذه الوسائل ,إعلان عن إفلاسنا التربوي, ودلالة على أن ثقافتنا أخفقت في إنتاج مسلم قوي , يستطيع أن يتحدى بدينه المغريات .

 وكثير من  هذه الكتب التراثية أنتجت فكراً مأزوما أو نتجت عنه , فكيف نريد من العريان كساء?.

كل فكرة لا تنهض بالواقع , فإن التشبث بها, والتغني بصحتها , إنما هو عجز وكسل ,ينتجه التقليد والخمول , وغيبة الوعي ,وكلالة البصر .

كل مذهب ينسب إلى الإسلام , دون أن يقدر على مجابهة جوهر التحدي الحضاري , ففيه خلل , وفي نسبته إلى الإسلام نظر. هناك خلل إما في اكتشاف (مفاهيم ) الإسلام , وإما في كيفية تنزيل المفاهيم على المسرح الاجتماعي,أي في ابتكار الآلية المناسبة للنهوض بالواقع .وانتساب الفكر الذي لم يستطع أن ينجح,إلى السلف الصالح, أو إلى السنة والجماعة,لا يجوز أن يكون جواز سفر لتمرير الفشل والإخفاق,نحن بحاجة إلى أن نتأسى بمن نجح ونجا في الدنيا والآخرة, وهذا هو مفهوم الصلاح في الثقافة الإسلامية الأصلية.

أنقول : ليس بالأمكان أبدع مما كان , وأن الأول ما ترك شيئاً للآخر?.

أم نقول إن الزمن لا يتغير , أو أن تغيره لا يغير الأشياء .هل نستطيع أن نعيش في عزلة عن العالم من حولنا ? فلا نحس به ولا يحس بنا .

إذا كنا نطمح إلى أن نكون أمة مسلمة ,قوية في دينها, فلابد أن نكون أمة قوية في جميع شئونها, من سياسة واقتصاد, واجتماع وإدارة, وعلم مادي وتقني .

لن نستطيع أن نحمى القوة المعنوية إلا بالقوة المادية. لابد أن ينقض الإنسان المسلم على آلة الحرب والدمار والاستغلال والاستحواذ, سواءاً كانت عسكرية أم اقتصادية, أم صناعية تقنية, أم تربوية إعلامية عليه أن ينتزع المسدس من المجرمين, لا لكي يقتل به الآخرين, بل ليتقي بانتزاعه غرور الأشقياء, وطيش السفهاء, وحقد الأعداء .

ولكن ذلك لا يحدث, إلا على أساس من التربية الفعالة, التي تنشيء في الناس أخلاق النهوض, وما فيها من جدية واستقامة, وحفظ للوقت والجهد والمال, واستثمار جيد للطاقة الإنسانية, أي أن البداية تكون بتغير المناخ  الأخلاقي والاجتماعي, والاقتصادي والسياسي, الذي أنشأ في الأمة قابلية الاستعمار والاستغلال.

 وذلك أمر يتطلب ثورة في الفكر التربوي, تلهم الناس إرادة النجاح, ولا ثورة إلا بتغيير الأبجدية التي أكسبها التقليد قداسة, والأمر لا يحتاج إلى معجزات, بل أن ننظر إلى الأمم التي سبقت كيف سبقت, ونبتكر فكرا تربويا فعالا; قبل أن نتكاثر في بناء الجامعات والمعاهد والمراكز.

 فمن يعلق الجرس من أولى الأمر والأيدي والأبصار؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  3-عن هجاء الحضارة الغربية  :

(نشرت في جريدة الشرق الأوسط/الثلاثاء217/4/1999م)

 

لقد شاعت فينا نحن المسلمين أسباب ضعف عديدة  منها أسباب بعيدة تتصل بعصور الانحطاط , وأسباب قريبة تتصل بقوة الحضارة الغربية . الأسباب القريبة هي ضعف القدرة على ابتكار تربية إسلامية فعالة . والأسباب البعيدة التي تتصل بعصور الانحطاط , تعني أن منهاجنا التربوي المحافظ , إنما هو إعادة إنتاج للنظام التربوي , الذي واكب الانحطاط في قروننا الوسطى . ومافيه من روح الهزيمة والقنوط , وروح التقليد والسكون.

  وهذا الانحطاط قديم , ولكن أجدادنا لم يشعروا به , لأنهم لم يصادموا أمماً ذات حضارة فعالة . فالصليبيون والتتار, ليسوا إلا وحوشاً غير متحضرة , فغياب البديل الحضاري المنافس في القديم , أوهم الأمة بأنها على خير مايرام , وحجب ضبابه العيون عن إدارك التأخر.

 وفي العصر الحديث جاء التحدي الحضاري , فأصيب المسلمون بالصدمة , كصدمة النائم , عندما يوقظه وهج الشمس وضجيج القوافل , فأصيب الناس بالانبهار, وفقدوا التوازن , فانقسموا إلى فريقين : فريق دفعته الصدمة إلى الغرب , فاندفع كما يندفع الفراش إلى السراج الوهاج , وفريق نكص على عقبيه, وأدار ظهره إلى السراج , ودفن رأسه في أكوام التراث , كما يحتمي الساذج بصاحب الضريح .

فلا الحداثة المستوردة نجحت , ولا المحافظة وإعادة إنتاج التراث أثمرت , لأن الحداثة لا تستورد  , إنما تستوعب وتهضم , ثم تصهر وتصب في قالب شخصية الأمة . ولأن المنهج  التربوي الوسيط,عجز عن إنقاذ الأمة بالأمس, فكيف نتوهم أن إعادة إنتاجه , ستدفع عنا الغزو الحضاري الجديد , وهو أشد وأقوى من الغزو القديم ?